شيخوخة إسحاق وطلبه صيدًا ليبارك عيسو قبل موته
وشاخ إسحاق بن إبراهيم وتقدّم في الأيام، وضعف بصره من الكِبَر حتى كلّت عيناه ولم يعد يرى.
فدعا إسحاق في ذلك الوقت ابنه عيسو وقال: خذ، أرجوك، سلاحك، جُعبتك وقوسك، وقُم اخرج إلى الحقل واصطد لي صيدًا، واصنع لي طعامًا شهيًا وأحضره لي آكل منه لكي أباركك قبل موتي، فقد شخت وشبت.
ففعل عيسو كذلك؛ أخذ سلاحه وخرج إلى الحقل ليصطاد كعادته، ليحمله إلى أبيه كما أمره فيباركه.
خطة رِفقة لإعداد يعقوب لنيل البركة قبل عودة عيسو
وسمعت رِفقة جميع كلام إسحاق لعيسو، فسارعت ودعت ابنها يعقوب وقالت: هكذا تكلّم أبوك مع أخيك عيسو، وهكذا سمعتُ. فالآن أسرِع واصنع ما سأقوله لك.
قم، أرجوك، إلى القطيع وائتِني بجدَيَيْنِ طيّبين من المعزى، وأنا أهيّئ لأبيك طعامًا شهيًا، فتقدّمه له ليأكل قبل أن يرجع أخوك من الصيد، لكي يباركك أبوك.
فأسرع يعقوب وفعل كما أمرته أمُّه، وهيّأ الطعام الشهي وقدّمه لأبيه قبل أن يعود عيسو من صيده.
فقال إسحاق ليعقوب: من أنت يا بُنيّ؟ فقال: أنا بكرك عيسو؛ قد فعلتُ كما أمرتني. فقم الآن، أرجوك، وكُلْ من صيدي لكي تباركني نفسك كما قلتَ لي.
إتمام البركة ليعقوب ثم رجوع عيسو واكتشاف الخديعة وغضبه
فقام إسحاق وأكل وشرب، فاطمأن قلبه، وبارك يعقوب، وانصرف يعقوب من عند أبيه. وما إن فرغ إسحاق من مباركة يعقوب وخرج يعقوب من عنده، حتى جاء عيسو من صيده من الحقل، فأعدّ هو أيضًا طعامًا شهيًا وأحضره لأبيه ليأكل منه ويباركه.
فقال إسحاق لعيسو: فمن هو الذي أخذ الصيد وجاءني به قبل مجيئك فباركته؟ فعرف عيسو أن أخاه يعقوب فعل ذلك، فاشتعل غضب عيسو على أخيه يعقوب لما صنعه به.
وقال عيسو: أليس اسمه دُعي يعقوب بحق؟ فقد احتال عليّ مرتين؛ أخذ بكوريتي، وها هو الآن قد أخذ بركتي. وبكى عيسو بكاءً شديدًا. ولما سمع إسحاق صوت ابنه عيسو يبكي، قال له: ماذا أستطيع أن أفعل يا بني؟ لقد جاء أخوك بمكر وأخذ بركتك. فبغض عيسو أخاه يعقوب من أجل البركة التي أعطاها أبوه له، واشتدّ غضبه عليه.
هروب يعقوب لبيت عابر، وإقامة عيسو بسعير ثم رجوعه
وخاف يعقوب جدًا من أخيه عيسو، فقام وهرب إلى بيت عابر بن سام، واختبأ هناك بسبب أخيه. وكان يعقوب ابن ثلاثٍ وستين سنة حين خرج من أرض كنعان من حبرون، وظلّ يعقوب مختفيًا في بيت عابر أربع عشرة سنة بسبب أخيه عيسو، وهناك واصل تعلّم طرق الرب ووصاياه.
ولما رأى عيسو أن يعقوب قد هرب وفلت منه، وأنه نال البركة بالمكر، اغتمّ جدًا، وسَخِط أيضًا على أبيه وأمه. ثم قام وأخذ امرأته ومضى من عند والديه إلى أرض سعير وأقام هناك. ورأى عيسو هناك امرأة من بنات حثّ اسمها بسمة بنت إيلون الحثّي، فاتخذها زوجة فوق زوجته الأولى، وسمّاها عادة، قائلاً إن البركة قد زالت عنه في ذلك الوقت.
