اعتقال أبرام، اجتماع الملك بالحكماء، وإصدار الحكم بإحراقه

1

ولما سمع الملك كلام أبرام أمر بأن يُلقى في السجن؛ فمكث أبرام عشرة أيام في السجن.

2

وعند انقضاء تلك الأيام أمر الملك أن يحضر إليه جميع الملوك والأمراء والولاة من الأقاليم المختلفة والحكماء، فجلسوا بين يديه، وكان أبرام لا يزال في بيت الحبس.

3

وقال الملك للأمراء والحكماء: أسمعتم ما فعله أبرام بن تارح بأبيه؟ هكذا صنع به، وقد أمرتُ بإحضاره بين يديّ، وهكذا تكلّم؛ فلم يَجْزَع قلبُه ولم يضطرب في حضرتي، وها هو الآن محبوس في السجن.

4

فاحكموا إذن ما الحكم المستحق على هذا الرجل الذي شتم الملك وتكلّم وفعل كل ما سمعتم.

5

فأجابوا جميعاً الملك قائلين: الرجل الذي يشتم الملك يُعلَّق على شجرة؛ لكنه إذ فعل كل ما قاله، واحتقر آلهتنا، فيجب أن يُحرَق حتى الموت، فهذا هو القانون في هذه المسألة.

إيقاد الأتون في كسديم وتجمّع الناس لمشاهدة ما يُصنَع بأبرام

6

وإن حسن ذلك عند الملك، فليأمر عبيده أن يوقدوا ناراً ليلاً ونهاراً في أتون طوبك، ثم نطرح هذا الرجل فيه. ففعل الملك ذلك، وأمر خدامه أن يهيئوا ناراً ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ في أتون الملك الذي في كسديم؛ وأمر أن يُؤخذ أبرام من السجن ويُخرَج ليُحرَق.

7

ووقف جميع خدام الملك والأمراء والسادة والولاة والقضاة وجميع سكان الأرض، نحو تسعمائة ألف رجل، قبالة الأتون ليروا أبرام.

8

وازدحمَت جميع النساء والصغار على السطوح والأبراج ليروا ما يُصنَع بأبرام، فوقفوا جميعاً معاً من بعيد؛ ولم يبقَ رجل إلا وجاء في ذلك اليوم ليشهد المشهد.

السحرة يذكّرون بالنبوءة واستدعاء تارح واستجوابه أمام الملك

9

ولما جاء أبرام، رأى سحرةُ الملك وحكماؤه أبرام فصرخوا إلى الملك قائلين: يا سيدنا الملك، هذا هو الرجل عينه الذي نعلم أنه الطفل الذي عند ولادته ابتلع الكوكب العظيم أربعة كواكب، الذي أخبرنا الملكَ به قبل خمسين سنة.

10

وها هو ذا أبوه أيضاً قد تجاوز أوامرك وسخر بك إذ جاءك بطفل آخر، فقتلته أنت.

11

فلما سمع الملك كلامهم غضب جداً، وأمر أن يُحضَر تارح بين يديه.

12

وقال الملك: أما سمعت ما تكلم به السحرة؟ الآن أخبرني بالصدق: كيف فعلت ذلك؟ فإن صدقت تُبرَّأ.

13

ولما رأى تارح شدة غضب الملك قال للملك: يا سيدي الملك، لقد سمعتَ الحق، وما تكلم به الحكماء صحيح. فقال الملك: وكيف اجترأتَ على فعل هذا، فتتجاوز أوامري وتُعطيني طفلاً لم تنجبه، وتأخذ عوضاً عنه؟

تذرّع تارح بابنه هاران، وحكم الملك، وتردّد هاران الداخلي

14

فأجاب تارح الملك: لأن عاطفتي لابني غلبتني في ذلك الحين، فأخذتُ ابن جاريتي وأتيتُ به إلى الملك.

15

فقال الملك: من أشار عليك بهذا؟ قل لي ولا تُخفِ عني شيئاً، وحينئذ لا تموت.

16

ففزع تارح جداً في حضرة الملك وقال للملك: هاران ابني البكر هو الذي أشار عليّ بهذا؛ وكان هاران يوم وُلد أبرام ابن اثنتين وثلاثين سنة.

