حكيم فقير من شنعار يقصد مصر لعرض حكمته
في تلك الأيام كان في أرض شنعار رجل حكيم يفهم في كل حكمة، حسن المنظر، لكنه كان فقيرًا معدمًا؛ اسمه ريكايون، وكان يشقّ عليه أن يعول نفسه.
فعزم أن يذهب إلى مصر، إلى أوسويريس بن أنوم ملك مصر، ليُري الملك حكمته؛ لعلّه ينال نعمة في عينيه فيرفعه ويعوله؛ ففعل ريكايون ذلك.
عادة الملك في الظهور السنوي والقضاء ليوم واحد
ولما جاء ريكايون إلى مصر سأل سكّانها عن الملك، فأخبروه بعادة ملك مصر؛ إذ كانت عادة ملك مصر حينئذ أن يخرج من قصره الملكي ولا يُرى في العلن إلا يومًا واحدًا في السنة، ثم يعود الملك إلى قصره ليمكث فيه.
وفي اليوم الذي يخرج فيه الملك كان يقضي في الأرض، وكل من له دعوى يأتي ذلك اليوم أمام الملك لينال مطلبه.
حزن ريكايون وسكنى المخبز المهجور والتفكير في المعاش
فلما سمع ريكايون بعادة مصر وأنه لا يستطيع أن يدخل إلى حضرة الملك، اغتمّ جدًا وحزن حزنًا شديدًا.
وفي المساء خرج ريكايون فوجد بيتًا خرابًا كان فيما مضى مخبزًا في مصر، فأقام هناك ليلته كلها بمرارة نفس ومن شدّة الجوع، وزال النوم عن عينيه.
وتدبّر ريكايون في نفسه ما يصنع في المدينة إلى أن يظهر الملك، وكيف يعول نفسه هناك.
محاولة بيع الخضار وفشلها وسخرية الرعاع ونهب المتاع
فقام صباحًا وتمشّى، فصادف في طريقه باعة الخضار وأنواع البذور المختلفة التي يزوّدون بها السكان.
وأراد ريكايون أن يفعل مثلهم ليحصل على معاشه في المدينة، لكنه كان يجهل عادة القوم، فصار بينهم كالأعمى.
فمضى وجلب خضارًا ليبيعها لمعاشه، فاجتمع حوله الرعاع وسخروا منه، وأخذوا خضاره وتركوه بلا شيء.
خطة المقبرة: استئجار رجال وفرض أجرة دفن الأموات
فقام من هناك بمرارة نفس، ومضى متنهّدًا إلى المخبز الذي بات فيه الليل السابق، ونام هناك الليلة الثانية.
وفي تلك الليلة أيضًا تفكّر في نفسه كيف ينجّي نفسه من الجوع، وابتكر خطة للعمل.
فقام صباحًا وتصرف بدهاء، وذهب واستأجر ثلاثين رجلًا أشدّاء من الرعاع، بأيديهم أسلحتهم، وقادهم إلى أعلى مقبرة المصريين، ووضعهم هناك.
وأمرهم قائلًا: هكذا يقول الملك: تشدّدوا وكونوا ذوي بأس، ولا يُدفن أحد هنا حتى تُعطى مئتا قطعة من الفضة، ثم يُدفن؛ ففعل أولئك الرجال بحسب أمر ريكايون مع أهل مصر طوال تلك السنة.
تراكم الثروات واتساع القوة حتى موعد ظهور الملك
وفي خلال ثمانية أشهر جمع ريكايون ورجاله ثروات عظيمة من الفضة والذهب، وأخذ ريكايون كمية كبيرة من الخيل وسائر الدواب، واستأجر رجالًا أكثر، وأعطاهم خيلًا فبقوا معه.
ولما دار الحول، في الوقت الذي يخرج فيه الملك إلى المدينة، اجتمع جميع سكان مصر ليكلموه في شأن عمل ريكايون ورجاله.
