إسماعيل ينتقل بأهله إلى إبراهيم في أرض الفلسطينيين
ثم قام إسماعيل وأخذ زوجته وأولاده ومواشيه وكل ما يملكه، ورحل من هناك ومضى إلى أبيه في أرض الفلسطينيين.
وأخبر إبراهيمُ ابنه إسماعيل بما جرى مع الزوجة الأولى التي اتخذها إسماعيل، بحسب ما صنعت.
وأقام إسماعيل وأولاده مع إبراهيم أيامًا كثيرة في تلك الأرض، وأقام إبراهيم في أرض الفلسطينيين زمنًا طويلًا.
نزاع الآبار مع أبيمالك ينتهي بحلف وعهد بئر سبع
وتوالت الأيام حتى بلغت ستةً وعشرين عامًا، وبعد ذلك خرج إبراهيم مع عبيده وكل ما له من أرض الفلسطينيين وابتعدوا مسافةً بعيدة، وجاؤوا قريبًا من حبرون، فأقاموا هناك. وحفر عبيد إبراهيم آبار ماء، وأقام إبراهيم وكل ما له عند الماء. وسمع عبيد أبيمالك ملك الفلسطينيين خبرَ أن عبيد إبراهيم قد حفروا آبار ماء في تخوم الأرض.
فجاؤوا وتخاصموا مع عبيد إبراهيم، وانتزعوا منهم البئر العظيمة التي كانوا قد حفروها.
وسمع أبيمالك ملك الفلسطينيين بهذا الأمر، فجاء إلى إبراهيم ومعه فيكول رئيس جيشه وعشرون من رجاله. وكلم أبيمالكُ إبراهيمَ بخصوص عبيده، فوبخ إبراهيمُ أبيمالك بشأن البئر التي سلبها عبيدُه منه.
فقال أبيمالك لإبراهيم: حيٌّ هو الرب خالقُ الأرض كلها، ما سمعتُ بما فعله عبيدي بعبيدك إلى هذا اليوم.
فأخذ إبراهيم سبع نعاج وأعطاها لأبيمالك، وقال: خُذ هذه، أرجوك، من يدي لتكون لي شهادةً أني أنا حفرتُ هذه البئر.
فأخذ أبيمالك السبع النعاج التي أعطاها له إبراهيم—إذ كان قد أعطاه أيضًا ماشيةً وقطعانًا كثيرة—وحلف أبيمالك لإبراهيم بخصوص البئر؛ لذلك دعا تلك البئر بئر سبع، لأنهما هناك حلفا عليها كِلاهما.
وقطع الاثنان عهدًا في بئر سبع. ثم قام أبيمالك ومعه فيكول رئيس جيشه وجميع رجاله، فعادوا إلى أرض الفلسطينيين. وأقام إبراهيم وكل من له في بئر سبع، وكان في تلك الأرض زمنًا طويلًا.
سخاء إبراهيم ببئر سبع وإطعام وإيواء المارّين يوميًا
وغرس إبراهيم بستانًا كبيرًا في بئر سبع، وجعل له أربع بوابات تُقابل جهات الأرض الأربع، وغرس فيه كرمًا، حتى إذا جاء مسافرٌ إلى إبراهيم دخل من أي باب يكون في طريقه، فأقام هناك وأكل وشرب حتى شبع، ثم انصرف.
لأن بيت إبراهيم كان دائمًا مفتوحًا لبني البشر المارّين والراجعين، يأتون كل يوم ليأكلوا ويشربوا في بيت إبراهيم.
وأيُّ إنسانٍ به جوع يأتي بيتَ إبراهيم كان إبراهيم يعطيه خبزًا ليأكل ويشرب فيشبَع، وكلُّ من يأتي عريانًا إلى بيته كان يكسوه ثيابًا على ما يختار، ويعطيه فضةً وذهبًا، ويعرّفه بالرب الذي خلقه في الأرض؛ هكذا فعل إبراهيم طول حياته.
استقرار إبراهيم ببئر سبع وبداية أنساب ناحور في حَران
وأقام إبراهيم وبنوه وكل ما له في بئر سبع، ونصب خيمته حتى حبرون.
