خلق الإنسان وتكوين المرأة، والبركة والوصية في جنّة عدن
وقال الله: لنصنع الإنسان على صورتنا كشبهنا، فخلق الله الإنسان على صورته.
وجبل الله الإنسان من تراب الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حياة، فصار الإنسان نفسًا حيّة ناطقة.
وقال الرب: ليس جيدًا أن يكون الإنسان وحده؛ سأصنع له معينًا نظيرًا له.
فأوقع الرب سباتًا عميقًا على آدم فنام، فأخذ إحدى أضلاعه، وبنى عليها لحمًا وشكّلها، وأحضرها إلى آدم؛ فاستيقظ آدم من نومه وإذا بامرأة واقفة أمامه.
فقال: هذه عظمٌ من عظامي، وتُدعى امرأة لأنها من رجل أُخذت؛ ودعا آدم اسمها حواء لأنها أمّ كل حي.
وباركهما الله ودعا اسميهما آدم وحواء في اليوم الذي خلقهما، وقال الرب الإله: أثمرا واكثرا واملأا الأرض.
وأخذ الرب الإله آدم وزوجته ووضعهما في جنة عدن ليعملاها ويحفظاها، وأوصاهما وقال لهما: من كل شجر الجنة تأكلان، وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكلا منها، لأنكما يوم تأكلان منها موتًا تموتان.
فلما باركهما الله وأوصاهما انصرف عنهما، فأقام آدم وزوجته في الجنة حسب الأمر الذي أوصى به الرب.
إغواء الحيّة وسقوط الزوجين وغضب الله الشديد عليهما
فأتتهما الحية، التي خلقها الله معهما في الأرض، لتغريهما بتجاوز وصية الله التي أوصاهما بها.
فأغوت الحية المرأة وأقنعتها أن تأكل من شجرة المعرفة، فأصغت المرأة لصوت الحية وتعدّت وصية الله، وأخذت من شجرة معرفة الخير والشر وأكلت، ثم أخذت منها وأعطت زوجها فأكل.
فتعدّى آدم وزوجته وصية الله التي أوصاهما بها، فعلم الله ذلك، فاشتعل غضبه عليهما ولعنهما.
الطرد من الجنة وبداية الأسرة الأولى ومهن الابنين
وطردهما الرب الإله في ذلك اليوم من جنة عدن ليعملا الأرض التي أُخذا منها، فذهبا وأقاما شرقيّ جنة عدن؛ وعرف آدم امرأته حواء، فولدت ابنين وثلاث بنات.
ودعت اسم البكر قايين قائلة: اقتنيتُ رجلًا من عند الرب؛ واسم الآخر دعته هابيل، لأنها قالت: باطلًا جئنا إلى الأرض وباطلًا نؤخذ منها.
وكبر الغلامان، وأعطاهما أبوهما نصيبًا في الأرض؛ فكان قايين فلاّحًا يفلح الأرض، وكان هابيل راعيًا للغنم.
قربان قايين وهابيل وتفضيل الرب يثير غيرة قايين
وعند انقضاء بضع سنين قدّما قربانًا تقرّبيًا للرب؛ فقدّم قايين من ثمر الأرض، وقدّم هابيل من أبكار قطيعه ومن شحومها، فالتفت الله إلى هابيل وقربانه ومَال إليه، فنزلت نار من عند الرب من السماء فاستهلكته.
وأما قايين وقربانه فلم يلتفت الرب إليهما ولم يمِلْ لهما، لأنه قدّم من أدنى ثمر الأرض أمام الرب؛ فحسد قايين أخاه هابيل لأجل ذلك، وابتغى ذريعة ليقتله.
خصومة الحقل وجدال الأخوين وإنذار هابيل بعقاب الله
وبعد مدة، خرج قايين وهابيل أخوه يومًا إلى الحقل ليعملا؛ وكانا كلاهما في الحقل: قايين يفلح ويحرث أرضه، وهابيل يرعى قطيعه؛ فعبر القطيع ذلك القسم الذي حرثه قايين من الأرض، فاغتاظ قايين جدًا لهذا.
