مجلس الملك يبحث خلاص البلاد ويقترح العبراني حاكمًا

1

وبعد هذه الأمور أرسل الملك فجمع جميع رؤسائه وخدّامه، وكل الأمراء والأشراف التابعين له، فدخلوا جميعًا إلى حضرة الملك.

2

وقال الملك لهم: ها قد رأيتم وسمعتم كل كلام ذلك الرجل العبراني، وجميع الآيات التي أعلن أنها ستجري، ولم تتخلف كلمة من كلماته.

3

أنتم تعلمون أنه قد أعطى تفسيرًا صحيحًا للحلم، وإنه لا بد أن يتحقق. فالآن تشاوروا واعرفوا ماذا تفعلون وكيف تُنقَذ الأرض من المجاعة.

4

التمسوا الآن وانظروا هل يُوجد نظيره، من في قلبه حكمة ومعرفة، فأقيمه على الأرض.

5

فقد سمعتم ما أشار به الرجل العبراني في هذا الأمر ليخلّص به الأرض من المجاعة، وأنا أعلم أن الأرض لن تُنقَذ من المجاعة إلا بمشورة الرجل العبراني، الذي أشار عليّ.

6

فأجابوا جميعًا الملك وقالوا: إن المشورة التي أعطاها العبراني في هذا الأمر صالحة. فالآن، يا سيدنا الملك، ها إن الأرض كلها في يدك، فافعل ما حسن في عينيك.

7

من تختاره أنت، ومن تعلم بحكمتك أنه حكيم وقادر أن يخلّص الأرض بحكمته، إياه يُعيّنه الملك ليكون تحته على الأرض.

8

فقال الملك لجميع الرؤساء: قد رأيتُ أنه إذ قد أعلم اللهُ الرجلَ العبراني بكل ما تكلّم به، فلا أحد في الأرض كلّها متعقّل وحكيم مثله. فإن حسن في أعينكم أجعله على الأرض، لأنه سيخلّص الأرض بحكمته.

اعتراض بشرط إتقان اللغات وتحديد امتحان العبراني غدًا

9

فأجاب جميع الرؤساء الملك وقالوا: لكنه مكتوب في شرائع مصر، ولا ينبغي خرقها، أن لا يملك على مصر رجل ولا يكون الثاني بعد الملك إلا من كان عارفًا بجميع لغات بني البشر.

10

فالآن يا سيدنا الملك، هوذا هذا الرجل العبراني لا يتكلّم إلا اللسان العبري، فكيف يكون علينا ثانيًا في الحكم، وهو لا يعرف حتى لغتنا؟

11

فالآن نسألك أن ترسل فتدعوه، وليأتِ أمامك، وامتحنه في كل شيء، وافعل كما ترى.

12

فقال الملك: سيكون ذلك غدًا، وما تكلمتم به حسن. وجاء جميع الرؤساء في ذلك اليوم أمام الملك.

ملاك يعلّم يوسف لغات البشر جميعًا في ليلة

13

وفي تلك الليلة أرسل الربّ أحد ملائكته الخادمين، فجاء إلى أرض مصر إلى يوسف، ووقف ملاك الربّ فوق يوسف، وإذا يوسف مضطجع ليلًا على السرير في بيت سيّده في السجن، لأن سيّده كان قد أعاده إلى السجن بسبب امرأته.

14

فأيقظه الملاك من نومه، فقام يوسف ووقف على قدميه، وإذا ملاك الربّ قائم بإزائه. وتكلّم ملاك الربّ مع يوسف وعلّمه لغات البشر كلّها في تلك الليلة، وسمّاه يهوسف.

15

ثم مضى ملاك الربّ عنه، فعاد يوسف واضطجع على سريره، وتعجّب يوسف من الرؤيا التي رآها.

مثول يوسف أمام فرعون متحدّثًا بكل اللغات وابتهاج الحاشية

16

وفي الصباح أرسل الملك فاستدعى جميع رؤسائه وخدّامه، فأتوا كلهم وجلسوا أمام الملك، وأمر الملك بأن يُؤتى بيوسف، فذهب خدّام الملك وأحضروا يوسف أمام فرعون.

