تولّي موسى مُلك كوش وشكوى الشعب من حصار المدينة
في السنة الخامسة والخمسين من مُلك فرعون ملك مصر، أي في السنة المئة والسابعة والخمسين لنزول بني إسرائيل إلى مصر، ملك موسى في كوش.
كان عمر موسى سبعًا وعشرين سنة حين ابتدأ يملك على كوش، وملك أربعين سنة.
وأعطى الربّ موسى نعمةً وقبولًا في أعين جميع بني كوش، فأحبّه بنو كوش جدًا، فكان موسى محبوبًا عند الربّ وعند الناس.
وفي اليوم السابع من ملكه اجتمع جميعُ بني كوش وجاءوا أمام موسى وانحنوا له إلى الأرض.
وتكلّم جميعُ الشعب معًا أمام الملك قائلين: أشرْ علينا لنرى ما ينبغي أن يُفعل بهذه المدينة.
فقد مضت الآن تسع سنوات ونحن نحاصر المدينة من حولها، ولم نرَ أبناءنا ولا نساءنا.
خطة موسى المشروطة وتسليم المدينة إن أُطيع أمره
فأجابهم الملك قائلًا: إن سمعتم لصوتي في كل ما آمركم به، فإن الربّ يسلّم المدينة إلى أيدينا فنُخضعها.
لأنه إن قاتلناهم كما في المعركة الأولى التي كانت لنا معهم قبل موت كيكيانوس، سيسقط منا كثيرون جرحى كما من قبل.
فالآن، هوذا مشورة لكم في هذا الأمر؛ إن سمعتم لصوتي تُسلَّم المدينة إلى أيدينا.
فأجابت جميعُ القوّات الملك قائلين: كل ما يأمر به سيّدُنا نفعله.
أوامر بجمع فراخ اللقالق وتدريبها لسلاح غير مألوف
وقال لهم موسى: اجتازوا في كلّ المعسكر ونادوا بين جميع الشعب، قائلين:
هكذا يقول الملك: اذهبوا إلى الغابة وهاتوا معكم من فراخ اللقلق، كلُّ رجلٍ فرخًا في يده.
ومن يتجاوز كلمة الملك فلا يأتي بفرخه يمُت، ويأخذ الملك كلَّ ما يخصّه.
وحين تأتون بها تكون تحت رعايتكم، تربّونها حتى تكبر، وتعلّمونها أن تنقضّ كما هي عادة فراخ الصقر.
استجابة الجيش للأوامر وجلب الفراخ وتربيتها وتعليمها للانقضاض
فسمع جميعُ بني كوش كلام موسى، فقاموا ونشروا نداءً في كلّ المعسكر، قائلين:
إليكم يا جميع بني كوش، أمرُ الملك أن تذهبوا جميعًا إلى الغابة، وتصيدوا هناك فراخ اللقالق، كلُّ رجلٍ فرخَه في يده، وتأتوا بها إلى بيوتكم.
ومن يخالف أمرَ الملك يُقتَل، ويأخذ الملك كلَّ ما يملكه.
وفعل جميعُ الشعب كذلك، فخرجوا إلى الغابة، وتسلقوا أشجار السرو، وأمسك كلُّ رجلٍ فرخًا في يده من جميع فراخ اللقالق، وجاؤوا بها إلى البرية وربّوها بأمر الملك، وعلّموها الانقضاض على نحو فراخ الصقور.
تجويع الفراخ ثم إطلاقها لإبادة الحيّات وفتح الطريق
وبعد أن تربّت فراخ اللقالق، أمر الملك أن تُجوَّع ثلاثة أيام، ففعل جميعُ الشعب كذلك.
وفي اليوم الثالث قال لهم الملك: تشدّدوا وكونوا ذوي بأس، وليلبس كلّ رجل درعه ويتقلّد سيفه، ويركب كلٌّ فرسَه، وليأخذ كلٌّ فرخَه من اللقالق في يده.
وننهض فنحارب المدينة عند الموضع الذي فيه الحيّات؛ ففعل جميعُ الشعب كما أمر الملك.
فأخذ كلُّ رجلٍ فرخه في يده ومضوا، ولما وصلوا إلى موضع الحيّات قال لهم الملك: ليُطلِقْ كلُّ رجلٍ فرخَه من اللقالق على الحيّات.
فأطلق كلُّ رجلٍ فرخَه بأمر الملك، فانقضّت فراخُ اللقالق على الحيّات وافترستها جميعًا وأبادتها من ذلك الموضع.
ولمّا رأى الملكُ والشعب أنّ جميع الحيّات قد أُبيدت في ذلك الموضع، أطلق جميعُ الشعب هتافًا عظيمًا.
