حكم نمرود في شنعار وبناء المدن وتسميتها بعد البرج

1

وكان نمرود بن كوش لا يزال في أرض شنعار، فحكمها وأقام فيها، وبنى مدنًا في أرض شنعار.

2

وهذه أسماء المدن الأربع التي بناها، وقد سمّاها نسبةً إلى الوقائع التي حدثت لها أثناء بناء البرج.

3

فسمّى الأولى بابل، قائلاً: لأن الرب هناك بلبل لسان كل الأرض؛ وسمّى الثانية أَرَك، لأن الله من هناك بدّدهم.

4

وسمّى الثالثة أَكَّد، قائلاً: لأن في ذلك الموضع كانت معركة عظيمة؛ وسمّى الرابعة كَلْنَة، لأن رؤساءه وجبابرته أُبيدوا هناك، ولأنهم أغاظوا الرب، فعصوا وتجاوزوا أمره.

5

ولما بنى نمرود هذه المدن في أرض شنعار، أسكن فيها بقية شعبه، ورؤساءه وجبابرته الباقين في مملكته.

6

وأقام نمرود في بابل، وهناك جدّد سلطانه على سائر رعاياه، وملك مطمئنًّا. وسمّى رعايا نمرود ورؤساؤه اسمه أمرافل، قائلين: إنه عند البرج سقط رؤساؤه ورجاله بسببه.

تفاقم الشر وحروب أبناء حام وهيمنة كدرلعومر على مدن السهل

7

ومع ذلك لم يرجع نمرود إلى الرب، بل استمر في الشر وعلّم بني البشر الشر؛ وكان مردون ابنه أشرّ من أبيه، وظلّ يزيد على رجاسات أبيه.

8

وجعل بني البشر يخطَئون، ولذلك قيل: من الشرير يصدر الشر.

9

وفي ذلك الزمان وقع حرب بين عشائر أبناء حام، إذ كانوا يقيمون في المدن التي بنوها.

10

وانفصل كدرلعومر ملك عيلام عن عشائر بني حام، فحاربهم وأخضعهم، ثم قصد مدن السهل الخمس فقاتلها وأخضعها، فصارت تحت سلطانه.

11

وخدموه اثنتي عشرة سنة، وكانوا يدفعون له جزية سنوية.

انتقال أبرام ومعرفته بالرب وتباينه مع بيت أبيه

12

وفي ذلك الوقت مات ناحور بن سروج، في السنة التاسعة والأربعين من حياة أبرام بن تارح.

13

وفي السنة الخمسين من حياة أبرام بن تارح، خرج أبرام من بيت نوح، وذهب إلى بيت أبيه.

14

وعرف أبرام الرب، وسلك في طرقه وتعاليمه، وكان الرب إلهه معه.

15

وأمّا تارح أبوه فكان في تلك الأيام لا يزال قائداً لجيش الملك نمرود، ولا يزال يتبع آلهة غريبة.

أبرام يواجه أوثان بيت أبيه ويسأل عن الخالق الحق

16

وجاء أبرام إلى بيت أبيه، فرأى هناك اثني عشر إلهًا قائمين في هياكلهم، فاشتعل غضب أبرام حين رأى تلك التماثيل في بيت أبيه.

17

وقال أبرام: حيّ هو الرب، لن تبقى هذه الصور في بيت أبي. هكذا ليفعل بي الرب الذي خلقني إن لم أكسرها جميعًا في ثلاثة أيام.

18

ومضى أبرام عنهم وغضبه يتقد في داخله. وأسرع فخرج من المخدع إلى الدار الخارجية لأبيه، فوجد أباه جالسًا في الدار وجميع خدمه معه، فجاء أبرام وجلس أمامه.

19

وسأل أبرام أباه قائلاً: يا أبي، أخبرني أين الإله الذي خلق السماء والأرض وكل بني البشر على الأرض، والذي خلقك وخلقني؟ فأجابه تارح ابنه أبرام وقال: هوذا الذين خلقونا كلهم معنا في البيت.

