يعقوب يرسل رسلاً إلى عيسو طالبًا القبول والطمأنة

1

وفي ذلك الوقت أرسل يعقوب رُسُلاً إلى أخيه عيسو نحو أرض سعير، وكلمه بكلمات تضرّع.

2

وأوصاهم قائلاً: هكذا تقولون لسيدي عيسو: هكذا يقول عبدك يعقوب: لا يظنّ سيدي أن بركة أبي التي باركني بها قد أفادتني.

3

فقد كنت هذه العشرين سنة مع لابان، فخدعني وغيّر أجرتي عشر مرات، كما قد أُخبِر سيدي بكل ذلك.

4

وخدمته في بيته خدمة شاقة جدًا، ثم نظر الله إلى مذلّتي وتعبِي وعمل يديّ، فأجرى لي نعمةً ورضى في عينيه.

5

ثم إني برحمة الله العظيمة وإحسانه اقتنيتُ بقرًا وحميرًا ومواشي، وعبيدًا وجواري.

6

والآن أنا آتٍ إلى أرضي وبيتي، إلى أبي وأمي في أرض كنعان؛ وقد أرسلتُ لأُعلِم سيدي بكل هذا لكي أجد نعمة في عيني سيدي، فلا يظنّ أني حصلت على الغنى من نفسي، أو أن البركة التي باركني بها أبي قد نفعتني.

الرسل يواجهون عيسو وجيشه ويعودون بإنذار وطلب استغاثة

7

فذهب الرسل إلى عيسو فوجدوه على حدود أرض أدوم متوجّهًا نحو يعقوب، ومعه أربعمئة رجل من بني سعير الحوري بسيوفٍ مسلولة.

8

وأخبر رسل يعقوب عيسو بكل كلام يعقوب الذي كلمهم به بشأن عيسو.

9

فأجابهم عيسو بكبر وازدراء، وقال لهم: إني قد سمعت، وقد أُخبِرتُ حقًا، بما صنع يعقوب بلافان الذي رفعه في بيته وأعطاه بناته زوجات، فولد بنين وبنات، وكثر ماله وغناه جدًا في بيت لابان بسببه.

10

فلما رأى أن ماله وافِر وغناه عظيم هرب بكل ما له من بيت لابان، وساق بنات لابان عن وجه أبيهنَّ كسبايا مأخوذات بالسيف دون أن يخبره.

11

وليس لابان وحده فعل يعقوب هكذا، بل بي أنا أيضًا فعل ذلك، وقد احتال عليّ مرتين؛ أفأصمت؟

12

والآن قد جئتُ اليوم بجيوشي لألقاه، وسأفعل به حسب ما تهواه نفسي.

13

فرجع الرسل وجاءوا إلى يعقوب وقالوا له: قد جئنا إلى أخيك، إلى عيسو، وأخبرناه بكل كلامك، وهكذا أجابنا، وها هو آتٍ للقائك ومعه أربعمئة رجل.

14

فالآن اعلم وانظر ماذا تصنع، وتضرّع إلى الله أن يخلّصك منه.

خوف يعقوب وصلاة تذكر وعود الله ونعمه السابقة

15

فلما سمع يعقوب كلام أخيه الذي كلّم به رسل يعقوب، خاف جدًا واضطرب.

16

وصلّى يعقوب إلى الرب إلهه وقال: يا ربَّ إله آبائي إبراهيم وإسحاق، لقد قلتَ لي حين خرجتُ من بيت أبي قائلاً:

17

أنا الرب إلهُ أبيك إبراهيم وإله إسحاق، لك أعطي هذه الأرض ولنسلك من بعدك، وأجعل نسلك كنجوم السماء، وتمتدّ إلى جهات السماء الأربع، وبك وبنسلك تتبارك جميع عشائر الأرض.

18

وقد أثبتَّ كلامك، وأعطيتني ثروةً وبنين ومواشي؛ أعطيت عبدك أقصى ما اشتهته نفسي، وأعطيتني كل ما سألتك حتى لم أعدم شيئًا.

19

ثم قلتَ لي بعد ذلك: ارجع إلى والديك وإلى موطنك، وأُحسِنُ إليك أيضًا.

تضرع يعقوب للنجاة من عيسو والاعتراف بالقصور والرجاء

20

والآن وقد جئتُ، وبعد أن نجّيتني من لابان، أقع في يد عيسو فيقتلني ويقتل أمهات أولادي.

