استقرار يعقوب قرب شكيم وشراء حقل وبناء سكّوت
وبعد مدة حين ابتعد يعقوب عن حدود البلاد، جاء إلى أرض شاليم، وهي مدينة شكيم التي في أرض كنعان، واستراح أمام المدينة.
واشترى قطعة من الحقل التي هناك من بني حمور، أهل البلاد، بخمسة شواقل.
وبنى يعقوب هناك لنفسه بيتًا، ونصب خيمته هناك، وصنع مظالّ لبهائمه؛ لذلك دعا اسم ذلك الموضع سكّوت.
وأقام يعقوب في سكّوت سنة وستة أشهر.
خروج النساء للفرح ووقوع دينة بيد شكيم واعتداؤه
في ذلك الوقت خرجت بعض نساء سكان الأرض إلى مدينة شكيم ليرقصن ويفرحن مع بنات أهل المدينة، ولما خرجن خرجت أيضًا راحيل وليئة زوجتا يعقوب مع عائلتيهما لينظُرن فرح بنات المدينة.
وخرجت دينة ابنة يعقوب معهن، ورأت بنات المدينة، ولَبِثن هناك أمام هؤلاء البنات، فيما كان جميع أهل المدينة قائمين عندهن يتفرجون على أفراحهن، وكان جميع عظماء المدينة هناك.
وكان شكيم بن حمور، أمير الأرض، واقفًا هناك أيضًا لينظر إليهن.
ورأى شكيم دينةَ ابنة يعقوب جالسةً مع أمها أمام بنات المدينة، فأعجبته الفتاة جدًا، فسأل أصدقاءه وقومه هناك قائلًا: ابنة مَن هذه الجالسة بين النساء التي لا أعرفها في هذه المدينة؟
فقالوا له: حقًا هذه ابنة يعقوب بن إسحاق العبراني، وقد أقام في هذه المدينة منذ حين، ولما أُعلن أن بنات الأرض خارجات للفرح خرجت مع أمّها وجواريها لتجلس بينهن كما ترى.
فرأى شكيم دينةَ ابنة يعقوب، وما إن نظر إليها حتى تعلّقت نفسه بدينة.
فأرسل فأُخِذت قسرًا، وجاءت دينة إلى بيت شكيم، فأمسكها بعنف واضطجع معها وأذلّها، وأحبّها جدًا، وأبقاها في بيته.
محاولة يعقوب استرجاع دينة وفشل العبيد وصمت مؤقت
وجاءوا فأخبروا يعقوب بالأمر، فلما سمع يعقوب أن شكيم قد دنّس ابنته دينة، أرسل اثني عشر من عبيده ليأتوا بدينة من بيت شكيم، فذهبوا وجاؤوا إلى بيت شكيم ليأخذوا دينة من هناك.
فلما جاءوا خرج إليهم شكيم مع رجاله وطردهم من بيته، ولم يسمح لهم أن يأتوا أمام دينة، وكان شكيم جالسًا مع دينة يقبّلها ويعانقها أمام أعينهم.
فرجع عبيد يعقوب وأخبروه قائلين: لما جئنا طردنا هو ورجاله، وهكذا فعل شكيم بدينة أمام أعيننا.
وكان يعقوب يعلم أيضًا أن شكيم قد دنّس ابنته، لكنه لم يقل شيئًا، وكان بنوه يرعون مواشيه في الحقل، فظلّ يعقوب صامتًا حتى رجعوا.
رسائل متبادلة وزيارة حمور تمهيدًا لطلب زواج دينة
وقبل أن يعود بنوه إلى البيت أرسل يعقوب جاريتين من بنات عبيده ليقمن على رعاية دينة في بيت شكيم وليمكثن معها، وأرسل شكيم ثلاثة من أصدقائه إلى أبيه حمور بن خِدِّكَم بن فَرَد قائلًا: هاتوا لي هذه الفتاة زوجة.
فجاء حمور بن خِدِّكَم الحوي إلى بيت ابنه شكيم وجلس أمامه، وقال حمور لابنه: يا شكيم، أفما توجد امرأة بين بنات قومك حتى تأخذ امرأة عبرانية ليست من قومك؟
فقال له شكيم: إيّاها وحدها يجب أن تجلب لي، فهي بهجة في عيني. ففعل حمور بحسب قول ابنه، لأنه كان محبوبًا لديه جدًا.
