وليمة الزواج وخدعة لابان بإبدال العروس وإطفاء الأنوار ليلًا

1

وفي السنة السابعة اكتملت خدمة يعقوب التي خدم بها لابان، فقال يعقوب للابان: أعطني زوجتي، فقد كملت أيام خدمتي. ففعل لابان ذلك، وجمع لابان ويعقوب جميع أهل ذلك المكان وصنعا وليمة.

2

وفي المساء جاء لابان إلى البيت، ثم جاء يعقوب بعده مع أهل الوليمة، فأطفأ لابان كل الأنوار التي كانت في البيت.

3

فقال يعقوب للابان: لماذا تفعل بنا هذا؟ فأجاب لابان: هكذا عادتنا في هذه الأرض.

4

ثم أخذ لابان ابنته ليئة وأتى بها إلى يعقوب، فدخل عليها، ولم يدر يعقوب أنها ليئة.

5

وأعطى لابان ابنته ليئة جاريته زلفة خادمةً لها.

6

وكان جميع من في الوليمة يعلمون ما صنعه لابان بيعقوب، لكنهم لم يخبروا يعقوب بالأمر.

7

وجاء جميع الجيران تلك الليلة إلى بيت يعقوب، فأكلوا وشربوا وفرحوا، ولعبوا أمام ليئة بالدفوف والرقصات، وكانوا يهتفون أمام يعقوب: هي ليئة، هي ليئة.

8

وسمع يعقوب كلامهم، لكنه لم يفهم معناه، وظن أن ذلك ربما يكون من عادات هذه الأرض.

9

وتكلم الجيران بهذه الكلمات أمام يعقوب طوال الليل، وكانت جميع الأنوار التي في البيت قد أطفأها لابان تلك الليلة.

اكتشاف الخديعة صباحًا، مواجهة لابان واتفاق على زواج راحيل

10

وفي الصباح لما طلع النور، التفت يعقوب إلى زوجته، فإذا هي ليئة المتمددة في حضنه، فقال: ها قد علمت ما قاله الجيران الليلة الماضية: قالوا، هي ليئة، ولم أكن أعلم.

11

ودعا يعقوب لابان وقال له: ما هذا الذي صنعت بي؟ ألم أخدمك من أجل راحيل؟ فلماذا خدعتني وأعطيتني ليئة؟

12

فأجاب لابان يعقوب: ليس هكذا يُفعل في مكاننا أن تُعطى الصغرى قبل الكبرى. والآن، إن رغبت أن تأخذ أختها أيضًا، فخذها لك نظير الخدمة التي ستخدمني بها سبع سنين أخرى.

13

ففعل يعقوب ذلك، وأخذ راحيل زوجةً له، وخدم لابان سبع سنين أخرى، ودخل على راحيل، وأحب راحيل أكثر من ليئة، وأعطاها لابان جاريته بلهة خادمةً لها.

خصوبة ليئة وتداخل الجواري ومواليد بني يعقوب الأوائل

14

ولما رأى الرب أن ليئة مكروهة، فتح الرب رحمها، فحملت وولدت ليعقوب في تلك الأيام أربعة بنين.

15

وهذه أسماؤهم: رأوبين، وشمعون، ولاوي، ويهوذا. ثم توقفت عن الولادة.

16

وكانت راحيل في ذلك الوقت عاقرًا لا نسل لها، فغارت من أختها ليئة. ولما رأت أنها لا تلد ليعقوب، أخذت جاريتها بلهة، فولدت ليعقوب ابنين: دان ونفتالي.

17

ولما رأت ليئة أنها توقفت عن الولادة، أخذت هي أيضًا جاريتها زلفة وأعطتها ليعقوب زوجة، فدخل يعقوب على زلفة، فولدت هي أيضًا ليعقوب ابنين: جاد وأشير.

18

ثم حبلت ليئة ثانيةً وولدت ليعقوب في تلك الأيام ابنين وبنتًا؛ وهؤلاء أسماؤهم: يساكر، وزبولون، وأختهما دينة.

صلاة راحيل لرفع العقم، استجابة الله وولادة يوسف

19

وكانت راحيل لا تزال عاقرًا في تلك الأيام، فصلّت إلى الرب في ذلك الوقت وقالت: يا رب الإله، اذكرني وتعهّدني أرجوك، فإن زوجي الآن سيطرحني لأني لم ألد له أبناء.

20

فالآن، يا رب الإله، اسمع تضرعي أمامك، وانظر مذلتي، وأعطني بنين كإحدى الجواري، لكي لا أحمل عاري بعد.

