إحصاء المختونين في شكيم وتمرد خدّكِم ومحاولة الاغتيال
وكان عدد جميع الذكور الذين خُتنوا 645 رجلاً و246 طفلاً.
وأما خدّكِم بن بيرد، أبي حمور، وإخوته الستة، فلم يُصغوا إلى شكيم وأبيه حمور، ولم يرضوا بالختان، لأن اقتراح بني يعقوب كان ممقوتًا في أعينهم، فاشتدّ غضبهم لهذا، إذ إن أهل المدينة لم يستجيبوا لهم.
وفي مساء اليوم الثاني وجدوا ثمانية أطفال صغار لم يُختنوا، لأن أمهاتهم أخفَيْنَهم عن شكيم وأبيه حمور وعن رجال المدينة.
فأرسل شكيم وأبوه حمور ليُؤتى بهم أمامهما ليُختنوا، عندئذٍ انقضّ عليهم خدّكِم وإخوته الستة بسيوفهم، وسعوا لقتلهم.
وطلبوا أيضًا قتل شكيم وأبيه حمور، وسعوا لقتل دينة معهم بسبب هذا الأمر.
احتجاج خدّكِم وإنذار بجمع الكنعانيين للانتقام
وقالوا لهم: ما هذا الذي فعلتموه؟ أليست نساءٌ بين بنات إخوتكم الكنعانيين، حتى ترغبوا أن تأخذوا لكم بنات العبرانيين، اللواتي لم تعرفوهنّ من قبل، وتفعلوا هذا الفعل الذي لم يأمركم به آباؤكم؟
أفتظنّون أنكم ستنجحون بهذا العمل الذي صنعتموه؟ وماذا تجيبون في هذا الشأن لإخوتكم الكنعانيين، الذين يأتون غدًا ويسألونكم عن هذا الأمر؟
وإن لم يظهر فعلكم مستقيمًا وحسنًا في أعينهم، فماذا تصنعون لأنفسكم، وماذا نصنع نحن لأنفسنا، إذ لم تسمعوا لصوتنا؟
وإن سمع سكانُ الأرض وكل إخوتكم بنو حام بفعلكم هذا، قائلين،
من أجل امرأة عبرانية فعل شكيم وحمور أبوه، وجميع سكان مدينتهم، ما لم يكونوا يعرفونه، وما لم يأمرهم به أسلافهم؛ فأين تفرّون حينئذٍ وأين تُخفون خزيكم كل أيامكم أمام إخوتكم، سكان أرض كنعان؟
فالآن لا طاقة لنا على احتمال هذا الأمر الذي فعلتموه، ولا نستطيع أن نُثقَل بهذا النير علينا، الذي لم يأمرنا به أسلافنا.
هوذا غدًا نذهب ونجمع كل إخوتنا، الإخوة الكنعانيين الساكنين في الأرض، فنأتي جميعًا ونضربكم أنتم وكل من يتّكل عليكم، حتى لا يبقى لكم ولا لهم باقٍ.
اعتراف شكيم وحَمور وتبريرهما وخطة مؤجلة لمهاجمة يعقوب
ولما سمع حمور وابنه شكيم وكل أهل المدينة كلام خدّكِم وإخوته، خافوا جدًا على حياتهم من كلامهم، وندموا على ما فعلوه.
فأجاب شكيم وأبوه حمور أباهم خدّكِم وإخوته، وقالوا لهم: كل الكلام الذي كلمتمونا به حقّ.
والآن لا تقولوا ولا تظنّوا في قلوبكم أننا بسبب محبتنا للعبرانيين فعلنا هذا الأمر الذي لم يأمرنا به آباؤنا.
لكن لأننا رأينا أنه ليس في قصدهم ولا رغبتهم أن يوافقوا على طلبنا بخصوص ابنتهم لنأخذها لنا، إلا على هذا الشرط؛ لذلك سمعنا لصوتهم وفعلنا هذا الأمر الذي رأيتموه، لكي ننال مطلوبنا منهم.
ومتى نلنا منهم طلبنا، نرجع إليهم حينئذٍ ونصنع بهم كما تقولون لنا.
فنضرع إليكم أن تنتظروا وتمكثوا حتى يُشفى لحمُنا ونعود أقوياء، ثم نذهب جميعًا عليهم ونصنع بهم ما في قلوبكم وقلوبنا.
دينة تُبلّغ يعقوب، وغضب يعقوب وقَسَم شمعون ولاوي
وسمعت دينة ابنة يعقوب كل هذه الكلمات التي تكلم بها خدّكِم وإخوته، وما أجاب به حمور وابنه شكيم وشعب مدينتهم.