عودة أبناء يعقوب وغضب شديد ومطالبة بعقوبة الموت
وخرج حمور إلى يعقوب ليحادثه في هذا الأمر، ولما خرج من بيت ابنه شكيم، وقبل أن يصل إلى يعقوب ليكلّمه، إذا بأبناء يعقوب قد جاؤوا من الحقل ما إن سمعوا الأمر الذي فعله شكيم بن حمور.
وحزن الرجال جدًا لأجل أختهم، وجاؤوا كلهم إلى البيت وهم يتّقدون غضبًا، قبل وقت إدخال مواشيهم.
وجلسوا أمام أبيهم، وكلموه وقد اضطرم غضبهم قائلين: إن الموت مستحق لهذا الرجل ولأهل بيته، لأن الرب إله كل الأرض أوصى نوحًا وبنيه أن لا يسرق الإنسان ولا يزني. وها هو شكيم قد عاث وأتى بفاحشة مع أختنا، ولم ينطق أحد من جميع أهل المدينة بكلمة له.
إنك لتعلم وتفهم أن حكم الموت مستحق لشكيم ولأبيه وللمدينة كلها بسبب الأمر الذي فعله.
مفاوضات حمور وشكيم مع يعقوب لزواج دينة وعرض مهر
وبينما هم يكلمون أباهم في هذا الشأن، إذا بحمور أبي شكيم جاء ليتكلم إلى يعقوب بكلام ابنه بخصوص دينة، فجلس أمام يعقوب وأمام بنيه.
فقال لهم حمور: إن نفس ابني شكيم مُشتاقة إلى ابنتكم؛ أرجوكم أعطوه إيّاها زوجة، وتزاوجوا معنا؛ أعطونا بناتكم ونُعطِكم بناتنا، وتسكنون معنا في أرضنا ونكون شعبًا واحدًا في الأرض.
فإن أرضنا واسعة جدًا، فاسكنوا فيها وتاجروا واقتنوا أملاكًا فيها، وافعلوا فيها ما تشتهون، ولن يمنعكم أحد بكلمة.
وكفّ حمور عن الكلام مع يعقوب وبنيه، وإذا بشكيم ابنه قد جاء خلفه، فجلس أمامهم.
وقال شكيم أمام يعقوب وبنيه: ليتني أجد نعمة في أعينكم فتُعطوني ابنتكم، ومهما تقولون لي أصنعه لأجلها.
اطلبوا مني وفرة مهرٍ وعطيّة فأعطي، ومهما تقولون لي أفعل، ومن يعصِ أمركم يُقتَل؛ إنما أعطوني الفتاة زوجة.
خداع شمعون ولاوي وادعاء التشاور تمهيدًا للخطة المقبلة
فأجاب شمعون ولاوي حمورَ وشكيمَ ابنه بخداع قائلين: كل ما كلّمتمونا به نفعله لكم.
وها أختنا في بيتكم، ولكن كفّوا عنها إلى أن نرسل إلى أبينا إسحاق في هذا الأمر، لأننا لا نقدر أن نفعل شيئًا بدون رضاه.
فهو يعرف طرق أبينا إبراهيم، ومهما يقول لنا نخبركم به، ولن نخفي عنكم شيئًا.
وقال شمعون ولاوي هذا لشكيم وأبيه ليجدا ذريعة، وليطلبا مشورة عمّا ينبغي أن يُفعل بخصوص شكيم ومدينةِه في هذا الشأن.
فلما سمع شكيم وأبوه كلام شمعون ولاوي حَسُن في أعينهما، وخرجا لينصرفا إلى بيتهما.
مشورة القتل واشتراط الختان لاستدراج أهل المدينة ثم الهجوم
ولما انصرفا قال بنو يعقوب لأبيهم: ها إننا نعلم أن الموت مستحق لهؤلاء الأشرار ولمدينتهم، لأنهم تعدّوا ما أوصى الله به نوحًا وبنيه ونسله من بعدهم.
وأيضًا لأن شكيم صنع هذا الأمر بابنتنا دينة إذ دنّسها، فمثل هذه الدناءة لا تُفعل بيننا قط.
فالآن اعلم وانظر ماذا تصنع، والتمس مشورةً وذريعةً عمّا ينبغي أن يُفعل بهم لكي نقتل جميع سكان هذه المدينة.
فقال لهم شمعون: هذه مشورة صائبة لكم: قولوا لهم أن يختتن كل ذكر فيهم كما نحن مختونون، وإن لم يريدوا فعل ذلك نأخذ ابنتنا منهم ونمضي.