21

فاستجاب الله لها وفتح رحمها، فحملت راحيل وولدت ابنًا، وقالت: قد نزع الرب عني عاري. ودعت اسمه يوسف قائلة: ليضف الرب لي ابنًا آخر. وكان عمر يعقوب إحدى وتسعين سنة حين ولدته.

إرسال دبورة بدعوة العودة، تمام الخدمة ومساومة لابان على البقاء

22

وفي ذلك الوقت أرسلت رفقة أم يعقوب مرضعتها دبورة بنت عوص، ومعها خادمان من خدم إسحاق، إلى يعقوب.

23

فجاءوا إلى يعقوب في حران وقالوا له: أرسلتنا إليك رفقة لتعود إلى بيت أبيك، إلى أرض كنعان. فأصغى يعقوب إليهم فيما قالت أمه.

24

وفي ذلك الوقت اكتملت السبع السنوات الأخرى التي خدم فيها يعقوب لابان من أجل راحيل، فلما تمّت أربع عشرة سنة أقامها في حران، قال يعقوب للابان: أعطني زوجاتي واصرفني لأذهب إلى أرضي، فها إن أمي قد أرسلت إليّ من أرض كنعان أن أرجع إلى بيت أبي.

25

فقال له لابان: لا تفعل، أضرع إليك. إن كنت قد وجدتُ نعمة في عينيك فلا تتركني؛ عيّن لي أجرتك فأعطيك، وأقم معي.

تحديد أجرة يعقوب بتمييز القطيع ونمو ثروته في بيت لابان

26

فقال له يعقوب: هذه هي أجرتي التي تعطيني إياها: أمرّ اليوم في كل غنمك فأعزل منها كل حمل أرقط أو أبلق، وكل أسود بين الضأن والمعز، فإن فعلت لي ذلك، رجعتُ فرعيتُ غنمك وحفظتها كما في الأول.

27

ففعل لابان كذلك، فنزع من غنمه كل ما قال يعقوب وأعطاه له.

28

وجعل يعقوب كل ما أخذه من غنم لابان في يد بنيه، وكان يرعى بقية غنم لابان.

29

ولما رأى خدام إسحاق الذين أُرسلوا إلى يعقوب أن يعقوب لم يرد حينئذ أن يرجع معهم إلى أرض كنعان إلى أبيه، انصرفوا عنه ورجعوا إلى أرض كنعان.

30

وأما دبورة فمكثت مع يعقوب في حران، ولم ترجع مع خدام إسحاق إلى أرض كنعان، وأقامت مع زوجات يعقوب وأولاده في حران.

31

وخدم يعقوب لابان ست سنين أخرى، وكلما ولدت الغنم كان يعزل منها ما هو أرقط وأبلق كما اتفق مع لابان، وفعل يعقوب ذلك في بيت لابان ست سنين، فازداد الرجل جدًا، وكان له ماشية وجوارٍ وعبيد وجمال وحمير.

ازدهار المواشي وحسد أهل لابان، ثم أمر الرب بالرجوع

32

وكان ليعقوب مئتا قطيع من الماشية، وكانت مواشيه كبيرة الحجم جميلة المنظر كثيرة النتاج، وكان جميع عشائر بني البشر يرغبون في اقتناء شيء من مواشي يعقوب، لأنها كانت في غاية الازدهار.

33

فكان كثيرون من بني البشر يأتون لاقتناء شيء من غنم يعقوب، فكان يعقوب يعطيهم شاة مقابل عبد أو أَمَة أو حمار أو جمل، وأيّ شيء كان يعقوب يرغب فيه منهم كانوا يعطونه إياه.

34

فاكتسب يعقوب بفضل هذه المعاملات ثروة وكرامة ومقتنيات، فحسده أبناء لابان على هذه الكرامة.

35

ومع مرور الوقت سمع كلام بني لابان قائلين: لقد أخذ يعقوب كل ما كان لأبينا، ومن الذي كان لأبينا اقتنى هذا المجد كله.

36

ورأى يعقوب وجه لابان ووجه بنيه، فإذا هو ليس إليه في تلك الأيام كما كان من قبل.

37

وظهر الرب ليعقوب عند انقضاء السنوات الست وقال له: انهض، واخرج من هذه الأرض، وارجع إلى أرض مولدك، وأنا أكون معك.

رحيل يعقوب سرًا وسرقة التماثيل ووصفها وقطع أثر المتابعة

38

فقام يعقوب في ذلك الوقت، وأركب أبناءه وزوجاته وكل ما له على الجمال، ومضى ليذهب إلى أرض كنعان إلى أبيه إسحاق.