17

وخرج الملك وصعد درجات العرش، وتكلّم يوسف مع الملك بجميع اللغات، وتقدّم إليه وتحدّث إلى أن بلغ أمام الملك الدرجة السبعين، فجلس أمام الملك.

18

ففرح الملك جدًا لأجل يوسف، وفرح جميع رؤساء الملك جدًا مع الملك لما سمعوا كل كلام يوسف.

تعيين يوسف ثانيًا للملك وتبديل اسمه وتفويض واسع

19

ورأى الملك والرؤساء أن الأمر حسن في أعينهم أن يعيَّن يوسف ثانيًا بعد الملك على كل أرض مصر، فكلّم الملك يوسف قائلًا:

20

الآن قد أشرتَ عليّ أن أُقيم رجلًا حكيمًا على أرض مصر، لكي يخلّص الأرض بحكمته من المجاعة. فالآن، إذ قد أعلمك الله كل هذا، وكل الكلام الذي تكلمتَ به، فليس في الأرض كلها رجل متعقّل وحكيم مثلك.

21

ولن يُدعى اسمك بعدُ يوسف، بل صفنات فعنيح يكون اسمك. ستكون ثانيًا لي، وعلى قولك تجري جميع شؤون حكومتي، وبأمرك يخرج شعبي ويدخل.

22

ومن تحت يدك يتقاضى عبيدي ورؤسائي رواتبهم المعطاة لهم شهريًا، ولك يسجد جميع شعب الأرض؛ إنما في الكرسي أكون أعظم منك.

تكريم ملكي ومسيرة احتفالية وأوامر بالسجود وإجماع الشعب

23

ونزع الملك خاتمه من يده وجعله في يد يوسف، وكسَا الملكُ يوسف ثوبًا ملوكيًا، ووضع تاجًا من ذهب على رأسه، وجعل سلسلة من ذهب في عنقه.

24

وأمر الملكُ خدّامه فحملوه ليركب المركبة الثانية التي للملك، السائرة بمحاذاة مركبة الملك، وأركبوه حصانًا عظيمًا قويًا من خيل الملك، وساروا به في شوارع أرض مصر.

25

وأمر الملك أن يخرج الذين يعزفون على الدفوف والقيثارات وسائر آلات الطرب مع يوسف؛ فسار وراءه ألف دف، وألف مخولوت، وألف نِباليم.

26

وخمسة آلاف رجل سيوفهم مسلولة تلمع في أيديهم، وكانوا يمشون ويعزفون أمام يوسف، وعشرون ألفًا من عظماء الملك متمنطقين بأحزمة من الجلد مغطاة بالذهب مشوا عن يمين يوسف، وعشرون ألفًا عن يساره، وجميع النساء والعذارى صعدن إلى الأسطح أو وقفن في الشوارع يعزفن ويفرحن بيوسف، ويتأملن هيئة يوسف وجماله.

27

وكان شعب الملك يسيرون أمامه ووراءه يعطّرون الطريق باللبان وبالقَصّية وبسائر أنواع الطيب الفاخر، وينثرون المرّ والألوّة على الطريق، وكان عشرون رجلًا ينادون بهذه الكلمات أمامه في كل الأرض بصوت عالٍ:

28

أترون هذا الرجل الذي اختاره الملك ليكون ثانيَه؟ جميع شؤون الحكم ستُنظَّم بأمره، ومن يتعدّى أوامره أو لا يسجد له إلى الأرض يموت، لأنه يتمرّد على الملك وعلى ثانيه.

29

ولما كفّ المنادون عن المناداة، سجد كل شعب مصر إلى الأرض أمام يوسف وقالوا: ليحيَ الملك، وليحيَ أيضًا ثانيه. وسجد جميع سكان مصر على طول الطريق، وحين كان المنادون يدنون منهم كانوا يسجدون، وكانوا يفرحون بكل أنواع الدفوف والمخول والنِبال أمام يوسف.

دعاء يوسف وشكره ثم جولة رسمية في أرض مصر

30

ورفع يوسف عينيه إلى السماء وهو على فرسه ونادى قائلًا: يرفع المسكين من التراب، ويقيم الفقير من المزبلة. يا ربّ الجنود، طوبى للإنسان المتوكّل عليك.

