نشأة أخنوخ وسيره مع الله واعتزاله طرق البشر
وعاش أخنوخ خمسًا وستين سنة وأنجب متوشالح؛ وسار أخنوخ مع الله بعد أن أنجب متوشالح، وخدم الرب، وازدرى طرق البشر الشريرة.
وكانت نفس أخنوخ متعلقة بتعليم الرب، بالمعرفة والفهم؛ فاعتزل بني البشر بحكمة وتوارى عنهم أيامًا كثيرة.
دعوة ملاك الرب لأخنوخ للظهور وتعليم الطريق الواجب اتباعها
وعند انقضاء سنين كثيرة، إذ كان يخدم الرب ويصلّي أمامه في بيته، ناداه ملاك الرب من السماء، فقال: هأنذا.
فقال: قم، اخرج من بيتك ومن الموضع الذي تختبئ فيه، واظهر لبني البشر لكي تعلّمهم الطريق التي ينبغي أن يسلكوها والعمل الذي يجب أن يتمّوه ليدخلوا في طرق الله.
فقام أخنوخ حسب كلمة الرب، وخرج من بيته ومن مكانه ومن المخدع الذي كان متواريًا فيه؛ ومضى إلى بني البشر وعلّمهم طرق الرب، وفي ذلك الوقت جمع بني البشر وأطلعهم على تعليم الرب.
وأمر أن يُنادى في كل موضع يسكن فيه بنو البشر: من هو الرجل الذي يرغب أن يعرف طرق الرب والأعمال الصالحة؟ فليأتِ إلى أخنوخ.
تمليك أخنوخ على البشر وتعليمه الحكمة وإقامة السلام في الأرض
فاجتمع إليه حينئذٍ جميع بني البشر، لأن كل من رغب في هذا الأمر جاء إلى أخنوخ؛ وملك أخنوخ على بني البشر حسب كلمة الرب، فكانوا يأتون وينحنون له ويسمعون كلامه.
وكان روح الله على أخنوخ، فعلّم جميع قومه حكمة الله وطرقه، وخدم بنو البشر الرب كل أيام أخنوخ، وكانوا يأتون ليسمعوا حكمته.
وجميع ملوك بني البشر، الأولين والآخرين، مع أمرائهم وقضاتهم، جاءوا إلى أخنوخ لما سمعوا حكمته، فانحنوا له، وطلبوا أيضًا من أخنوخ أن يملك عليهم، فوافق.
واجتمع، في المجموع، مئة وثلاثون ملكًا وأميرًا، وجعلوا أخنوخ ملكًا عليهم، فصاروا كلهم تحت سلطانه وأمره.
وعلّمهم أخنوخ الحكمة والمعرفة وطرق الرب؛ وأقام السلام بينهم، وكان السلام في الأرض كلها في حياة أخنوخ.
مدة ملك أخنوخ ونسبه ووفاة آدم وسبب موته
وملك أخنوخ على بني البشر مئتين وثلاثة وأربعين سنة، وأجرى العدل والبر مع جميع شعبه، وقادهم في طرق الرب.
وهذه ذرية أخنوخ: متوشالح وأليشع وأليمالك، ثلاثة بنين؛ وكانت أخواتهم ملكة ونعمة، وعاش متوشالح سبعًا وثمانين سنة وأنجب لامك.
وكان في السنة السادسة والخمسين من حياة لامك أن مات آدم؛ وكان عمره عند موته تسعمائة وثلاثين سنة، فدفنه ابناه، ومعهما أخنوخ ومتوشالح ابنه، بمهابة عظيمة كما في دفن الملوك، في المغارة التي أخبره الله بها.
وفي ذلك الموضع ناح جميع بني البشر وبكوا كثيرًا من أجل آدم؛ فصار ذلك عادة عند بني البشر إلى هذا اليوم.
ومات آدم لأنه أكل من شجرة المعرفة؛ هو وبنوه من بعده، كما تكلّم الرب الإله.
عزلة أخنوخ المنظمة وتدرج ظهوره وهيبته بين البشر
وكان في سنة موت آدم، وهي السنة المئتان والثالثة والأربعون من مُلك أخنوخ، أن عزم أخنوخ أن يعتزل بني البشر ويتوارى كما في البداءة لكي يخدم الرب.
وفعل أخنوخ ذلك، لكنه لم يتوارَ عنهم تمامًا، بل كان يبتعد عن بني البشر ثلاثة أيام، ثم يخرج إليهم يومًا واحدًا.
وفي الأيام الثلاثة التي كان فيها في مخدعه، كان يصلّي ويسبّح الرب إلهه، واليوم الذي كان يخرج فيه ويظهر لرعيته كان يعلّمهم طرق الرب، وكل ما سألوه عن الرب أخبرهم به.
وصنع على هذا المنوال سنين كثيرة، ثم اعتزل ستة أيام، وظهر لشعبه يومًا واحدًا من كل سبعة؛ ثم بعد ذلك مرة في الشهر، ثم مرة في السنة، حتى إن جميع الملوك والأمراء وبني البشر طلبوه، ورغبوا أن يروا وجه أخنوخ ثانية ويسمعوا كلامه؛ لكنهم لم يقدروا، إذ كان جميع بني البشر شديدي الخوف من أخنوخ، وكانوا يخشون الاقتراب منه بسبب الهيبة الإلهية الجاثية على محيّاه؛ لذلك لم يستطع أحد أن يحدّق فيه، خوفًا من أن تصيبه عقوبة فيهلك.