وأقام عيسو في أرض سعير ستة أشهر دون أن يرى أباه وأمه. وبعد ذلك أخذ عيسو زوجتيه وقام ورجع إلى أرض كنعان، ووضع زوجتيه في بيت أبيه بحبرون.
إساءة زوجتي عيسو لوالديه بسبب عبادتهما وتمسّكهما بالبعاليم
وأغاظت زوجتا عيسو إسحاق ورفقة بأعمالهما، لأنهما لم تسيرا في طرق الرب، بل عبَدَتا آلهة أبيهما من خشب وحجر كما علّمهما أبوهما، وكانتا أشرّ من أبيهما.
وسلَكتا وفق شهوات قلبيهما الشريرة، وذبحتا وأحرقتا البخور للبَعاليم، فسئم منهما إسحاق ورفقة.
وقالت رِفقة: قد سئمت حياتي بسبب بنات حثّ؛ إن أخذ يعقوب زوجة من بنات حثّ، مثل هاتين من بنات الأرض، فماذا تنفعني الحياة؟
ميلاد أليفاز لعيسو ووفاة إسماعيل ونَوْح إسحاق عليه
وفي تلك الأيام حبلت عادة زوجة عيسو وولدت له ابنًا، فسمّى عيسو ابنه المولود أليفاز. وكان عيسو ابن خمسٍ وستين سنة حين ولدته.
ومات إسماعيل بن إبراهيم في تلك الأيام، في السنة الرابعة والستين من عمر يعقوب. وكانت جميع أيام إسماعيل مئة وسبعًا وثلاثين سنة، ثم مات.
ولما سمع إسحاق بموت إسماعيل ناح عليه، ورثاه إسحاق أيامًا كثيرة.
عودة يعقوب بعد أربع عشرة سنة وتهديد عيسو ونصيحة رِفقة بالهروب
وعند تمام أربع عشرة سنة من إقامة يعقوب في بيت عابر، اشتاق يعقوب أن يرى أباه وأمه، فجاء إلى بيت والديه في حبرون. وكان عيسو في تلك الأيام قد نسي ما فعله به يعقوب حين أخذ البركة منه آنذاك.
فلما رأى عيسو يعقوب آتيًا إلى أبيه وأمه تذكّر ما صنعه به، فاشتدّ غيظه عليه وطلب أن يقتله.
وكان إسحاق بن إبراهيم شيخًا متقدّمًا في الأيام، فقال عيسو: قد دنا وقت أبي ليَموت، ومتى مات سأقتل أخي يعقوب.
وبُلِّغ هذا إلى رِفقة، فأسرعت وأرسلت فدعت يعقوب ابنها، وقالت له: قُم، اذهب واهرب إلى حاران إلى أخي لابان، وأقم هناك زمنًا حتى ينصرف غضب أخيك عنك، ثم تعود.
وصايا إسحاق ليعقوب بعدم الزواج من الكنعانيات وبركة العهد ورحيله
ودعا إسحاق يعقوب وقال له: لا تأخذ زوجة من بنات كنعان، لأن أبانا إبراهيم أوصانا هكذا بحسب كلام الرب الذي أوصاه قائلاً: لنسلك أعطي هذه الأرض. فإن حفظ بنوك عهدي الذي قطعته معك، فأنا أيضًا أُنجز لبنيك ما تكلّمتُ به معك ولا أتركهم.
فالآن يا بني اسمع لصوتي في كل ما أوصيك به، وامتنع عن أخذ زوجة من بنات كنعان؛ قُم اذهب إلى حاران إلى بيت بتوئيل أبي أمك، وخُذْ لك من هناك زوجة من بنات لابان أخي أمك.
فاحذر لئلا تنسى الرب إلهك وكل طرقه في الأرض التي تذهب إليها، ولئلا ترتبط بقوم تلك الأرض وتتبع الباطل وتترك الرب إلهك.
لكن حين تأتي إلى تلك الأرض فاعبد هناك الرب، ولا تمل عن الطريق الذي أوصيتك به وتعلّمته، لا يمينًا ولا يسارًا.
وليعطِك الله القدير نعمة في أعين أهل الأرض، فتأخذ هناك زوجة حسب اختيارك، تكون صالحة ومستقيمة في طرق الرب.
