مولد شيث وتكاثر البشر وبوادر الانحراف في ذلك الزمان
وكان في السنة المائة والثلاثين من حياة آدم على الأرض أنه عاد فعرف حواء امرأته، فحبلت وولدت ابناً على شبهه وعلى صورته، ودعت اسمه شيث، قائلة: لأن الله قد أقام لي نسلاً آخر بدل هابيل، لأن قايين قد قتله.
وعاش شيث مئةً وخمس سنين، فولد ابناً، ودعا شيث اسم ابنه أنوش، قائلاً: لأنه في ذلك الزمان بدأ بنو البشر يكثرون، ويؤذون نفوسهم وقلوبهم بتعدّيهم وتمردهم على الله.
تمادي البشر في أيام أنوش وعبادة الأصنام وتصاعد الغضب
وكان في أيام أنوش أن بني البشر واصلوا التمرّد والتعدّي على الله، ليزيدوا غضب الربّ على بني البشر.
وذهب بنو البشر فعبدوا آلهة أُخَر، ونسوا الربّ الذي خلقهم في الأرض؛ وفي تلك الأيام صنع بنو البشر تماثيل من نحاس وحديد وخشب وحجر، وسجدوا لها وخدموها.
وصنع كلُّ إنسان إلهه وسجدوا لها، وترك بنو البشر الربّ كلَّ أيام أنوش وبنيه؛ فاشتعل غضب الربّ بسبب أعمالهم ورجاساتهم التي فعلوها في الأرض.
عقوبات إلهية: جرف جيحون ومجاعة وازدياد فساد الأرض
فجعل الربّ مياه نهر جيحون تجتاحهم، فأهلكهم وأفناهم، وأهلك ثلث الأرض، وعلى الرغم من ذلك لم يرجع بنو البشر عن طرقهم الشريرة، وكانت أيديهم لا تزال ممدودة لتفعل الشرّ أمام الربّ.
وفي تلك الأيام لم يكن في الأرض زرعٌ ولا حصاد، ولم يكن لبني البشر طعام، وكانت المجاعة عظيمة جدّاً في تلك الأيام.
والبذر الذي زرعوه في تلك الأيام في الأرض صار شوكاً وحسكاً وعَوْسَجاً؛ فمنذ أيام آدم كانت هذه الكلمة بشأن الأرض، لعنةَ الله التي لعن بها الأرض، بسبب الخطيئة التي أخطأها آدم أمام الربّ.
وكان لما استمرّ الناس في التمرّد والتعدّي على الله وإفساد طرقهم، أن الأرض أيضاً فسدت.
قينان الحكيم يحكم ويكتب الآتي ويرد بعض الناس
وعاش أنوش تسعين سنة وولد قينان.
وكبر قينان وكان ابن أربعين سنة، فصار حكيمًا ذا معرفة وبراعة في كل حكمة، وملك على جميع بني البشر، وقاد بني البشر إلى الحكمة والمعرفة؛ فإن قينان كان رجلاً حكيمًا جدّاً وفاهماً في كل حكمة، وبحكمته كان يتسلّط على الأرواح والشياطين.
وعلم قينان بحكمته أن الله سيهلك بني البشر لأنهم أخطأوا على الأرض، وأن الربّ في الأواخر سيجلب عليهم مياه الطوفان.
وفي تلك الأيام كتب قينان على ألواحٍ من حجر ما كان مزمعًا أن يحدث في الأزمنة الآتية، ووضعها في خزائنه.
ومَلَكَ قينان على الأرض كلّها، وردَّ بعض بني البشر إلى خدمة الله.
أبناء قينان، مصاهرة لامك، وولادة يابال ويوبال من عادة
ولمّا كان قينان ابن سبعين سنة، ولد ثلاثة بنين وابنتين.
وهذه أسماء أولاد قينان: اسمُ البِكر مهللئيل، والثاني عَنان، والثالث مارد، وأختاهما عادة وصِلَّة؛ هؤلاء هم خمسة أولاد قينان الذين وُلِدوا له.
وصار لامك بن متوشائيل ذا قرابة بقينان بالمصاهرة، فأخذ ابنتيه زوجتين له؛ فحبلت عادة وولدت لِلامك ابناً ودعت اسمه يابال.
