تمرّد آرام وأبناء المشرق وخروج كيكيانوس لقمعهم وانتصاره
وفي تلك الأيام كانت حرب عظيمة بين أبناء كوش وأبناء المشرق وآرام، فتمرّدوا على ملك كوش الذي كانوا تحت سلطانه.
فخرج كيكيانوس ملك كوش مع جميع أبناء كوش، شعبًا كثيرًا كالرمل، وذهب ليحارب آرام وأبناء المشرق ليُخضعهم.
ولما خرج كيكيانوس، ترك بلعام الساحر مع ابنيه لحراسة المدينة، ومعهم أراذل الشعب من أهل البلاد.
فمضى كيكيانوس إلى آرام وأبناء المشرق وحاربهم وضربهم، فسقطوا جميعًا جرحى أمام كيكيانوس وقومه.
وأخذ كثيرين منهم أسرى وأخضعهم كما في السابق، ونزل على أرضهم ليأخذ الجزية منهم كالمعتاد.
مؤامرة بلعام واستيلاؤه على المدينة وتحصينها بالخنادق والحيّات
وأما بلعام بن بعور، فلما تركه ملك كوش لحراسة المدينة وفقراء المدينة، نهض وتشاور مع أهل البلاد على التمرّد على الملك كيكيانوس، وألا يدعوه يدخل المدينة حين يعود.
فاستجاب له أهل البلاد، وحلفوا له وجعلوه ملكًا عليهم، وجعلوا ابنيه قائدين للجيش.
فقاموا ورفعوا أسوار المدينة عند ركنين منها، وبنوا بناءً شديد المتانة.
وفي الركن الثالث حفروا خنادق لا تُحصى بين المدينة والنهر الذي كان يحيط بكل أرض كوش، ففجّروا مياه النهر لتندفع هناك.
وفي الركن الرابع جمعوا حيات كثيرة برُقاهم وسحرهم، وحصّنوا المدينة وأقاموا فيها، فلم يدعوا أحدًا يدخل إليها أو يخرج منها.
عودة كيكيانوس ورفض أهل المدينة إدخاله بعد التحصين
وحارب كيكيانوس آرام وأبناء المشرق وأخضعهم كما من قبل، فدفعوا له جزيتهم المعتادة، ثم انصرف راجعًا إلى أرضه.
ولما اقترب كيكيانوس ملك كوش من مدينته ومعه جميع قادة الجند، رفعوا عيونهم فرأوا أسوار المدينة مبنية ومرفوعة جدًا، فتعجّب الرجال من ذلك.
وقال بعضهم لبعض: إنما فعلوا هذا لأنهم رأوا أننا تأخرنا في الحرب فخافونا جدًا؛ لذلك رفعوا أسوار المدينة وحصّنوها لئلا يأتي ملوك كنعان لمحاربتهم.
فاقترب الملك والجند من باب المدينة، ونظروا، وإذا بجميع أبواب المدينة مغلقة، فنادوا الحُرّاس قائلين: افتحوا لنا لندخل المدينة.
فأبى الحُرّاس أن يفتحوا لهم بأمر بلعام الساحر ملكهم، ولم يسمحوا لهم بدخول مدينتهم.
فشل محاولات الاقتحام وخسائر فادحة ثم فرض حصار تسع سنوات
فأثاروا قتالًا معهم مقابل باب المدينة، فسقط في ذلك اليوم مئة وثلاثون رجلًا من جيش كيكيانوس.
وفي اليوم التالي واصلوا القتال عند جانب النهر؛ حاولوا العبور فلم يقدروا، فغرق بعضهم في الحفر وماتوا.
فأمر الملك أن يقطعوا أشجارًا ليصنعوا أطوافًا يعبرون عليها إليهم، ففعلوا.
ولما وصلوا إلى موضع الخنادق، إذا بالمياه تدور بالطواحين، فغرق مئتا رجل على عشرة أطواف.
وفي اليوم الثالث جاؤوا ليحاربوا عند الجهة التي فيها الحيّات، فلم يقدروا أن يقتربوا، لأن الحيّات قتلت منهم مئة وسبعين رجلًا، فكفّوا عن القتال ضد كوش، وحاصروا كوش تسع سنين، لا يخرج أحد ولا يدخل.