39

ولم يعلم لابان أن يعقوب قد مضى عنه، لأن لابان كان في ذلك اليوم يجزّ غنمه.

40

وسرقت راحيل تماثيل أبيها، وأخذتها وخبأتها في رحل الجمل الذي كانت تجلس عليه، وسارت.

41

وهكذا كانت هيئة تلك التماثيل: يأخذون رجلًا بكرًا فيذبحونه، وينتفون شعر رأسه، ويأخذون ملحًا فيملّحون الرأس ويدهنونه بالزيت، ثم يأخذون لوحًا صغيرًا من نحاس أو لوحًا من ذهب، ويكتبون عليه الاسم، ويضعون اللوح تحت لسانه، ثم يأخذون الرأس واللوح تحته ويضعونه في البيت، ويوقدون أمامه الأنوار ويسجدون له.

42

وفي الوقت الذي يسجدون له ينطق لهم في كل ما يسألون عنه، بقوة الاسم المكتوب فيه.

43

وبعضهم يصنعها على هيئة رجال من ذهب وفضة، ويأتونها في أوقات معلومة لهم، فتتلقى التماثيل تأثير الكواكب وتخبرهم بأمور آتية؛ وبهذه الطريقة كانت التماثيل التي سرقتها راحيل من أبيها.

44

وسرقت راحيل هذه التماثيل التي لأبيها لكيلا يعرف لابان من خلالها إلى أين مضى يعقوب.

مطاردة لابان ليعقوب واتهامات بالهروب وسرقة الآلهة والتفتيش

45

وجاء لابان إلى بيته وسأل عن يعقوب وأهل بيته فلم يوجدوا، فطلب تماثيله ليعرف بها أين ذهب يعقوب فلم يجدها، فمضى إلى تماثيل أخرى وسألها، فأخبرته أن يعقوب قد هرب منه إلى أبيه، إلى أرض كنعان.

46

فنهض لابان وأخذ إخوته وجميع خدامه، وخرج في إثر يعقوب، فأدركه في جبل جلعاد.

47

فقال لابان ليعقوب: ما هذا الذي صنعت بي: تهرب وتخدعني، وتقود بناتي وأولادهن كسبايا مأخوذات بحد السيف؟

48

ولم تدعني أقبّلهم وأصرفهم بفرح، وسرقت آلهتي ومضيت.

49

فأجاب يعقوب لابان: لأني خفتُ أن تأخذ بناتك مني قسرًا؛ والآن من وُجدت معه آلهتك يُقتل.

50

ففتش لابان عن التماثيل، وفتّش في جميع خيام يعقوب وأمتعته، فلم يجدها.

عهد الرجمة بينهما، ذبيحة على الجبل وتوديع البنات والعودة

51

وقال لابان ليعقوب: لنعقد عهدًا معًا وليكن شاهدًا بيني وبينك؛ إن أنت أذيت بناتي، أو اتخذت نساءً أخريات سوى بناتي، فالله يكون شاهدًا بيني وبينك في هذا الأمر.

52

وأخذا حجارة وصنعا رجمة، وقال لابان: هذه الرجمة شاهد بيني وبينك. ولذلك دعا اسمها جلعاد.

53

وقدّم يعقوب ولابان ذبيحة على الجبل، وأكلا هناك عند الرجمة، وباتا في الجبل تلك الليلة. وبكّر لابان صباحًا وبكى مع بناته وقبّلَهن، ثم رجع إلى مكانه.

بعث لابان رسلًا لعيسو برسالة شكوى واتهامات ضد يعقوب

54

وأسرع فأرسل ابنه بعور، وكان ابن سبع عشرة سنة، مع أبيخوروف ابن عوص بن ناحور، ومعهما عشرة رجال.

55

فأسرعوا ومضوا، وسبقوا يعقوب في الطريق، وجاؤوا بطريق آخر إلى أرض سعير.

56

وأتوا إلى عيسو وقالوا له: هكذا يقول أخوك وذو قرابتك، خالك لابان بن بتوئيل:

57

أما سمعت ما صنعه بي يعقوب أخوك؟ لقد جاءني أولًا عريانًا خالي الوفاض، فخرجت للقائه وأدخلته بيتي بإكرام، وعظَّمته، وأعطيته ابنتيّ زوجتين وكذلك جاريتين من جواريّ.

58

وباركه الله من أجلي، فازداد جدًا، وصار له بنون وبنات وجوارٍ.