21

فالآن، يا رب الإله، نجّني أطلب إليك أيضًا من يد أخي عيسو، فإني خائف منه جدًا.

22

وإن لم يكن فيّ برّ، فافعله من أجل إبراهيم وأبي إسحاق.

23

فإني أعلم أني بإحسانك ورحمتك اقتنيتُ هذا الغنى، فالآن أتضرع أن تخلّصني اليوم بلطفك وأن تستجيب لي.

تقسيم العسكرين وترتيبات دفاعية وتعليمات ليلية دقيقة للنجاة

24

وانتهى يعقوب من الصلاة للرب، فقسّم الذين معه مع الغنم والبقر إلى معسكرين، ودفع النصف إلى رعاية دامسق بن أليعازر، خادمِ إبراهيم، ليكون معسكرًا مع أولاده، والنصف الآخر دفعه إلى رعاية أخيه أليانوس بن أليعازر ليكون معسكرًا مع أولاده.

25

وأوصاهم قائلاً: احفظوا مسافةً بين معسكريكم، ولا تقربوا بعضكم من بعض، فإن أتى عيسو إلى أحد المعسكرين فأهلكه، نجا منه المعسكرُ الآخرُ البعيدُ عنه.

26

وبات يعقوب هناك تلك الليلة، وطوال الليل كان يعطي عبيده تعليمات بخصوص الترتيبات القتالية وأولاده.

استجابة سماوية بملائكة ترهب عيسو وتمنع الاعتداء عليه

27

وسمع الرب صلاة يعقوب في ذلك اليوم، ثم نجّى الرب يعقوب من يد أخيه عيسو.

28

وأرسل الرب ثلاثة ملائكة من ملائكة السماء، فمضوا أمام عيسو وجاؤوا إليه.

29

وظهر هؤلاء الملائكة لعيسو وقومه كألفي رجل راكبين خيلًا مجهزة بكل صنوف أدوات الحرب، وبدوا في نظر عيسو وجميع رجاله منقسمين إلى أربعة معسكرات، ولها أربعة رؤساء.

30

ومضى معسكر منهم فوجد عيسو آتيًا مع أربعمئة رجل نحو أخيه يعقوب، فركض هذا المعسكر نحو عيسو وقومه وأرعبوهم، فسقط عيسو عن الفرس من الفزع، وافترق عنه جميع رجاله في ذلك الموضع لأن الخوف استولى عليهم جدًا.

31

وصاح المعسكر كله عليهم عند فرارهم، وأجاب جميع رجال الحرب قائلين:

32

حقًّا نحن عبيد يعقوب، خادمِ الله؛ فمن يقف في وجهنا؟ فقال لهم عيسو: إذن فمولاي وأخي يعقوب هو سيدكم، الذي لم أرَه منذ عشرين سنة، وها أنا اليوم قد جئت لأراه، أفتفعلون بي هذا؟

33

فأجابه الملائكة قائلين: حيٌّ هو الرب، لولا أن يعقوب الذي تذكره أخوك، لما أبقينا لك ولا لقومك باقية؛ لكن من أجل يعقوب لن نصنع بكم شيئًا.

تتابع المواجهات الملائكية وإذعان عيسو للمصالحة خوفًا وتخفيه بغضه عن يعقوب

34

ومرّ هذا المعسكر من عند عيسو ورجاله ومضى، ولم يبتعدوا عنهم إلا نحو مسافة فرسخ حتى أقبل المعسكر الثاني عليهم بكل أنواع السلاح، فصنعوا بعيسو ورجاله كما صنع المعسكر الأول.

35

ولما تركهم ليمضي، إذا بالمعسكر الثالث قد أقبل عليهم، فارتاعوا جميعًا، وسقط عيسو عن الفرس، وصرخ المعسكر كله وقال: حقًّا نحن عبيد يعقوب، خادمِ الله؛ فمن يقف في وجهنا؟

36

فعاد عيسو فأجابهم قائلاً: إذن يعقوب سيدي وسيدكم هو أخي، ومنذ عشرين سنة لم أرَ وجهه، ولما سمعت اليوم أنه آتٍ خرجتُ للقائه، أفتصنعون بي هذا؟

37

فأجابوه وقالوا له: حيٌّ هو الرب، لو لم يكن يعقوب أخاك كما قلت، لما تركنا لك ولا لرجالك بقية، لكن من أجل يعقوب الذي تذكره وهو أخوك، لا نتدخل فيك ولا في رجالك.