20

فقال أبرام لأبيه: يا سيدي، أرِني إياهم أرجوك. فأدخل تارح أبرام إلى مخدع الدار الداخلية، فرأى أبرام، وإذا بالغرفة كلها ممتلئة بآلهة من خشب وحجر، اثنا عشر تمثالًا عظيمًا وأخرى أصغر منها بلا عدد.

21

وقال تارح لابنه: هوؤلاء هم الذين صنعوا كل ما تراه على الأرض، والذين خلقوني وخلقوك وخلقوا الناس جميعًا.

22

وسجد تارح لآلهته، ثم انصرف عنهم، وانصرف معه ابنه أبرام.

تجربة القرابين لآلهة البيت وكشف عجزها عن الأكل

23

ولما انصرف أبرام عنهم، ذهب إلى أمه وجلس أمامها، وقال لأمه: هوذا أبي قد أراني الذين صنعوا السماء والأرض وكل بني البشر.

24

فالآن، أسرعي وائتي بجديٍ من القطيع، واصنعي منه طعامًا شهيًا، لأقدّمه إلى آلهة أبي قربانًا ليأكلوا؛ لعلّي بذلك أصير مقبولًا لديهم.

25

ففعلت أمه كذلك، فجاءت بجديٍ وصنعت منه طعامًا شهيًا وأتت به إلى أبرام. فأخذ أبرام الطعام الشهي من أمه وجاء به أمام آلهة أبيه، واقترب منهم لكي يأكلوا؛ ولم يكن تارح أبوه يعلم بذلك.

26

ورأى أبرام في ذلك اليوم وهو جالس بينهم أنهم لا صوت لهم ولا سمع ولا حركة، ولا واحد منهم قدر أن يمدّ يده ليأكل.

27

فسخر منهم أبرام وقال: لعل الطعام الشهي الذي أعددته لم يرضهم، أو لعله كان قليلاً عليهم، ولذلك لم يريدوا أن يأكلوا؛ لذلك سأعدّ غدًا طعامًا شهيًا طازجًا، أفضل وأكثر من هذا، لأرى ما ستكون النتيجة.

28

وفي اليوم التالي أوصى أبرام أمه بشأن الطعام الشهي، فقامت أمه وأتت بثلاثة أجداء حسنة من القطيع، وصنعت منها طعامًا شهيًا ممتازًا مما كان ابنها يحبه، وأعطته لابنها أبرام؛ ولم يكن تارح أبوه يعلم بذلك.

29

فأخذ أبرام الطعام الشهي من أمه وأتى به إلى مخدع آلهة أبيه، واقترب منهم لكي يأكلوا، ووضعه أمامهم، وجلس أبرام أمامهم النهار كله ظانًا أنهم ربما يأكلون.

30

وتفرّس فيهم أبرام، فإذا بهم لا صوت لهم ولا سمع، ولا واحد منهم مدّ يده إلى الطعام ليأكل.

حلول روح الله على أبرام وانطلاق نداء الإنذار

31

وفي مساء ذلك اليوم، في ذلك البيت، حلّ عليه روحُ الله.

تحطيم الأصنام بعد التنديد بها واكتشاف تارح للمشهد

32

وصرخ وقال: ويلٌ لأبي ولهذا الجيل الشرير، الذي تميل قلوبهم كلّها إلى الباطل، الذين يعبدون هذه الأوثان من خشب وحجر التي لا تأكل ولا تشمّ ولا تسمع ولا تتكلم؛ لها أفواه بلا نطق، وعيون بلا بصر، وآذان بلا سمع، وأيدٍ بلا إحساس، وأرجل لا تستطيع الحركة؛ ومثلها يكون الذين صنعوها والذين يتّكلون عليها.

33

ولمّا رأى أبرام كل ذلك، اضطرم غضبه على أبيه، فأسرع وأخذ فأسًا بيده وأتى إلى مخدع الآلهة، فكسر جميع آلهة أبيه.