ثم حبلت أيضًا وولدت ابناً ودعت اسمه يوبال؛ وكانت صِلَّة أختها عاقراً في تلك الأيام ولم يكن لها نسل.
تعطيل الإنجاب طلباً للجمال وتفضيل العواقر وإهمال الوالدات
لأنه في تلك الأيام بدأ بنو البشر يتعدّون على الله، ويخالفون الوصيّة التي أوصى بها آدم: أن يثمروا ويكثروا في الأرض.
وجعل بعضُ بني البشر نساءهم يشربْنَ شراباً يجعلُهُنَّ عواقر، لكي يحافظن على قوامهنّ ولا يذبُل جمالهنّ.
ولمّا جعل بنو البشر بعضَ نسائهم يشربن، شربت صِلَّة معهنّ.
وصارت النساء الوالدات ممقوتات في عيون أزواجهنّ كالأرامل وأزواجهنّ أحياء، إذ لم يتعلّقوا إلا بالعواقر.
فتح رحم صِلَّة وولادة توبال قايين ثم مقتل قايين
وفي آخر الأيام والسنين، لما شاخت صِلَّة، فتح الربّ رحمها.
فحبلت وولدت ابناً، ودعت اسمه توبال قايين، قائلة: بعد أن ذَبُلتُ قد نِلْتُه من الله القدير.
وحبلت أيضًا وولدت بنتاً، ودعت اسمها نعمة، لأنها قالت: بعد أن ذَبُلتُ قد نِلْتُ لذّةً وسروراً.
وكان لامك شيخاً متقدّم الأيام، وقد كلّت عيناه فلم يعد يُبصر، وكان توبال قايين ابنه يقوده، وحدث في يومٍ أن لامك خرج إلى الحقل وتوبال قايين ابنه معه، وبينما هما يمشيان في الحقل، إذ بقايين بن آدم يتقدّم نحوهما؛ لأن لامك كان شيخاً جدّاً لا يرى إلا قليلاً، وتوبال قايين ابنه كان فتىً صغيراً.
فقال توبال قايين لأبيه أن يشدّ قوسه، وبالسهام ضرب قايين، وكان بعدُ بعيداً عنهما، فقتله، لأنه بدا لهما كأنّه حيوان.
ونفذت السهام في جسد قايين مع بُعده عنهما، فسقط إلى الأرض ومات.
فجازى الربّ قايين على شرّه بحسب خبثه الذي فعله بأخيه هابيل، حسب كلمة الربّ التي تكلّم بها.
اكتشاف القتيل، مقتل توبال قايين، وأزمة لامك وخاتمتها النسبيّة
وكان لما مات قايين أن لامك وتوبال ذهبا ليريا الحيوان الذي قتلاه، فنظرا، وإذا بقايين جدّهما ساقطٌ ميّتاً على الأرض.
فحزن لامك كثيراً لما فعل ذلك، وفي تصفيقه بكفّيه ضرب ابنه فأماته.
وسمعت زوجتا لامك بما فعل، فطلبتا قتله.
وأبغضته زوجتا لامك من ذلك اليوم، لأنه قتل قايين وتوبال قايين، وافترقتا عنه، ولم تُصغيا إليه في تلك الأيام.
وجاء لامك إلى زوجتيه، وألحّ عليهما أن تسمعا له في هذا الأمر.
وقال لزوجتيه عادة وصِلَّة: اسمعا صوتي يا زوجتيّ لامك، أنصتا لكلامي؛ فإنكما قد تخيّلتما وقلتما إنّي قتلتُ رجلاً بجراحي، وطفلاً بضرباتي، من غير أن يكونا قد فعلا عنفاً، ولكن اعلمْن يقيناً أنّي شيخٌ أشيب، وأنّ عينيَّ قد ثقلتا لكِبَري، وقد فعلتُ هذا الأمر بغير علمٍ منّي.
فسمعتا له زوجتاه في هذا الأمر، وعادتا إليه بمشورةِ أبيهما آدم، ولكنّهما لم تلدا له من ذلك الزمان، لعلمهما أن غضب الله كان يزداد في تلك الأيام على بني البشر، ليُهْلِكَهم بمياه الطوفان لأعمالهم الشريرة.
وعاش مهللئيل بن قينان خمساً وستين سنة، فولد يارد؛ وعاش يارد اثنتين وستين سنة، فولد أخنوخ.