شكوى المصريين للملك وغضبه وسؤاله عن صاحب الفعل
فخرج الملك في اليوم المعيّن، وأتى جميع المصريين أمامه وصرخوا إليه قائلين:
ليحيَ الملك إلى الأبد. ما هذا الذي تفعله في المدينة بعبيدك، إذ لا تسمح بدفن جثة حتى يُدفع مقدار من الفضة والذهب؟ هل فُعل مثل هذا قط في الأرض كلها، منذ أيام الملوك الأولين، بل منذ أيام آدم إلى هذا اليوم، أن لا يُدفن الموتى إلا بثمن مُقرَّر؟
نعلم أن من عادة الملوك أخذ ضريبة سنوية من الأحياء، أمّا أنت فلا تكتفي بهذا، بل من الأموات أيضًا تفرض ضريبة يومًا فيومًا.
والآن، أيها الملك، لم نعد نطيق هذا، فإن المدينة كلها قد خربت بسببه، أما تعلم؟
فلما سمع الملك كل ما تكلّموا به استشاط غضبًا، واحتدم غيظه في داخله من أجل هذا الأمر، لأنه لم يكن يعلم شيئًا عنه.
وقال الملك: من هو وأين الذي يجترئ أن يفعل هذا الشر في أرضي بغير أمري؟ لا بد أن تخبروني.
مواجهة ريكايون للملك بهدايا وحديث بليغ ينال به القبول
فأخبروه بجميع أعمال ريكايون ورجاله، فاشتدّ غضب الملك، وأمر بأن يُؤتى بريكايون ورجاله أمامه.
فأخذ ريكايون نحو ألف ولد، بنين وبنات، وألبسهم حريرًا ومطرَّزات، وأركبهم الخيل وأرسلهم إلى الملك مع رجاله، وأخذ أيضًا كمية عظيمة من الفضة والذهب والأحجار الكريمة، وفرسًا قويًا جميلًا هديةً للملك، وبه جاء أمام الملك وانحنى إلى الأرض أمامه؛ فعجب الملك وخدامه وجميع سكان مصر من عمل ريكايون، ورأوا ثروته والهدية التي جاء بها للملك.
فسرّ ذلك الملك جدًا وتعجّب منه؛ ولما جلس ريكايون أمامه سأله الملك عن جميع أعماله، فقال ريكايون كل كلامه بحكمة أمام الملك وخدامه وجميع سكان مصر.
ولما سمع الملك كلام ريكايون وحكمته، نال ريكايون نعمة في عينيه، ولقى نعمة ولطفًا لدى جميع خدام الملك وجميع سكان مصر، من أجل حكمته وكلامه البليغ، ومن ذلك الوقت أحبّوه حبًا شديدًا.
تسمية ريكايون فرعون وتوليه ولاية مصر تحت الملك
فأجاب الملك وقال لريكايون: لا يُدعى اسمك بعد الآن ريكايون بل فرعون يكون اسمك، إذ إنك فرضت ضريبة على الأموات؛ وسمّى اسمه فرعون.
وأحبّ الملك ورعيّته ريكايون لحكمته، فتشاوروا مع جميع سكان مصر أن يجعلوه واليًا تحت الملك.
وفعل جميع سكان مصر وحكماؤها ذلك، وصار ذلك قانونًا في مصر.
وجعلوا ريكايون فرعون واليًا تحت أوسويريس ملك مصر، وتولى ريكايون فرعون حكم مصر، مقيمًا العدل في المدينة كل يوم، وأما أوسويريس الملك فكان يقضي لشعب البلاد يومًا واحدًا في السنة حين يخرج للظهور.
ترسيخ الحكم وفرض الضرائب وتعميم لقب فرعون أبديًا
وبدهاء استبدّ ريكايون فرعون بإدارة مصر، وفرض ضريبة على جميع سكان مصر.
وأحبّ جميع سكان مصر ريكايون فرعون كثيرًا، وسنّوا مرسومًا أن يُسمّى كل ملك يملك عليهم وعلى نسلهم في مصر: فرعون.
فلذلك دُعي كل الملوك الذين ملكوا في مصر من ذلك الوقت فصاعدًا فرعون إلى هذا اليوم.