31

وجال يوسف في أرض مصر مع خدّام فرعون ورؤسائه، فأروه كل أرض مصر وجميع خزائن الملك.

منح وهبات ملكية وعامة تُجمع ليوسف وتودَع في خزائنه

32

وعاد يوسف وجاء في ذلك اليوم أمام فرعون، فأعطى الملكُ يوسف مُلكًا في أرض مصر، مُلكَ حقول وكروم، وأعطى الملكُ يوسف ثلاثة آلاف وزنة من الفضة، وألف وزنة من الذهب، وحجارة الجزع والبدلّيم، وهدايا كثيرة.

33

وفي اليوم التالي أمر الملكُ جميع شعب مصر أن يقدّموا ليوسف تقدمات وهدايا، ومن يخالف أمر الملك يُقتل. فأقاموا موضعًا مرتفعًا في شارع المدينة، وبسطوا عليه الثياب، وكل من جاء بشيء ليوسف وضعه في الموضع المرتفع.

34

وألقى جميع شعب مصر شيئًا في ذلك الموضع المرتفع، فهذا قرطًا من ذهب، وذاك خواتيم وأقراطًا، ومختلف أواني الصياغة من ذهب وفضة، وحجارة الجزع والبدلّيم ألقاها على الموضع المرتفع؛ كل واحد أعطى شيئًا مما يملك.

35

وأخذ يوسف كل ذلك وجعله في خزائنه، وعظّم جميع رؤساء الملك وأشرافه يوسف، وأعطوه هدايا كثيرة، إذ رأوا أن الملك قد اختاره ليكون ثانيَه.

تزويج أسنات ليوسف وتثبيت سلطته وبدء ولايته في الثلاثين

36

وأرسل الملك إلى فوطيفارا بن أحيرام كاهن أون، فأخذ ابنته الشابّة أسنات وأعطاها ليوسف زوجة.

37

وكانت الفتاة جميلة جدًا، عذراء لم يعرفها رجل، فأخذها يوسف زوجة. وقال الملك ليوسف: أنا فرعون، وبغيرك لا يجرؤ أحد أن يرفع يده أو رجله لتنظيم شعبي في كل أرض مصر.

38

وكان عمر يوسف ثلاثين سنة حين وقف أمام فرعون، وخرج يوسف من أمام الملك فصار ثاني الملك في مصر.

تنظيم بيت يوسف وبناء قصر وعرش فاخر وزيادة حكمة

39

وأعطى الملكُ يوسف مئة خادم لخدمته في بيته، وأرسل يوسف فاشترى خدمًا كثيرين، فأقاموا في بيت يوسف.

40

ثم بنى يوسف لنفسه بيتًا فخمًا جدًا على مثال بيوت الملوك، قبالة ساحة قصر الملك، وجعل في البيت قاعة عظيمة أنيقة المنظر ملائمة لإقامته؛ وقد قضى يوسف ثلاث سنوات في تشييد بيته.

41

وصنع يوسف لنفسه عرشًا بديعًا من وفرة الذهب والفضة، وكساه بحجارة الجزع والبدلّيم، وصوّر عليه شكل أرض مصر كلها، وشكل نهر مصر الذي يروي كل أرض مصر. وجلس يوسف مطمئنًا على عرشه في بيته، وزاد الربّ يوسف حكمة.

محبة عامة ليوسف وتأسيس جيشه وتجهيزه للمعاونة والقتال

42

وأحبّ جميع سكان مصر وخدّام فرعون ورؤساؤه يوسفَ جدًا، لأن هذا كان من الربّ ليوسف.

43

وكان ليوسف جيشٌ يخرج للقتال، أفواجًا وكتائب، عدده أربعون ألفًا وستمائة رجلٍ قادرين على حمل السلاح لمعاونة الملك ويوسف ضد العدو، سوى رؤساء الملك وخدّامه وسكان مصر الذين لا يُحصَون.

44

وأعطى يوسف جبابرتَه وجيشه كلهم أتراسًا ورماحًا خفيفة وقلانس ودروعًا زردية وحجارةً للمقاليع.