وأما ناحور أخو إبراهيم وأبوه وكل من لهم، فأقاموا في حَران، لأنهم لم يأتوا مع إبراهيم إلى أرض كنعان.
وولد لناحور أبناءٌ من ملكة بنتِ هاران وأختِ سارة، زوجةِ إبراهيم.
وهذه أسماء الذين وُلدوا له: عوص وبوز وقموئيل وكسد وحَزو وبلدش وتِدلاف وبتوئيل، ثمانيةُ بنين؛ هؤلاء هم أبناء ملكة التي ولدتها لناحور أخي إبراهيم.
وكان لناحور سرّيةٌ اسمها رَعُوما، فولدت لناحور: زِبَخ وجَخَش وتَخَش ومعكة، أربعة بنين.
وكان الذين وُلدوا لناحور اثني عشر ابنًا عدا بناته، وقد وُلد لهؤلاء أيضًا بنون في حَران.
تفصيل نسل ناحور حتى بتوئيل وظهور رِفقة ولابان
وأبناء عوص بِكره: آبي، وحَرِف، وجادين، وميلوس، وأختهُم دبورة.
وأبناء بوز: برخئيل، ونعمة، وشِوا، ومادونو.
وأبناء قموئيل: آرام ورَحوب.
وأبناء كَسَد: عَناملك، ومشاي، وبنون، ويِفي؛ وأبناء حَزو: بلدش، ومَخي، وعوفر.
وأبناء بلدش: عَرود، وحَموم، ومَرَد، ومولك.
وأبناء تدلاف: موشان، وكوشان، وموتصي.
وأبناء بتوئيل: سِخار ولابان، وأختهما رِفقة.
هجرة فروع ناحور وبناء مدن في آرام وشنعار
هذه هي عشائر بني ناحور الذين وُلدوا لهم في حَران؛ وخرج آرامُ بنُ قموئيل ورَحوب أخوه من حَران، فوجدوا واديًا في الأرض عند نهر الفرات.
وبنوا هناك مدينة، وسمّوا اسم المدينة على اسم فثور بن آرام، وذلك في آرام النهرين إلى هذا اليوم.
وخرج بنو كَسَد أيضًا ليسكنوا حيث يجدون موضعًا، فمضَوا ووجدوا واديًا مقابل أرض شنعار، فسكنوا هناك.
وبنوا لأنفسهم هناك مدينة، وسمّوا اسم المدينة كَسَد على اسم أبيهم؛ وهي أرض كَسْديم إلى هذا اليوم. وسكن الكَسْديم تلك الأرض وأثمروا وكثروا كثيرًا.
زواج تارح المتأخر، ولادة صوبا، ووفاة تارح في حَران
وأخذ تارح، أبو ناحور وإبراهيم، زوجةً أخرى في شيخوخته، واسمها فَلِيلة، فحملت وولدت له ابنًا فسمّى اسمه صوبا.
وعاش تارح خمسًا وعشرين سنةً بعد أن ولد صوبا.
ومات تارح في تلك السنة، وهي السنة الخامسة والثلاثون لميلاد إسحاق بن إبراهيم.
وكانت أيام تارح مئتين وخمسَ سنوات، ودُفن في حَران.
نسل صوبا وتوسع آرام بن صوبا وبناء آرام صوبة
وعاش صوبا بنُ تارح ثلاثين سنة، فَوَلَد آرام وأخليس وميريك.
وكان لآرام بنِ صوبا بنِ تارح ثلاثُ زوجات، فولد اثني عشر ابنًا وثلاث بنات؛ وأعطى الربُّ آرامَ بنَ صوبا غنًى وأملاكًا وكثرةَ ماشيةٍ وقطعانٍ ودوابّ، فنما الرجل وازداد كثيرًا.
وارتحل آرامُ بنُ صوبا وأخوه وكل بيته من حَران، ومضَوا ليسكنوا حيث يجدون موضعًا، لأن ممتلكاتهم كانت عظيمة جدًّا فلا يسعهم المقام في حَران؛ إذ لم يقدروا أن يقيموا في حَران مع إخوتهم بني ناحور.
وسار آرامُ بنُ صوبا مع إخوته، فوجدوا واديًا بعيدًا نحو بلاد المشرق، فسكنوا هناك.