17

ولم يكن هاران قد أشار أباهَ إلى شيء، لكن تارح قال ذلك للملك ليخلّص نفسه من يد الملك لأنه خاف كثيراً؛ فقال الملك لتارح: هاران ابنك الذي أشار عليك بهذا يموت بالنار مع أبرام، فقد وجب عليه حكم الموت لأنه خالف رغبة الملك بصنيعه هذا.

18

وكان هاران في ذلك الوقت يميل إلى اتباع طرق أبرام، لكنه كتم ذلك في نفسه.

19

وقال هاران في قلبه: هوذا الملك قد قبض على أبرام بسبب هذه الأمور التي فعلها أبرام، فسيكون أنه إن غلب أبرامُ الملكَ اتبعته، وإن غلب الملكُ اتبعتُ الملك.

20

ولما تكلم تارح بهذا لدى الملك بخصوص ابنه هاران، أمر الملك أن يُقبض على هاران مع أبرام.

طرح أبرام وهاران في الأتون بعد تجريدهما وتقييدهما

21

فأتوا بأبرام وهاران أخيه ليطرحوهما في النار؛ وكان جميع سكان الأرض وخدام الملك وأمراؤه وكل النساء والصغار هناك، قائمين ذلك اليوم حولهما.

22

وأخذ خدام الملك أبرام وأخاه، ونزعوا عنهما كل ثيابهما إلا أزرتهما التي عليهما.

23

وقيدوا أيديهم وأرجلهم بحبال كتانية، ثم رفعهم خدام الملك وطرحوهما كليهما في الأتون.

نجاة أبرام بإنقاذ الرب وهلاك هاران، ودهشة الملك لرؤيته

24

وأحبّ الرب أبرام وتحنّن عليه، فنزل الرب وأنقذ أبرام من النار فلم يُحرَق.

25

لكن الحبال التي قيدوه بها احترقت، فيما بقي أبرام يمشي في وسط النار.

26

وأما هاران فلما طرحوه في النار مات واحترق رماداً، لأن قلبه لم يكن كاملاً مع الرب؛ وأولئك الرجال الذين طرحوه في النار امتد لهيب النار إليهم فاحترقوا، ومات منهم اثنا عشر رجلاً.

27

وكان أبرام يمشي في وسط النار ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ، فرآه جميع خدام الملك يمشي في النار، فجاؤوا وأخبروا الملك قائلين: ها قد رأينا أبرام يمشي في وسط النار، وحتى أزرته التي عليه لم تحترق، أما الحبل الذي قُيِّد به فقد احترق.

28

فلما سمع الملك كلامهم فزع قلبه ولم يصدقهم؛ فأرسل أمراء ثقات ليروا الأمر، فذهبوا ورأوه وأخبروه، فقام الملك لينظر، فرأى أبرام يمشي جيئةً وذهاباً في وسط النار، ورأى جسد هاران محترقاً، فتعجب الملك جداً.

عجز الخدام عن إخراجه ونداء الملك، وخروج أبرام سالماً

29

وأمر الملك أن يُخرَج أبرام من النار؛ فتقدم عبيده ليخرجوه فلم يستطيعوا، لأن النار كانت مستديرة واللهيب يرتفع نحوهم من الأتون.

30

ففرّ خدام الملك منه، فوبّخهم الملك قائلاً: أسرعوا وأخرجوا أبرام من النار لكيلا تموتوا.

31

فعاد خدام الملك يقتربون ليخرجوا أبرام، فأقبلت عليهم ألسنة النيران وأحرقت وجوههم حتى مات منهم ثمانية.

32

فلما رأى الملك أن خدامه لا يقدرون أن يقتربوا من النار لئلا يحترقوا، نادى الملك أبرام: يا عبدَ الإله الذي في السماء، اخرج من وسط النار وتعالَ إليّ؛ فأصغى أبرام إلى صوت الملك وخرج من النار وأتى ووقف أمام الملك.

33

ولما خرج أبرام رأى الملك وجميع خدامه أبرام آتياً أمام الملك وعليه أزرته السفلية لأنها لم تحترق، وأما الحبل الذي قُيِّد به فقد احترق.

اعتراف أبرام بإنقاذ الإله، ودعوته لعبادة الإله وحده، وهبات الملك وانصرافه

34

فقال الملك لأبرام: كيف لم تُحرَق في النار؟

35

فقال أبرام للملك: إن إله السماء والأرض الذي أتكل عليه وله السلطان على كل شيء، هو الذي أنقذني من النار التي طرحتني فيها.