وليُعطِكَ الله أنت ونسلك بركة أبيك إبراهيم، ويجعلك مثمرًا ويُكثّرك، حتى تصير جماعة من الشعوب في الأرض التي تذهب إليها، وليُرْجِعْكَ الله إلى هذه الأرض، أرض سكنى أبيك، ومعك بنون وثروات عظيمة، بفرح وسرور.
ولما فرغ إسحاق من وصية يعقوب ومباركته، أعطاه هدايا كثيرة مع فضة وذهب، وصرفه. فأطاع يعقوب أباه وأمه، وقبّلهما، وقام وذهب إلى فدان-أرام. وكان يعقوب ابن سبعٍ وسبعين سنة حين خرج من أرض كنعان من بئر سبع.
تكليف عيسو لابنه أليفاز بقتل يعقوب وتتبعه حتى شكيم
ولما مضى يعقوب ليذهب إلى حاران، دعا عيسو ابنه أليفاز، وكلمه سرًّا قائلاً: أسرِع الآن، خذ سيفك بيدك واتبع يعقوب، وتقدّم عليه في الطريق، واكمنْ له، واقتله بسيفك في أحد الجبال، وخذ كل ما له وارجع.
وكان أليفاز بن عيسو فتى نشيطًا ماهرًا في القوس كما علّمه أبوه، وصيادًا مشهورًا في الحقل، ورجلًا باسلًا.
ففعل أليفاز كما أمره أبوه، وكان أليفاز في ذلك الوقت ابن ثلاث عشرة سنة، فقام وذهب وأخذ معه عشرةً من أخواله وتَعقَّب يعقوب.
وتابع يعقوب عن كثب، وكمن له على حدود أرض كنعان قبالة مدينة شكيم.
مواجهة أليفاز ليعقوب، وتضرّع يعقوب وتسليم أمواله ونجاته
ورأى يعقوب أليفاز ورجاله يطاردونه، فوقف في الموضع الذي كان يسير فيه ليتبيّن الأمر، إذ لم يكن يعلم ما يجري. واستلّ أليفاز سيفه وتقدّم هو ورجاله نحو يعقوب. فقال لهم يعقوب: ما شأنكم حتى جئتم إلى هنا؟ وما معنى أن تطاردوني بسيوفكم؟
فاقترب أليفاز من يعقوب وأجاب وقال له: هكذا أمرني أبي، ولذلك لا أحيد عن الأوامر التي أعطاني إياها. فلما رأى يعقوب أن عيسو قد أوصى أليفاز باستعمال القوة، دنا يعقوب وتضرّع إلى أليفاز ورجاله، قائلاً له:
هوذا كل ما لديّ وما أعطانيه أبي وأمي؛ خذه لك واذهب عني، ولا تقتلني، وليُحسَبْ لك هذا برًّا.
فجعل الرب يعقوب ينال نعمة في عيني أليفاز بن عيسو وعيني رجاله، فاستمعوا لصوت يعقوب ولم يقتلوه. وأخذ أليفاز ورجاله كل ما ليعقوب مع الفضة والذهب اللذين حملهما من بئر سبع؛ ولم يتركوا له شيئًا.
رجوع أليفاز بالمتاع إلى عيسو وسخط عيسو ثم قبوله الغنائم
ومضى أليفاز ورجاله عنه ورجعوا إلى عيسو في بئر سبع، وأخبروه بكل ما جرى لهم مع يعقوب، وأعطوه كل ما أخذوه من يعقوب.
فسخط عيسو على ابنه أليفاز وعلى الرجال الذين معه، لأنهم لم يقتلوا يعقوب.
فأجابوه وقالوا لعيسو: لأن يعقوب تضرّع إلينا في هذا الأمر ألا نقتله، فتحرّكت شفقتنا عليه، فأخذنا كل ما له وجئنا به إليك. فأخذ عيسو كل الفضة والذهب التي أخذها أليفاز من يعقوب ووضعها عنده في بيته.
زواج عيسو من مَحْلة بنت إسماعيل بعد إدراك موقف والديه
وفي ذلك الوقت، لما رأى عيسو أن إسحاق قد بارك يعقوب وأوصاه قائلاً: لا تأخذ زوجة من بنات كنعان، وأن بنات كنعان كنّ رديّاتٍ في عيني إسحاق ورفقة،
مضى إلى بيت عمّه إسماعيل، وأخذ، إضافةً إلى زوجاته الأُوَل، مَحْلَة بنت إسماعيل، أخت نبايوت، زوجةً له.