وبنوا هناك أيضًا مدينة، وسمّوا اسمها آرام على اسم أخيهم البِكر؛ وهي آرام صوبة إلى هذا اليوم.
تنشئة إسحاق وحواره مع إسماعيل وتمهيد امتحان إبراهيم
وكان إسحاق بنُ إبراهيم يترعرع في تلك الأيام، وكان أبوه إبراهيم يعلّمه طريق الرب ليعرف الرب، وكان الرب معه.
ولما بلغ إسحاق سبعًا وثلاثين سنة، كان أخوه إسماعيل معه في الخيمة.
وتفاخر إسماعيل أمام إسحاق فقال: كنتُ ابنَ ثلاث عشرة سنة حين كلم الرب أبي أن يختننا، ففعلتُ بحسب كلمة الرب التي كلم بها أبي، وبذلتُ نفسي للرب، ولم أعصِ كلمته التي أوصى بها أبي.
فأجاب إسحاق إسماعيل وقال: لِمَ تتفاخر عليّ بهذا، بقطعةٍ يسيرة من لحمك نزعتها من جسدك، في أمرٍ قد أمرك به الرب؟
حيٌّ هو الرب، إلهُ أبي إبراهيم، لو قال الرب لأبي: خُذ الآن ابنك إسحاق وأصعِده قربانًا أمامي، لما امتنعتُ، بل لكنتُ أُطيع بفرح.
وسمع الرب كلام إسحاق الذي كلم به إسماعيل، فحَسُن ذلك في عيني الرب، وفكّر أن يمتحن إبراهيم في هذا الأمر.
مجلس السماء: حضور الشيطان وادعاءاته حول البشر وإبراهيم
وجاء اليوم الذي فيه حضر بنو الله ووقفوا أمام الرب، وجاء الشيطان أيضًا مع بني الله أمام الرب.
فقال الرب للشيطان: من أين جئتَ؟ فأجاب الشيطان الرب وقال: من الجولان في الأرض، ومن المشي فيها ذهابًا وإيابًا.
وقال الرب للشيطان: ما قولُك لي في جميع بني الأرض؟ فأجاب الشيطان الرب وقال: رأيتُ جميع بني الأرض يخدمونك ويذكرونك حين يطلبون شيئًا منك.
فإذا أعطيتهم ما يطلبون، استراحوا وتركوك، ولم يذكروك بعد.
أفرأيتَ إبراهيم بنَ تارح، الذي لم يكن له أولاد في البدء، فكان يخدمك ويقيم لك مذابح حيثما أتى، ويقرّب عليها قرابين، وينادي باسمك على الدوام بين جميع بني الأرض.
اتهام الشيطان لإبراهيم وردّ الرب وإقرار الاختبار المرتقب
وأما الآن، بعد أن وُلِد له ابنه إسحاق، فقد تركك؛ صنع وليمةً عظيمة لجميع أهل البلاد، ونسي الرب.
فإنه مع كل ما صنع لم يأتِك بقربان: لا محرقة ولا ذبيحةَ سلامة، لا ثورًا ولا خروفًا ولا تيسًا، من كل ما ذبحه في اليوم الذي فُطِم فيه ابنه.
بل من حين وِلادة ابنه إلى الآن—وقد مضت سبعٌ وثلاثون سنة—لم يبنِ لك مذبحًا، ولا قرّب لك قربانًا، لأنه رأى أنك أعطيتَه ما سأل أمامك، فلذلك تركك.
فقال الرب للشيطان: هل تأمّلتَ هكذا عبدي إبراهيم؟ فإنه ليس مثله في الأرض، رجلٌ كاملٌ ومستقيم أمامي، يتّقي الله ويحيد عن الشر؛ حيٌّ أنا، لو قلتُ له: أَصعِد إسحاق ابنك أمامي، لما حجزه عني، فكم بالحري إن قلتُ له أن يُصعِد محرقةً أمامي من غنمه أو بقره.
فأجاب الشيطان الرب وقال: تكلّم الآن إذًا إلى إبراهيم كما قلتَ، فسترى ألن يعصي اليوم ويطرح كلامك جانبًا.