ودنا قايين من أخيه هابيل بغضب وقال له: ما لي ولك حتى تأتي لتسكن وتجلب قطيعك ليرعى في أرضي؟
فأجابه هابيل أخوه وقال له: وما لي ولك حتى تأكل لحم قطيعي وتكتسي بصوفه؟
فالآن انزع صوف غنمي الذي لبستَه، وسدّد لي ثمن ثمرها ولحمها الذي أكلتَه، ومتى فعلتَ هذا خرجتُ من أرضك كما قلتَ.
فقال قايين لأخيه هابيل: أما إن أنا قتلتك اليوم، فمن يطالبني بدمك؟
فأجاب هابيل قائلًا: إن الله الذي صنعنا في الأرض هو ينتقم لقضيتي، وسيطلب دمي من يدك إن قتلتني، لأن الرب هو القاضي والحَكَم، وهو الذي يجازي الإنسان على شرّه، والشرير بحسب شرّه الذي قد يفعله في الأرض.
والآن إن قتلتني هنا، فإن الله يعلم نياتك الخفية، وسيحاكمك على الشر الذي عزمت أن تصنعه بي اليوم.
فلما سمع قايين كلام هابيل أخيه، إذا بغضب قايين يتّقد على أخيه هابيل لأنه صرّح بهذا الأمر.
قتل هابيل على يد قايين بغتةً في الحقل
فعجّل قايين ونهض وأخذ الجزء الحديدي من آلة حراثته، فضرب أخاه بغتة فقتله، وسفك دم أخيه هابيل على الأرض، وجرى دم هابيل على الأرض أمام القطيع.
ندم قايين ودفن الجثة خفية لاحقًا في الحقل
وبعد ذلك ندم قايين على قتله أخاه، وحزن حزنًا شديدًا، وبكى عليه وساءه الأمر جدًا.
ثم قام قايين وحفر حفرة في الحقل ووضع فيها جثة أخيه، وأهال عليها التراب.
استجواب الرب لقايين وحكم اللعنة والتشريد في الأرض
وعلم الرب ما فعله قايين بأخيه، فظهر الرب لقايين وقال له: أين هابيل أخوك الذي كان معك؟
فتظاهر قايين وقال: لا أعلم؛ أأنا حارسٌ لأخي؟ فقال له الرب: ماذا صنعتَ؟ إن صوت دم أخيك صارخٌ إليّ من الأرض حيث قتلتَه.
لأنك قتلتَ أخاك وتظاهرت أمامي، وتوهّمتَ في قلبك أني لم أرك ولم أعرف كل أعمالك.
لكنّك فعلت هذا وقتلتَ أخاك باطلًا ولأنه كلّمك بالحق؛ فالآن، ملعونٌ أنت من الأرض التي فتحت فمها لتقبل دم أخيك من يدك، والتي فيها دفنته.
ومتى عملتَها لن تعود تعطيك قوّتها كما في البداءة، بل شوكًا وحسكًا تُنبت الأرض، وتكون تائهًا هائمًا في الأرض إلى يوم موتك.
خروج قايين وبناء مدينة وبدء نسل ومستقر جديد
وفي ذلك الوقت خرج قايين من أمام الرب، من الموضع الذي كان فيه، ومضى تائهًا هائمًا في الأرض نحو شرقيّ عدن، هو وكل من له.
وعرف قايين امرأته في تلك الأيام، فحبلت وولدت ابنًا، فدعا اسمه حنوك، قائلًا: في ذلك الوقت ابتدأ الرب أن يعطيني راحة وسكونًا في الأرض.
وفي ذلك الوقت أيضًا شرع قايين يبني مدينة، فبنى المدينة ودعا اسم المدينة حنوك على اسم ابنه، لأن الرب قد أعطاه في تلك الأيام راحة في الأرض، فلم يعد يتنقّل ويتجوّل كما في البدء.
ووُلد لحنوك عيراد، وعيراد ولد محويائيل، ومحويائيل ولد متوشائيل.