اجتماع الملوك والشعب لسماعه وتكريمه وتأكيد ملكه من جديد
وقرّر جميع الملوك والأمراء أن يجمعوا بني البشر ويأتوا إلى أخنوخ، ظانّين أنهم جميعًا يقدرون أن يكلّموه في الوقت الذي يخرج فيه بينهم؛ ففعلوا كذلك.
وجاء اليوم الذي خرج فيه أخنوخ، فاجتمعوا كلهم وجاءوا إليه، فكلمهم أخنوخ بكلام الرب وعلّمهم الحكمة والمعرفة، فانحنوا أمامه وقالوا: ليحيَ الملك! ليحيَ الملك!
النداء السماوي برفعه واستكمال تعاليمه الأخيرة وفرائضه للشعب
وبعد ذلك بزمان، إذ كان الملوك والأمراء وبنو البشر يكلّمون أخنوخ وكان أخنوخ يعلّمهم طرق الله، إذا بملاك من الرب ينادي أخنوخ حينئذٍ من السماء، يريد أن يصعد به إلى السماء ليملّكه هناك على بني الله كما ملك على بني البشر على الأرض.
فلما سمع أخنوخ ذلك في ذلك الوقت مضى وجمع كل سكان الأرض، وعلّمهم الحكمة والمعرفة وأعطاهم إرشادات إلهية، وقال لهم: قد طُلب إليّ أن أصعد إلى السماء، لذلك لا أعرف يوم مغادرتي.
والآن لذلك سأعلّمكم الحكمة والمعرفة وأعطيكم إرشادًا قبل أن أترككم، كيف تسلكون في الأرض فتعيشوا؛ وفعل كذلك.
فعلّمهم الحكمة والمعرفة، وأعطاهم إرشادًا، ووبّخهم، ووضع أمامهم فرائض وأحكامًا ليعملوا بها على الأرض، وأقام السلام بينهم، وعلّمهم الحياة الأبدية، وأقام معهم حينًا يعلّمهم كل هذه الأمور.
نزول الفرس السماوي وإعلان أخنوخ قرب رحيله عنهم
وفي ذلك الوقت كان بنو البشر مع أخنوخ، وكان أخنوخ يكلّمهم، فرفعوا عيونهم، فإذا شبهُ فرسٍ عظيم يهبط من السماء، وكان الفرس يسير في الهواء.
وأخبروا أخنوخ بما رأوا، فقال لهم أخنوخ: من أجلي ينزل هذا الفرس إلى الأرض؛ قد جاء الوقت الذي ينبغي لي أن أذهب فيه من بينكم، ولن تروني بعد الآن.
فنزل الفرس في ذلك الحين ووقف أمام أخنوخ، ورآه جميعُ بني البشر الذين كانوا مع أخنوخ.
النداء الأخير للتعلم والوصية بالخدمة والسلام بين الناس
ثم أمر أخنوخ ثانية أن يُنادى منادٍ قائلاً: من هو الرجل الذي يسرّه أن يعرف طرق الرب إلهه، فليأتِ اليوم إلى أخنوخ قبل أن يُؤخذ من بيننا.
فاجتمع جميع بني البشر وجاءوا إلى أخنوخ في ذلك اليوم؛ وبقي معه جميع ملوك الأرض مع أمرائهم ومشيريهم ذلك اليوم؛ فعلّم أخنوخ بني البشر الحكمة والمعرفة وأعطاهم إرشادًا إلهيًا؛ وأوصاهم أن يخدموا الرب ويسلكوا في طرقه كل أيام حياتهم، واستمر يصنع السلام بينهم.
امتطاء أخنوخ الفرس وملاحقة الجموع وتحذيره وإصرار البعض
وبعد هذا قام وامتطى الفرس؛ وخرج، وخرج وراءه جميع بني البشر، نحو ثمانمائة ألف رجل؛ وذهبوا معه مسيرة يوم.
وفي اليوم الثاني قال لهم: ارجعوا إلى بيوتكم وخيامكم، لماذا تذهبون؟ لعلكم تهلكون؛ فرجع بعضهم عنه، وأما الباقون فذهبوا معه مسيرة ستة أيام؛ وكان أخنوخ يقول لهم كل يوم: ارجعوا إلى خيامكم لئلا تهلكوا؛ لكنهم لم يريدوا أن يرجعوا، ومضوا معه.
وفي اليوم السادس بقي بعض الرجال وتشبثوا به، وقالوا له: سنذهب معك إلى الموضع الذي تذهب إليه؛ حيّ هو الرب، إن الموت وحده سيفصل بيننا.
وألحّوا كثيرًا في الذهاب معه حتى كفّ عن مخاطبتهم؛ فمضوا وراءه ولم يرجعوا.
صعود أخنوخ في الزوبعة وبحث الملوك واكتشاف الثلج
ولما رجع الملوك أجروا إحصاءً ليعرفوا عدد الرجال الباقين الذين ذهبوا مع أخنوخ؛ وكان في اليوم السابع أن أخنوخ صعد إلى السماء في زوبعة، مع خيل ومركبات نار.
وفي اليوم الثامن أرسل جميع الملوك الذين كانوا مع أخنوخ ليأتوا بإحصاء عدد الرجال الذين كانوا مع أخنوخ، من ذلك الموضع الذي منه صعد إلى السماء.
وذهب كل أولئك الملوك إلى المكان، فوجدوا الأرض هناك مملوءة ثلجًا، وعلى الثلج حجارة كبيرة من الثلج، فقال بعضهم لبعض: هلمّ نخرق الثلج وننظر، لعلّ الرجال الذين بقوا مع أخنوخ قد ماتوا وهم الآن تحت حجارة الثلج؛ فبحثوا ولم يجدوه، لأنه كان قد صعد إلى السماء.