36

وأما هاران أخو أبرام فاحترق رماداً، وطلبوا جسده فلم يجدوه لأنه قد استُهلك.

37

وكان هاران ابن اثنتين وثمانين سنة حين مات في نار كسديم. فلما رأى الملك والأمراء وسكان الأرض أن أبرام قد نُجّي من النار، جاءوا وسجدوا لأبرام.

38

فقال لهم أبرام: لا تسجدوا لي، بل اسجدوا لإله العالم الذي خلقكم، واعبدوه واسلكوا في طرقه، فهو الذي أنقذني من هذه النار، وهو الذي خلق نفوس البشر وأرواحهم، وصوّر الإنسان في رحم أمه وأخرجه إلى العالم، وهو الذي ينجّي المتوكلين عليه من كل ألم.

39

وكان هذا أمراً عجيباً جداً في أعين الملك والأمراء أن يُخلَّص أبرام من النار وأن يُحرَق هاران؛ فأعطى الملك أبرامَ هدايا كثيرة وأعطاه اثنين من كبار خدّام بيت الملك؛ اسم أحدهما أوني واسم الآخر أليعازر.

40

وأعطى جميع الملوك والأمراء والخدام أبرام هبات كثيرة من فضة وذهب ولؤلؤ، ثم صرفه الملك وأمراؤه، فمضى بسلام.

41

وخرج أبرام من عند الملك بسلام، وتبعه كثيرون من خدام الملك، فانضم إليه نحو ثلاثمائة رجل.

عودة أبرام لخدمة الرب وزواجه من ساراي العاقر

42

ورجع أبرام في ذلك اليوم إلى بيت أبيه، هو والرجال الذين تبعوه، وخدم أبرام الرب إلهه كل أيام حياته، وسلك في طرقه وتبع شريعته.

43

ومن ذلك اليوم فصاعداً أمال أبرام قلوب بني الإنسان إلى عبادة الرب.

44

وفي ذلك الوقت اتخذ ناحور وأبرام لنفسيهما زوجتين من بنات أخيهما هاران؛ فكانت زوجة ناحور ملكة، واسم زوجة أبرام ساراي. وكانت ساراي زوجة أبرام عاقراً، لم يكن لها نسل في تلك الأيام.

حلم نمرود بنجاة أبرام وغرق الجيوش واقتلاع عين الملك

45

وعند انقضاء سنتين من خروج أبرام من النار، أي في السنة الثانية والخمسين من عمره، إذا بالملك نمرود جالس على العرش في بابل، فغفا الملك وحلم أنه قائم مع جيوشه وجحافله في وادٍ مقابل أتون الملك.

46

ورفع عينيه فرأى رجلاً على هيئة أبرام يخرج من الأتون، فأتى ووقف أمام الملك وسيفه مصلت، ثم وثب على الملك بسيفه، فهرب الملك منه لأنه خاف؛ وبينما هو يجري ألقى الرجل بيضة على رأس الملك، فصارت البيضة نهراً عظيماً.

47

وحلم الملك أن جميع جيوشه غرقوا في ذلك النهر وماتوا، فأخذ الملك يفرّ مع ثلاثة رجال كانوا أمامه فنجا.

48

ونظر الملك إلى هؤلاء الرجال فإذا هم لابسون حللاً أميرية كملابس الملوك، وعليهم هيئة وجلال الملوك.

49

وفيما هم يركضون عاد النهر فصار بيضة أمام الملك، فخرج من البيضة فرخ طيرٍ جاء أمام الملك، فطفق يطير نحو رأسه وانقضّ عليه ونقر عينه فقلعها.

50

فاغتم الملك لما رأى ذلك، واستيقظ من نومه واضطربت روحه، وأحسّ رعباً شديداً.

استدعاء الحكماء، وتعبير أنوكي للحلم، والنصيحة بالقضاء على أبرام

51

وفي الصباح قام الملك من مضجعه خائفاً، وأمر أن يُحضَر إليه جميع الحكماء والسحرة، فقصّ عليهم الملك حلمه.

52

فأجاب الملكَ خادمٌ حكيم اسمه أنوكي قائلاً: ليس هذا إلا شر أبرام ونسله الذي سينهض على سيدي الملك في الأيام الأخيرة.

53

وها إن يوماً سيأتي يحارب فيه أبرام ونسله وأهل بيته سيدي الملك، فيضربون كل جيوش الملك وجحافله.