أخذ المدينة بلا خسائر للمحاصرين وفرار بلعام إلى مصر
وتقدّموا فحاربوا المدينة وأخذوها وأخضعوها، ودخلوا المدينة.
ومات في ذلك اليوم ألفٌ ومئة رجل من أهل المدينة، جميعُ من كانوا يسكنونها، وأما من المحاصِرين فلم يمُت منهم أحد.
فانصرف جميعُ بني كوش، كلٌّ إلى بيته، إلى زوجته وبنيه وإلى كلّ ما يخصّه.
وأمّا بلعام الساحر، فلمّا رأى أنّ المدينة قد أُخذت فتح البوابة، فهرب هو وابناه وإخوته الثمانية ورجعوا إلى مصر إلى فرعون ملك مصر.
هؤلاء هم السحرة والمشعوذون المذكورون في كتاب الشريعة، الذين قاموا ضدّ موسى حين أوقع الربّ الضربات على مصر.
تنصيب موسى ملكًا وتزويجه أدونياه وامتناعه التزامًا بمبادئ الآباء
فأخذ موسى المدينة بحكمته، وأجلسه بنو كوش على العرش بدلًا من كيكيانوس ملك كوش.
ووضعوا التاج الملكيّ على رأسه، وزوّجوه أدونياه ملكة كوش، زوجة كيكيانوس.
وخاف موسى الربّ إله آبائه، فلم يقربها ولا صرف عينيه إليها.
لأن موسى تذكّر كيف استحلف إبراهيمُ عبده أليعازر، قائلًا له: لا تأخذ امرأة من بنات كنعان لابني إسحاق.
وكذلك ما فعله إسحاق حين هرب يعقوب من أخيه، إذ أوصاه قائلًا: لا تأخذ لك زوجة من بنات كنعان، ولا تعقد حلفًا مع أحد من بني حام.
لأن الربّ إلهنا جعل حامَ ابن نوح وبنيه وكلّ نسله عبيدًا لبني سام وبني يافث، ولذريّتهم من بعدهم عبيدًا إلى الأبد.
لذلك لم يوجّه موسى قلبه ولا عينيه إلى زوجة كيكيانوس كلّ أيام ملكه على كوش.
استقامة موسى على النهج والإدارة الحكيمة لملك كوش
وخاف موسى الربّ إلهه كلّ أيام حياته، وسلك موسى أمام الربّ بالحقّ بكلّ قلبه ونفسه، ولم يحِد عن الطريق القويم كلّ أيام حياته؛ لم يمل عن الطريق يمنة ولا يسرة، الطريق الذي سار فيه إبراهيم وإسحاق ويعقوب.
وتشدّد موسى في مملكة بني كوش، وقاد بني كوش بحكمته المعهودة، ونجح موسى في ملكه.
تمرّد بني المشرق وهزيمتهم وإخضاعهم للجزية المعتادة مجددًا
وفي ذلك الوقت سمع آرام وبنو المشرق أنّ كيكيانوس ملك كوش قد مات، فتمرّد آرام وبنو المشرق على كوش في تلك الأيام.
وجمع موسى جميع بني كوش، شعبًا شديد البأس، نحو ثلاثين ألف رجل، وخرج ليحارب آرام وبني المشرق.
فذهبوا أولًا إلى بني المشرق، فلمّا سمع بنو المشرق خبرهم خرجوا للّقائهم والتحموا بهم في القتال.
وكانت الحرب شديدة على بني المشرق، فدفع الربّ جميع بني المشرق إلى يد موسى، فسقط نحو ثلاثمئة رجل قتلى.
فرجع جميع بني المشرق منهزمين، فتبعهم موسى وبنو كوش وأخضعوهم، وفرضوا عليهم جزيةً كما هي عادتهم.
حملة على آرام وانتصار موسى وإلزامها بالجزية والعودة
وعبر موسى وجميع الشعب معه من هناك إلى أرض آرام للحرب.
وخرج شعب آرام أيضًا للّقائهم، وحاربوا ضدهم، فأسلمهم الربّ إلى يد موسى، وسقط كثيرون من رجال آرام جرحى.
وأُخضِعت آرام أيضًا لموسى وبني كوش، وأدّت جزيتها المعتادة.
وجعل موسى آرام وبني المشرق خاضعين لبني كوش، ثم رجع موسى وجميع الشعب الذين معه إلى أرض كوش.
خاتمة ثبات مُلك موسى وهيبته في عيون كوش
وتشدّد موسى في مملكة بني كوش، وكان الربّ معه، فخافه جميعُ بني كوش.