فأسرعت وأرسلت إحدى جواريها، التي كان أبوها قد أرسلها للعناية بها في بيت شكيم، إلى يعقوب أبيها وإخوتها، قائلةً:
هكذا أشار خدّكِم وإخوته بشأنكم، وهكذا أجابهم حمور وشكيم وشعب المدينة.
ولما سمع يعقوب هذه الكلمات امتلأ غيظًا، وسخط عليهم، واشتعل غضبه عليهم.
وحلف شمعون ولاوي وقالا: حيٌّ هو الرب، إله كل الأرض، إنه في مثل هذا الوقت غدًا لن يبقى باقٍ في المدينة كلها.
مجزرة شكيم ونهب المدينة وقتل حمور وشكيم وإخراج دينة
وكان قد اختبأ عشرون شابًا لم يُختنوا، فقاتل هؤلاء الشبان شمعون ولاوي، فقتل شمعون ولاوي منهم ثمانية عشر، وفرّ اثنان منهما ونجوا إلى بعض آبار الكُلس التي في المدينة، وطلبهما شمعون ولاوي فلم يجداهما.
واستمر شمعون ولاوي يجولان في المدينة، فقتلا جميع أهل المدينة بحدّ السيف، ولم يتركا باقِيًا.
وكان رعب عظيم في وسط المدينة، وصعد صراخُ أهل المدينة إلى السماء، وبكت جميع النساء والأولاد بصوت عالٍ.
وقتل شمعون ولاوي أهل المدينة كلهم؛ فلم يتركا ذكرًا واحدًا باقيًا في المدينة كلها.
وقتلا حمور وشكيم ابنه بحدّ السيف، وأخرجا دينة من بيت شكيم وخرجا من هناك.
ومضى بنو يعقوب ورجعوا، وأتوا على القتلى، ونهبوا كل أملاكهم التي في المدينة والحقل.
وفيما هم يأخذون الغنيمة، قام ثلاثمائة رجل وذرّوا التراب عليهم ورجموهم بالحجارة، فالتفت إليهم شمعون وقتلهم جميعًا بحدّ السيف، ثم تقدّم شمعون أمام لاوي ودخل المدينة.
وأخذوا غنمهم وبقرهم ومواشيهم، وكذلك بقية النساء والصغار، وساقوا هؤلاء كلهم، وفتحوا بابًا وخرجوا وجاؤوا إلى أبيهم يعقوب بقوة.
غضب يعقوب من أبنائه وجدال حول كرامة دينة
ولما رأى يعقوب كل ما فعلوه بالمدينة، ورأى الغنيمة التي أخذوها منهم، غضب عليهم جدًا، وقال لهم يعقوب: ما هذا الذي صنعتموه بي؟ هوذا قد نلتُ راحة بين سكان الأرض الكنعانيين، ولم يتعرض لي أحدٌ منهم.
والآن قد جعلتموني بغيضًا عند سكان الأرض، بين الكنعانيين والفرزيين، وأنا قليل العدد، فيجتمعون عليّ ويقتلونني حين يسمعون بفعلكم بإخوتهم، فأُباد أنا وأهل بيتي.
فأجاب شمعون ولاوي وسائر إخوتهم أباهم يعقوب وقالوا له: ها نحن نسكن في الأرض، أفيفعل شكيم هذا بأختنا؟ لِمَ أنت صامت عن كل ما فعله شكيم؟ أيُعامِل أختنا كزانية في الشوارع؟
تفصيل السبايا والأسرى من شكيم ومصيرهم لدى بني يعقوب
وكان عدد النساء اللواتي أخذهنّ شمعون ولاوي سبايا من مدينة شكيم ولم يقتلوهنّ خمسًا وثمانين امرأة، لم يعرفنَ رجلاً.
وكانت فيهنّ فتاة شابة حسنة المنظر وجميلة، اسمها بونة، فأخذها شمعون زوجةً له. وكان عدد الذكور الذين أخذوهم سبايا ولم يقتلوهم سبعةً وأربعين رجلاً، وأما الباقون فقتلوهم.
وكان جميع الشبان والنساء الذين أخذهم شمعون ولاوي سبايا من مدينة شكيم عبيدًا لبني يعقوب ولأولادهم من بعدهم، إلى يوم خروج بني يعقوب من أرض مصر.
نجاة شابين ونقل الخبر لتفنح ودعوة الملك للقتال
ولما خرج شمعون ولاوي من المدينة، قام الغلامان اللذان بقيا، وكانا قد اختبآ في المدينة ولم يموتا مع أهل المدينة، فدخلا المدينة وطافا فيها، فوجدا المدينة خربة بلا إنسان، وليس فيها إلا نساءٌ باكيات، فصرخ الغلامان وقالا: هوذا هذا الشرّ الذي صنعه بنو يعقوب العبراني لهذه المدينة، إذ أهلكوا اليوم إحدى مدن الكنعانيين، ولم يخافوا على حياتهم أمام كل أرض كنعان.