54

وأما ما قلتَ عن ثلاثة رجال رأيتهم على شاكلتك وقد نجَوا، فمعناه أنك وحدك ستنجو مع ثلاثة ملوك من ملوك الأرض يكونون معك في الحرب.

55

وأما ما رأيتَ من النهر الذي عاد فصار بيضة كما في البدء، وفرخ الطير الذي قلع عينك، فليس ذلك إلا نسل أبرام الذي سيقتل الملك في الأيام الأخيرة.

56

هذا هو حلم مولاي الملك، وهذه هي تعبيره، والحلم حق، والتعبير الذي أعطاك إياه عبدك صواب.

57

فالآن يا مولاي الملك، إنك تعلم أنه قد مضت اثنتان وخمسون سنة منذ رأى حكماؤك هذا عند مولد أبرام، وإن أبقى مولاي الملك أبرام حياً في الأرض فسيكون ذلك ضرراً على مولاي الملك، لأنه طوال أيام حياة أبرام لن يثبت لا أنت ولا مملكتك، إذ قد عُلم هذا سابقاً عند ولادته؛ فلماذا لا يقتله مولاي الملك كي يُدفَع شرك عنه في الأيام الأخيرة؟

مؤامرة القبض على أبرام، وإنذاره وفراره إلى بيت نوح

58

فأصغى نمرود إلى صوت أنوكي، وأرسل بعض خدامه سراً ليذهبوا فيقبضوا على أبرام ويأتوا به أمام الملك ليُقتَل.

59

وكان أليعازر خادم أبرام الذي أعطاه الملك له حاضراً حينئذٍ بين يدي الملك، فسمع ما أشار به أنوكي على الملك، وما قاله الملك لإهلاك أبرام.

60

فقال أليعازر لأبرام: أسرع، قم وأنقذ نفسك لئلا تموت على يد الملك، فإنه رأى كذلك في حلم بخصوصك، وهكذا عبّر أنوكي، وهكذا أيضاً أشار أنوكي على الملك بشأنك.

61

فأصغى أبرام إلى صوت أليعازر، وأسرع أبرام وركض إلى بيت نوح وابنه سام ليلوذ بالسلامة، فاستتر هناك ووجد مأمناً؛ وجاء خدام الملك إلى بيت أبرام يطلبونه فلم يجدوه، وفتشوا في أنحاء البلاد فلم يُعثر عليه، فذهبوا يفتشون في كل جهة فلم يلتقوه.

62

ولما لم يستطع خدام الملك أن يجدوا أبرام رجعوا إلى الملك، غير أن غضب الملك على أبرام سكن، إذ لم يجدوه، فصرف الملك من ذهنه هذا الأمر المتعلق بأبرام.

63

وكان أبرام مستتراً في بيت نوح مدة شهر حتى نسي الملك هذا الأمر، لكن أبرام ظل خائفاً من الملك؛ وجاء تارح ليرى ابنه أبرام سرّاً في بيت نوح، وكان تارح ذا مكانة عظيمة في عيني الملك.

نصيحة أبرام لتارح بالهجرة إلى كنعان وموافقة العائلة

64

فقال أبرام لأبيه: أما تعلم أن الملك يزمع أن يقتلني ويمحو اسمي من الأرض بمشورة مستشاريه الأشرار؟

65

فمن لك هنا وماذا لك في هذه الأرض؟ قم لنذهب معاً إلى أرض كنعان لكي نُنجَى من يده، لئلا تهلك أنت أيضاً بسببه في آخر الأيام.

66

أما تعلم أو أما سمعت أن نمرود لا يمنحك كل هذا الإكرام عن محبة، بل إنما يسبغه عليك لمنفعته هو؟

67

وإن زادك خيراً على هذا، فما هي إلا أباطيل العالم، فالمال والغنى لا ينفعان في يوم السخط والغضب.

68

فالآن أصغِ إلى صوتي ولنقم ونذهب إلى أرض كنعان بعيداً عن أذى نمرود؛ واعبد الرب الذي خلقك في الأرض يكن لك الخير، واطرح كل الباطلات التي تسعى وراءها.

69

ولما سكت أبرام عن الكلام، أجاب نوح وابنه سام تارح قائلين: صحيح هو الكلام الذي كلمك به أبرام.

70

فأصغى تارح إلى صوت ابنه أبرام، وفعل تارح كل ما قاله أبرام، لأن هذا كان من عند الرب لئلا يوقع الملك الموت بأبرام.