هروب موسى من مصر وانضمامه للمعسكر ونيله ثقة القادة
في ذلك الوقت، حين كانت الحرب والحصار على كوش، هرب موسى من مصر من وجه فرعون الذي كان يطلب قتله لأنه قتل المصري.
وكان موسى ابن ثماني عشرة سنة حين هرب من مصر من أمام فرعون، فهرب ولجأ إلى معسكر كيكيانوس، الذي كان حينئذ يحاصر كوش.
ومكث موسى تسع سنين في معسكر كيكيانوس ملك كوش، طوال مدة حصارهم لكوش، وكان يخرج ويدخل معهم.
وأحبّ الملك والرؤساء وجميع رجال القتال موسى، لأنه كان عظيمًا كفؤًا، قامته كأسد نبيل، ووجهه كالشمس، وقوته كقوة أسد، وكان مستشارًا للملك.
مرض كيكيانوس ووفاته ودفنه ورثاء الجيش لأجل الحرب
وفي نهاية تسع سنين أُصيب كيكيانوس بمرض مُهلك، فاشتدّ عليه مرضه ومات في اليوم السابع.
فحنّطه خدمُه وحملوه ودفنوه قبالة باب المدينة إلى شمال أرض مصر.
وبنوا فوقه بناءً أنيقًا قويًا عاليًا، ووضعوا تحته حجارة عظيمة.
ونقش كتّاب الملك على تلك الحجارة كل بأس ملكهم كيكيانوس وكل حروبه التي خاضها، وها هي مكتوبة هناك إلى هذا اليوم.
وبعد موت كيكيانوس ملك كوش، حزن رجاله وجنوده جدًا بسبب الحرب.
تشاور الجيش بعد موت الملك واختيار موسى ملكًا بدلًا منه
فقالوا بعضهم لبعض: أعطونا مشورة ماذا نصنع في هذا الوقت، إذ قد أقمنا في البرية تسع سنين بعيدًا عن بيوتنا.
إن قلنا نقاتل المدينة سيسقط منا كثيرون جرحى أو قتلى، وإن بقينا هنا في الحصار سنموت أيضًا.
لأن جميع ملوك آرام وأبناء المشرق سيسمعون الآن أن ملكنا قد مات، فيهجمون علينا بغتةً بعداوة، ويحاربوننا ولا يتركون لنا بقية.
فالآن لنذهب ونقيم ملكًا علينا، ولنلبث في الحصار حتى تُسلَّم إلينا المدينة.
وأرادوا في ذلك اليوم أن يختاروا رجلًا ملكًا من جيش كيكيانوس، فلم يجدوا مَنْ يوافق اختيارهم مثل موسى ليملك عليهم.
تنصيب موسى ملكًا وجمع العطايا ووعد تزويجه بملكة كوش
فأسرعوا وخلع كلُّ رجلٍ ثيابه وطرحها على الأرض، فكوّموا كومة عظيمة وأجلسوا موسى عليها.
وقاموا ونفخوا في الأبواق، ونادوا أمامه قائلين: ليحيا الملك، ليحيا الملك!
وحلف له جميع الشعب والأشراف أن يعطوه أدونيّة الملكة، الكوشية، زوجة كيكيانوس، زوجةً له، وجعلوا موسى ملكًا عليهم في ذلك اليوم.
وأصدر جميع شعب كوش منشورًا في ذلك اليوم يقول: على كل إنسان أن يعطي موسى شيئًا مما في حيازته.
وبسطوا ملاءة على الكومة، فألقى كلُّ واحدٍ فيها شيئًا مما عنده؛ هذا قرطًا من ذهب، وذاك قطعة نقدية.
وكذلك ألقى أبناء كوش لموسى على الكومة من حجارة الجزع والبدلّع واللؤلؤ والرخام، وأيضًا فضة وذهبًا بكثرة عظيمة.
وأخذ موسى كل الفضة والذهب، وجميع الأواني، والبدلّع وحجارة الجزع التي أعطاها له كل أبناء كوش، ووضعها بين كنوزه.
وملك موسى على أبناء كوش في ذلك اليوم، بدلًا من كيكيانوس ملك كوش.