59

وله أيضًا ثروة هائلة من الغنم والبقر، وجمال وحمير، وكذلك فضة وذهب بوفرة؛ فلما رأى أن ثروته قد كثرت، تركني وأنا ذاهب لجزّ غنمي، وقام وهرب خفيةً.

تفاصيل المسير وتعيين الموضع ودعوة عيسو لمهاجمة يعقوب

60

وحمل زوجاته وأولاده على الجمال، وساق كل مواشيه وأملاكه التي اقتناها في أرضي، وقصد أن يذهب إلى أبيه إسحاق، إلى أرض كنعان.

61

ولم يدعني أقبّل بناتي وأولادهن، وساق بناتي كسبايا مأخوذات بحد السيف، وسرق آلهتي وهرب.

62

والآن قد تركته في جبل وادي يبوق، هو وكل ما له؛ لا ينقصه شيء.

63

فإن شئت أن تمضي إليه فامضِ، فهناك تجده، وتستطيع أن تفعل به كما تشتهي نفسك. وجاء رسل لابان فأخبروا عيسو بكل هذه الأمور.

استنفار عيسو وجمع أربعمئة رجل وتنظيمهم للتقدم نحو يعقوب

64

فلما سمع عيسو جميع كلام رسل لابان اضطرم غضبه جدًا على يعقوب، وتذكّر بغضه، واحترق غضبه في داخله.

65

وأسرع عيسو فأخذ بنيه وخدامه ونفوس بيته، وكانوا ستين رجلًا، وجمع كل بني سعير الحوري وقومهم، وكانوا ثلاثمئة وأربعين رجلًا، فأخذ هذا العدد كله، أربعمئة رجل، سيوفهم مسلولة، ومضى إلى يعقوب ليضربه.

66

وقسّم عيسو هذا العدد إلى أقسام، وأخذ الستين رجلًا من بنيه وخدامه ونفوس بيته رأسًا واحدًا، ودفعهم إلى عُهدة أليفاز ابنه البكر.

67

وأما الرؤوس الباقية فدفعها إلى عُهدة أبناء سعير الحوري الستة، وجعل كل رجل على عشيرته وأولاده.

68

وسار هذا المعسكر كله على حاله، وكان عيسو بينهم نحو يعقوب، يقودهم بسرعة.

إبلاغ رفقة بالخطر وإرسالها خدامًا كثيرين لاعتراض يعقوب

69

وانصرف رسل لابان من عند عيسو وذهبوا إلى أرض كنعان، وجاءوا إلى بيت رفقة أم يعقوب وعيسو.

70

وقالوا لها: هوذا ابنك عيسو قد خرج على أخيه يعقوب بأربعمئة رجل، لأنه سمع أنه قادم، فذهب ليحاربه ويضربه ويأخذ كل ما له.

71

فأسرعت رفقة وأرسلت اثنين وسبعين رجلًا من خدام إسحاق للقاء يعقوب في الطريق؛ لأنها قالت: لعل عيسو يصنع حربًا في الطريق عندما يلقاه.

لقاء محنايم ورسالة التهدئة والنصيحة بتقديم هدايا واستجابة يعقوب

72

فانطلق هؤلاء الرسل للقاء يعقوب، فالتقوه في طريق الوادي في الجهة المقابلة لوادي يبوق. ولما رآهم يعقوب قال: هذا المعسكر مُهَيَّأ لي من عند الله. ودعا يعقوب اسم ذلك المكان محنايم.

73

وكان يعقوب يعرف كل قوم أبيه، فقبّلهم وعانقهم وجاء معهم، وسألهم عن أبيه وأمه، فقالوا: هما بخير.

74

وقال الرسل ليعقوب: قد أرسلتنا إليك أمك رفقة قائلة: قد سمعتُ يا بني أن أخاك عيسو خرج عليك في الطريق برجال من بني سعير الحوري.

75

ولذلك يا بني، اسمع لصوتي وتدبّر بما تشير به ماذا تفعل، وإذا صعد إليك فتضرّع له، ولا تكلمه بحدة، وقدّم له هدية مما تملك ومما أنعم الله به عليك.

76

وإذا سألَك عن أحوالك فلا تُخفِ عنه شيئًا، لعلّه يرجع عن غضبه عليك، فتنجو بذلك نفسك أنت وكل من لك، فإنه يجب عليك أن تكرمه لأنه أخوك الأكبر.

77

فلما سمع يعقوب كلام أمه الذي نطق به الرسل، رفع صوته وبكى بكاءً مرًا، وفعل كما أمرته أمه حينئذ.