38

ومرّ المعسكر الثالث أيضًا من عندهم، وهو لا يزال يتابع طريقه مع رجاله نحو يعقوب، حتى جاءه المعسكر الرابع، فصنع به وبرجاله كما صنع الآخرون.

39

فلما أبصر عيسو ما صنعه به وبرجاله الملائكةُ الأربعة، خاف من أخيه يعقوب خوفًا عظيمًا، فمضى للقائه بسلام.

40

وأخفى عيسو بغضه ليعقوب لأنه خاف على حياته بسبب أخيه يعقوب، ولأنه ظنّ أن المعسكرات الأربعة التي صادفها هم رجال يعقوب.

تهيئة هدية كبيرة لعيسو وتعليمات تفصيلية للعبيد

41

وبات يعقوب تلك الليلة مع عبيده في معسكراتهم، وعزم مع عبيده أن يهدي عيسو هديةً من كل ما معه ومن جميع ماله؛ فقام يعقوب في الصباح هو ورجاله، وانتخب من بين المواشي هديةً لعيسو.

42

وهذا مقدار الهدية التي انتخبها يعقوب من قطيعه ليعطيها لأخيه عيسو: اختار مئتين وأربعين رأسًا من الغنم، ومن الإبل والحمير ثلاثين ثلاثين، ومن البقر اختار خمسين بقرة.

43

ووضعها كلها في عشرة قطعان، وجعل كل نوع على حدة، وسلّمها إلى أيدي عشرة من عبيده، كل قطيع بمفرده.

44

وأوصاهم وقال لهم: احفظوا مسافةً بعضكم عن بعض، واجعلوا فرجةً بين القطعان، وإذا لقيكم عيسو والذين معه وسألوكم قائلين: لمن أنتم؟ وإلى أين تذهبون؟ ولمن كل هذا الذي أمامكم؟ تقولون لهم: نحن عبيد يعقوب، وقد جئنا نلقى عيسو بسلام، وها يعقوب آتٍ وراءنا.

45

وما أمامنا هديةٌ أرسلها يعقوب لأخيه عيسو.

46

وإن قالوا لكم: لِمَ يتأخر وراءكم من أن يأتي للقاء أخيه ورؤية وجهه؟ تقولون لهم: إنه آتٍ فرِحًا وراءنا للقائه، لأنه قال: سأسترضيه بالهدية السائرة إليه، وبعد ذلك أرى وجهه، لعلّه يقبلني.

عبور يبوق ليلًا ومصارعة رجل تنتهي ببركة وعرج

47

فهكذا مضت الهدية كلها في أيدي عبيده وتقدّمت أمامه في ذلك اليوم، وبات تلك الليلة مع معسكراته عند حدود وادي يبوق، فنهض في وسط الليل وأخذ زوجاته وجواريه وكل ما له، وعبر بهم تلك الليلة مخاضة يبوق.

48

ولما عبر كل ما له فوق الوادي تُرِكَ يعقوب وحده، فصادفه رجل فصارعه تلك الليلة حتى طلوع الفجر، وخلعت حُقُّ فخذ يعقوب من كثرة المصارعة معه.

49

وعند طلوع الفجر تركه الرجل هناك وباركه ومضى، فعبر يعقوب الوادي عند الفجر وهو يعرج على فخذه.

50

وبزغت الشمس عليه لما كان قد عبر الوادي، ووصل إلى موضع مواشيه وأولاده.

اقتراب اللقاء وسجود يعقوب وتحول الموقف إلى مصالحة

51

وساروا حتى منتصف النهار، وفيما هم سائرون كانت الهدية تسير أمامهم.

52

ورفع يعقوب عينيه ونظر، فإذا عيسو عن بُعد مقبلٌ مع رجال كثيرين، نحو أربعمئة، فخاف يعقوب من أخيه جدًا.

53

فسارع يعقوب وقسّم أولاده على نسائه وجواريه، وأما ابنته دينة فوضعها في صندوق وسلّمها إلى أيدي عبيده.

54

ومرَّ أمام أولاده ونسائه للقاء أخيه، وسجد إلى الأرض، حتى إنه سجد سبع مرات إلى أن اقترب من أخيه، فأجرى الله ليعقوب نعمةً ورضى في عيني عيسو ورجاله، لأن الله سمع صلاة يعقوب.

55

ووقع خوف يعقوب ورعبه على أخيه عيسو، لأن عيسو خاف جدًا من يعقوب لما صنعته ملائكةُ الله به، فتحوّل غضب عيسو على يعقوب إلى لطف.