ثم خرج هذان الرجلان من المدينة وذهبا إلى مدينة تفنح، فجاءا إليها وأخبرا سكان تفنح بكل ما أصابهما، وكل ما صنعه بنو يعقوب بمدينة شكيم.
فبلغ الخبر ياشوب ملك تفنح، فأرسل رجالًا إلى مدينة شكيم ليروا أولئك الغلامين، لأن الملك لم يصدق هذا الخبر، قائلاً: كيف يستطيع رجلان أن يُخرّبا مدينة عظيمة مثل شكيم؟
فعاد رسل ياشوب وأخبروه قائلين: أتينا المدينة فإذا هي مدمَّرة، ليس فيها إنسان؛ إنما نساءٌ باكيات؛ وليس فيها غنمٌ ولا بقر، لأن كل ما كان في المدينة أخذه بنو يعقوب.
فتعجّب ياشوب من ذلك وقال: كيف يقدِر رجلان على هذا الأمر، أن يُدمِّرا مدينة عظيمة كهذه، ولا يستطيع رجلٌ واحد أن يقف في وجههما؟
فإن مثل هذا لم يحدث منذ أيام نمرود، ولا حتى من أزمنة بعيدة جدًا، لم يقع مثلُه؛ وقال ياشوب ملك تفنح لشعبه: تشدّدوا ولنذهبْ ونقاتلْ هؤلاء العبرانيين، ونصنعْ بهم كما صنعوا بالمدينة، وننتقمْ لقضية شعب المدينة.
مشورة بتجميع ملوك الأموريين وحشد الجيوش ومخاوف يعقوب
واستشار ياشوب ملك تفنح مستشاريه في هذا الأمر، فقال له نصحاؤه: وحدك لن تغلب العبرانيين، فلا بد أنهم أقوياء ليصنعوا هذا العمل في مدينة بأسرها.
إن كان اثنان منهم قد دمّرا المدينة كلها ولم يقف أحدٌ ضدّهما، فحتماً إن ذهبتَ عليهم يقومون كلهم علينا ويهلكوننا كذلك.
لكن إن أرسلتَ إلى جميع الملوك الذين يحيطون بنا، وأتَوا هم مجتمعين، حينئذٍ نخرج معهم ونحارب بني يعقوب؛ فحينئذٍ تغلبهم.
فسمع ياشوب كلام مستشاريه، فحَسُن كلامهم في عينيه وأعين قومه، ففعل كذلك؛ وأرسل ياشوب ملك تفنح إلى جميع ملوك الأموريين المحيطين بشكيم وتفنح، قائلاً:
اصعدوا معي وأعينوني، فنضرب يعقوب العبراني وجميع بنيه، ونبيدهم عن وجه الأرض، لأنه هكذا فعل بمدينة شكيم، أما تعلمون ذلك؟
فسمع جميع ملوك الأموريين بالشرّ الذي فعله بنو يعقوب بمدينة شكيم، فبهتوا منهم جدًا.
فاجتمع سبعة ملوك من الأموريين بكل جيوشهم، نحو عشرة آلاف رجل مشاهرين سيوفهم، وأتَوا ليحاربوا بني يعقوب؛ وسمع يعقوب أن ملوك الأموريين قد اجتمعوا لمحاربة بنيه، فخاف يعقوب جدًا واشتدّ عليه الأمر.
عتاب يعقوب وردّ يهوذا مبرّرًا فعل شمعون ولاوي
وصاح يعقوب على شمعون ولاوي قائلاً: ما هذا الفعل الذي فعلتماه؟ لماذا أسأتما إليّ لتجلبا عليّ كل بني كنعان ليهلكوني وأهل بيتي؟ لأني كنتُ في راحة، أنا وأهل بيتي، وأنتم صنعتم بي هذا الأمر، وأغضبتم سكان الأرض عليّ بتصرفاتكم.
فأجاب يهوذا أباه وقال: أكان عبثًا أن قتل أخواي شمعون ولاوي جميع سكان شكيم؟ إنما كان ذلك لأن شكيم أذلّ أختنا، وتعدّى وصيّة إلهنا لنوح وبنيه، إذ أخذ أختنا عنوةً وزنى بها.