34

ولمّا فرغ من تحطيم التماثيل، وضع الفأس في يد الإله الكبير الذي كان هناك أمامهم، وخرج. ورجع تارح أبوه إلى البيت، لأنه كان قد سمع عند الباب صوت الضرب بالفأس؛ فدخل تارح البيت ليعرف ما الخبر.

35

وإذ سمع تارح ضوضاء الفأس في غرفة التماثيل، ركض إلى الغرفة إلى التماثيل، فصادف أبرام خارجًا.

36

ودخل تارح الغرفة فوجد جميع الأصنام ساقطة مكسّرة، والفأس في يد الأكبر الذي لم يُكسَر، والطعام الشهي الذي صنعه ابنه أبرام لا يزال أمامهم.

مواجهة الأب والابن وكشف كذبة الفأس وعجز الأصنام

37

فلما رأى تارح ذلك احتدم غضبه جدًا، وأسرع وخرج من الغرفة إلى أبرام.

38

فوجد ابنه أبرام لا يزال جالسًا في البيت، فقال له: ما هذا الصنيع الذي صنعته بآلهتي؟

39

فأجاب أبرام تارح أباه وقال: ليس الأمر كما تظن يا سيدي؛ فقد قدّمت لهم طعامًا شهيًا، ولما اقتربتُ منهم بالطعام ليأكلوا، إذا بهم جميعًا يمدّون أيديهم ليأكلوا قبل أن يمدّ الأكبر يده ليأكل.

40

فلما رأى الكبير أعمالهم التي فعلوها أمامه، اشتعل غضبه عليهم جدًا، فذهب وأخذ الفأس التي في البيت وأتى إليهم فكسرهم كلهم، وها إن الفأس لا تزال في يده كما ترى.

41

فاشتعل غضب تارح على ابنه أبرام لما قال ذلك، وقال تارح لابنه أبرام بغضبه: ما هذا الحديث الذي رويته؟ إنك لتكذب عليّ.

42

أفي هذه الآلهة روحٌ أو نفسٌ أو قدرة لتفعل كل ما أخبرتني به؟ أليست خشبًا وحجرًا، أما أنا بنفسي فقد صنعتها؟ أفتقول مثل هذا الكذب وتزعم أن الإله الكبير الذي كان معهم ضربهم؟ أنت الذي وضعت الفأس في يده، ثم تقول إنه ضربهم جميعًا.

موعظة أبرام لتارح في بطلان عبادة الخشب والحجر

43

فأجاب أبرام أباه وقال له: وكيف إذًا تخدم هذه الأوثان التي لا قدرة لها على شيء؟ أيمكن لتلك الأوثان التي تتكل عليها أن تخلّصك؟ أَتسمع صلواتك حين تدعوها؟ أتخلّصك من يد أعدائك، أم تقاتل عنك حروبك ضد أعدائك، حتى تخدم خشبًا وحجرًا لا ينطقان ولا يسمعان؟

44

والآن، إنه لَغير صالح لك ولا لبني البشر المرتبطين بك أن تفعلوا هذه الأمور؛ أبلغتُم من السذاجة والحماقة وقلة الفهم أن تخدموا الخشب والحجر وتفعلوا على هذا النحو؟

45

وتنسوا الرب الإله الذي صنع السماء والأرض، والذي خلقكم في الأرض، فَتَجلبوا بهذا خدمةِ الحجر والخشب شرًا عظيمًا على نفوسكم؟

تحذير أخير من سخط الإله ثم كسر الصنم الأكبر

46

ألم يخطئ آباؤنا في الأيام القديمة في هذا الأمر، فجلب الرب إله الكون عليهم مياه الطوفان وأهلك الأرض كلّها؟

47

فكيف تواصلون فعل هذا وتعبدون آلهة من خشب وحجر لا تسمع ولا تتكلم ولا تخلّصكم من الظلم، فتُنزلوا بذلك غضب إله الكون عليكم؟

48

والآن يا أبي، كُفّ عن هذا، ولا تجلب شرًا على نفسك وعلى نفوس أهل بيتك.