56

ولما رأى عيسو يعقوبَ يعدو نحوه، عدا هو أيضًا نحوه واعتنقه، ووقع على عنقه، فقبّلا وبكيا.

مشاركة الرجال في العناق وتعريف النساء والأبناء والمعسكر

57

وجعل الله في قلوب الرجال الذين مع عيسو خوفًا ولطفًا نحو يعقوب، فقبّلوا يعقوب هم أيضًا واعتنقوه.

58

وكذلك أليفاز ابن عيسو مع إخوته الأربعة أبناء عيسو بكوا مع يعقوب، وقبّلوه واعتنقوه، لأن خوف يعقوب وقع عليهم كلهم.

59

ورفع عيسو عينيه فرأى النساء مع ذرياتهنّ، أبناء يعقوب، يمشون خلف يعقوب وهم ينحنون في الطريق لعيسو.

60

فقال عيسو ليعقوب: من هؤلاء الذين معك يا أخي؟ أبناؤك هم أم عبيدك؟ فقال يعقوب لعيسو: هم أبنائي الذين أنعم الله بهم على عبدك.

61

وبينما كان يعقوب يكلم عيسو ورجاله، أبصر عيسو كل المعسكر، فقال ليعقوب: من أين لك كل ذلك المعسكر الذي لقيته البارحة؟ فقال يعقوب: لأجد نعمة في عيني سيدي؛ هو ما تفضّل الله به على عبدك.

تقديم الهدية وإصرار يعقوب حتى قبول عيسو وتقسيمها

62

وجاءت الهدية أمام عيسو، وألحّ يعقوب على عيسو قائلاً: خذ، أرجوك، الهدية التي جلبتها لسيدي. فقال عيسو: ولمَ هذا يا أخي؟ أبقِ ما لك لنفسك.

63

فقال يعقوب: يلزمني أن أعطي كل هذا، إذ قد رأيت وجهك وأنك لا تزال حيًّا بسلام.

64

وأبى عيسو أن يأخذ الهدية، فقال له يعقوب: أتضرع إليك يا سيدي، إن كنتُ الآن قد وجدت نعمة في عينيك فخذ هديتي من يدي، لأني لذلك رأيتُ وجهك، كأنني رأيت وجهًا إلهيًا، لأنك سررتَ بي.

65

فأخذ عيسو الهدية، وأعطى يعقوبُ أيضًا عيسو فضة وذهبًا وبدلًّا، لأنه ألحّ عليه حتى أخذها.

66

وقسّم عيسو الماشية التي في المعسكر، فأعطى النصف للرجال الذين جاءوا معه لأنهم جاءوا بالأجرة، والنصف الآخر سلّمه إلى أيدي أولاده.

عرض مرافقة من عيسو واعتذار يعقوب ثم افتراق المسير

67

وأما الفضة والذهب والبدلّ فأعطاها في يد أليفاز ابنه البكر، وقال عيسو ليعقوب: دعنا نبقَ معك، فنسير معك على مهل حتى تأتي إلى مكاني معي، فنقيم هناك معًا.

68

فأجاب يعقوب أخاه وقال: أفعل كما يتكلم سيدي إليّ، لكن سيدي يعلم أن الأولاد صغارٌ ضعفاء، وأن القطعان والماشية مع صغارها التي معي تسير على مهل؛ فلو أسرعوا لهلكوا كلهم، فإنك تعرف أثقالهم وتعبهم.

69

لذلك ليتقدّم سيدي على عبده، وأنا أسير على مهل من أجل الأولاد والقطيع، حتى آتي إلى مكان سيدي إلى سعير.

70

فقال عيسو ليعقوب: أضع معك بعض القوم الذين معي ليعتنوا بك في الطريق ويحملوا عنك التعب والثقل. فقال: ما لزوم ذلك يا سيدي، إن كنتُ أجد نعمة في عينيك؟

71

هأنذا آتي إليك إلى سعير لنسكن هناك معًا كما تكلمتَ؛ فامضِ أنت وقومك، فإني أتبعك.

72

وقال يعقوب هذا لعيسو ليصرف عيسو ورجاله عنه، لكي يمضي يعقوب بعد ذلك إلى بيت أبيه إلى أرض كنعان.

73

فأصغى عيسو إلى صوت يعقوب، ورجع عيسو مع الأربعمئة رجل الذين معه في طريقهم إلى سعير، وأما يعقوب وكل ما له فساروا ذلك اليوم إلى أقصى تخوم أرض كنعان في حدودها، وأقام هناك زمانًا.