وإن رضوا أن يفعلوا هذا وفعلوه، فحين ينهكون من الألم نهجم عليهم بسيوفنا كمن يهاجم قومًا آمنين مسالمين، ونقتل كل ذكر فيهم.
فحسنت في أعينهم مشورة شمعون، وعزم شمعون ولاوي أن يفعلا بهم كما اقتُرح.
إجابة مخادعة تقضي بالختان العام والتلويح بسحب دينة
وفي صباح اليوم التالي جاء شكيم وحمور أبوه أيضًا إلى يعقوب وبنيه ليتكلموا بخصوص دينة، ويسمعوا ما الجواب الذي يعطيه بنو يعقوب لكلامهم.
فكلمهم بنو يعقوب بخداع قائلين: قد أخبرنا أبانا إسحاق بكل كلامكم، وقد استحسن كلامكم.
لكنّه قال لنا: هكذا أوصاه أبوه إبراهيم بأمرٍ من الله ربّ كل الأرض، أن أي إنسان ليس من نسله يرغب أن يأخذ واحدة من بناته، فعليه أن يجعل كل ذكرٍ له يختتن كما اختتنا نحن، ثم يمكننا أن نعطيه ابنتنا زوجة.
وقد أعلمناكم الآن بكل طُرقنا التي كلّمنا بها أبونا، لأننا لا نقدر أن نفعل ما كلّمتمونا به أن نعطي ابنتنا لرجل غير مختون، لأنه عارٌ علينا.
ولكن على هذا نوافقكم: أن نعطيكم ابنتنا ونأخذ نحن أيضًا بناتكم، ونسكن بينكم ونكون شعبًا واحدًا كما قلتم، إن سمعتم لنا ورضيتم أن تكونوا مثلنا، بأن يختتن كل ذكر لكم كما اختتنا.
وإن لم تسمعوا لنا بأن يختتن كل ذكر كما اختتنا كما أمرنا، فسنأتيكم ونأخذ ابنتنا منكم ونمضي.
فسمع شكيم وأبوه حمور كلام بني يعقوب، فحَسُن الأمر في أعينهما جدًا، وأسرع شكيم وأبوه حمور إلى صنع رغبة بني يعقوب، لأن شكيم كان مولعًا بدينة، وقد تعلّقت نفسه بها.
إقناع رجال شكيم بالختان وتنفيذ الشرط على الجميع
وأسرع شكيم وأبوه حمور إلى باب المدينة، فجمعا كل رجال مدينتهما، وکلّماهم بکلام بنی یعقوب قائلین:
قد جئنا إلى هؤلاء الرجال، بني يعقوب، وكلّمناهم بخصوص ابنتهم، وهؤلاء الرجال سيرضون أن يصنعوا بحسب رغبتنا، وهوذا أرضنا فسيحة لهم جدًا، فيسكنون فيها ويتّجرون فيها، ونكون شعبًا واحدًا؛ نأخذ بناتهم ونُعطيهم بناتنا زوجات.
لكن على هذا الشرط وحده يرضى هؤلاء الرجال أن يصنعوا هذا الأمر: أن يُختتن كل ذكر فينا كما هم مختونون، كما أمرهم إلههم، ومتى فعلنا بحسب تعليمهم فاختتنا سيسكنون بيننا مع مواشيهم ومقتناهم ونكون شعبًا واحدًا معهم.
فلما سمع جميع رجال المدينة كلام شكيم وأبيه حمور، وافق جميع رجال مدينتهم على هذا الاقتراح، وأطاعوا ليُختتنوا، لأن شكيم وأباه حمور كانا مكرَّمين لديهم إذ هما أميرا الأرض.
وفي اليوم التالي بَكَّر شكيم وحمور أبوه في الصباح، فجمعا كل رجال مدينتهما إلى وسط المدينة، واستدعَوا بني يعقوب، فاختتنوا كل ذكر لهم في ذلك اليوم واليوم الذي بعده.
واختتنوا شكيم وحمور أباه وإخوة شكيم الخمسة، ثم قام كل واحد وذهب إلى بيته، لأن هذا الأمر كان من عند الربّ على مدينة شكيم، وكانت مشورة شمعون في هذا الأمر من عند الربّ، لكي يسلّم الربّ مدينة شكيم إلى يدي ابني يعقوب.