49

وأسرع أبرام فوثب من أمام أبيه، وأخذ الفأس من صنم أبيه الأكبر، فكسره أبرام بها وفرّ هاربًا.

شكوى تارح إلى نمرود واستدعاء أبرام إلى مجلس الحكم

50

ولما رأى تارح كل ما فعله أبرام، أسرع خارجًا من بيته، وذهب إلى الملك وجاء أمام نمرود ووقف بين يديه، وسجد للملك. فقال الملك: ماذا تريد؟

51

فقال: أتوسّل إليك يا سيّدي أن تسمع لي—لقد وُلد لي قبل خمسين سنة ولد، وهكذا فعل بآلهتي وهكذا تكلّم. والآن، يا سيّدي الملك، أرسل في طلبه ليأتي أمامك، واقضِ عليه بحسب الشريعة لكي نُنجى من شرّه.

52

فأرسل الملك ثلاثة من عبيده، فذهبوا وأتوا بأبرام أمام الملك. وكان نمرود وجميع رؤسائه وخَدَمه في ذلك اليوم جالسين بين يديه، وجلس تارح أيضًا أمامهم.

محاجّة أبرام لنمرود حول عجز الأصنام وعبادة إله الكون

53

فقال الملك لأبرام: ما هذا الذي فعلته بأبيك وبآلهته؟ فأجاب أبرام الملك بالكلام نفسه الذي كلم به أباه، وقال: الإله الكبير الذي كان معهم في البيت فعل بهم ما سمعت.

54

فقال الملك لأبرام: أكان لهم قدرة على الكلام والأكل وأن يفعلوا كما قلت؟ فأجاب أبرام الملك قائلاً: وإن لم تكن لهم قدرة، فلماذا تعبدهم وتُضِلّ بني البشر بسفاهاتك؟

55

أتظن أنهم يقدرون أن يخلّصوك أو أن يفعلوا شيئًا صغيرًا أو عظيمًا حتى تخدمهم؟ ولماذا لا تعبد إله الكون كله، الذي خلقك، الذي بيده أن يميت ويحيي؟

توبيخ الملك والتحذير من مصير الطوفان ودعوة للتوبة

56

أيها الملك الأحمق البسيط الجاهل، ويلٌ لك إلى الأبد.

57

كنتُ أظن أنك ستعلّم عبيدك الطريق المستقيم، لكنك لم تفعل هذا، بل ملأت الأرض كلها بخطاياك وخطايا شعبك الذين اتّبعوا طرقك.

58

أما تعلم أو ألم تسمع أن هذا الشر الذي تفعله قد أخطأ فيه أسلافُنا في الأيام القديمة، فجلب الإله الأزلي عليهم مياه الطوفان فأهلكهم جميعًا، وأهلك أيضًا الأرض كلها بسببهم؟ أفتنهض أنت وشعبك الآن لتفعلوا مثل هذا العمل، فتنزلوا غضب الرب إله الكون، وتجلبوا الشر عليك وعلى الأرض كلها؟

59

فالآن، انزع عنك هذا الفعل الشرير الذي تفعله، واعبد إله الكون، إذ نفسك بيده، وحينئذٍ يكون لك الخير.

60

وإن لم يُصغِ قلبك الشرير إلى كلامي ليحملك على ترك طرقك الشريرة وعبادة الإله الأزلي، فستموت خزيًا في الأيام الأخيرة، أنت وشعبك وكل من يرتبط بك، ممّن يسمعون كلامك أو يسلكون في طرقك الشريرة.

خاتمة المشهد برفع الدعاء وتسليم الحكم إلى الله

61

ولما فرغ أبرام من الكلام أمام الملك والرؤساء، رفع عينيه إلى السماء وقال: إن الرب يرى جميع الأشرار، وهو سيدينهم.