وقد فعل شكيم كل هذا الشرّ ولم يتدخل أحدٌ من سكان مدينته ليقول: لِمَ تفعل هذا؟ لأجل ذلك ذهب أخواي وضربا المدينة، فسلّمها الرب إلى أيديهما لأن سكانها تعدّوا وصايا إلهنا. أفكان عبثًا إذًا ما فعلوه كلّه؟
والآن لِمَ أنت خائف أو مغتمّ، ولِمَ أنت ساخط على إخوتي، ولِمَ اشتعل غضبك عليهم؟
حقًّا إن إلهنا الذي سلّم مدينة شكيم وسكانها إلى أيديهم، هو أيضًا يسلّم إلى أيدينا جميع ملوك كنعان الآتين علينا، فنصنع بهم كما صنع إخوتي بشكيم.
فاطمئنّ يا أبي واطرح مخاوفك، بل اتكل على الرب إلهنا، وتضرّع إليه أن يعيننا وينجّينا، ويسلّم أعداءنا إلى أيدينا.
استطلاع مواقع الملوك واستعدادات القتال وعدّ رجال يعقوب
ودعا يهوذا أحدَ خدّام أبيه وقال: اذهب الآن وانظر أين نزل أولئك الملوك، الذين يأتون علينا، بجيوشهم.
فمضى الخادم وتطلّع من بعيد، وصعد مقابل جبل سيحون، فرأى جميع معسكرات الملوك قائمةً في الحقول، فرجع إلى يهوذا وقال: هوذا الملوك نازلون في الحقل بكل معسكراتهم، شعبٌ كثير جدًا، كالرمل الذي على شاطئ البحر.
فقال يهوذا لشمعون ولاوي ولكلّ إخوته: تشدّدوا وكونوا ذوي بأس، لأن الرب إلهنا معنا، فلا تخافوهم.
قِفوا كلُّ رجلٍ متمنطقًا بأسلحة الحرب، بقوسه وسيفه، ولنذهبْ ونقاتلْ هؤلاء الرجال غير المختونين؛ الرب إلهنا هو مخلّصنا.
فقاموا وتمنطق كلٌّ بأسلحة الحرب، كبيرهم وصغيرهم، أحد عشر من بني يعقوب، وجميع عبيد يعقوب معهم.
وكلُّ عبيد إسحاق الذين مع إسحاق في حبرون، جاءوا جميعًا إليهم مجهّزين بكل أصناف أدوات الحرب، فكان بنو يعقوب وعبيدهم مئةً واثني عشر رجلًا، فتوجّهوا نحو أولئك الملوك، وذهب يعقوب معهم أيضًا.
رسالة إلى إسحاق وصلاته لتثبيت الوعد ودفع الهجوم
وأرسل بنو يعقوب إلى أبيهم إسحاق بن إبراهيم إلى حبرون، وهي قرية أربع، يقولون:
تضرّع، نرجوك، لأجلنا إلى الرب إلهنا، أن يحمينا من أيدي الكنعانيين القادمين علينا، وأن يسلّمهم إلى أيدينا.
فصلّى إسحاق بن إبراهيم إلى الرب لأجل بنيه وقال: يا رب الإله، لقد وعدتَ أبي قائلاً: أُكثّر نسلك كنجوم السماء، ووعدتَني أنا أيضًا؛ فأثبِت كلمتك الآن، إذ إن ملوك كنعان اجتمعوا ليحاربوا أولادي، لأنهم لم يقترفوا ظلمًا.
فالآن يا رب الإله، إله كل الأرض، أفسِد، أضرع إليك، مشورة هؤلاء الملوك لكيلا يحاربوا بنيّ.
وألقِ الرعب في قلوب هؤلاء الملوك وشعوبهم من بنيَّ، واخْفِض كبرياءهم، حتى ينصرفوا عن بنيَّ.
وبيدك القوية وذراعك الممدودة نجِّ بنيَّ وعبيدهم منهم، لأن القدرة والبطش في يديك أن تفعل كل هذا.
صلاة يعقوب في الطريق لإلقاء الرعب ونيل النصرة
وسار بنو يعقوب وعبيدهم نحو هؤلاء الملوك، وهم واثقون بالرب إلههم، وفيما هم ذاهبون كان أبوهم يعقوب أيضًا يصلّي إلى الرب ويقول: يا رب الإله، الإله القدير المتعال، الذي ملك منذ الأيام القديمة، ومنذ ذلك الحين إلى الآن وإلى الأبد؛
أنت هو الذي تُثير الحروب وتُسكّنها، وفي يدك القدرة والقوة أن ترفع وتُخفض؛ فلتكن صلاتي مقبولة أمامك، حتى تلتفت إليّ بمراحمك، فتلقي الرعب في قلوب هؤلاء الملوك وشعوبهم من بنيَّ، وتُرهبهم هم ومعسكراتهم، وبكبير إحسانك تخلّص كل المتوكّلين عليك، لأنك أنت القادر أن تُخضع لنا شعوبًا وتُذلّ أممًا تحت سلطاننا.