دعوة موسى عند العليقة وتكليفه وإِراءته الآيات للذهاب إلى مصر

1

وفي تلك الأيام كان موسى يرعى غنم رعوئيل المدياني حميه، وراء برية سين، وكانت العصا التي أخذها من حميه في يده.

2

وحدث في يوم من الأيام أن جديًا من الماعز شرد من القطيع، فتبعه موسى حتى بلغ جبل الله، إلى حوريب.

3

فلما جاء إلى حوريب، تراءى له الرب هناك في العليقة، فوجد العليقة تتّقد نارًا، ولكن النار لم يكن لها سلطان على العليقة لتفنيها.

4

وتعجّب موسى جدًا مما رأى: لماذا لم تُستهلك العليقة؟ فاقترب ليرى هذا الأمر العظيم، فناداه الرب من وسط النار، وأمره أن ينزل إلى مصر، إلى فرعون ملك مصر، ليُطلق بني إسرائيل من خدمته.

5

وقال الرب لموسى: اذهب، ارجع إلى مصر، لأن جميع الرجال الذين طلبوا نفسك قد ماتوا، وتُكلّم فرعون أن يطلق بني إسرائيل من أرضه.

6

وأراه الرب أن يصنع آيات وعجائب في مصر أمام عيني فرعون وأمام عيون رعيته، لكي يؤمنوا أن الرب قد أرسله.

7

فأصغى موسى إلى كل ما أمره الرب، ورجع إلى حميه وأخبره بالأمر، فقال له رعوئيل: اذهب بسلام.

حادثة الفندق وختان جرشوم لإنقاذ موسى من ملاك الرب

8

فقام موسى ليذهب إلى مصر، وأخذ زوجته وابنيه معه، وكان في خانٍ في الطريق، فنزل ملاكٌ من عند الله يطلب ذريعة عليه.

9

وأراد أن يقتله بسبب ابنه البكر، لأنه لم يختنه، وكان قد نقض العهد الذي قطعه الرب مع إبراهيم.

10

إذ كان موسى قد أصغى إلى كلام حميه الذي قال له ألّا يختن ابنه البكر، فلذلك لم يختنه.

11

فرأت صفّورة ملاك الرب يطلب ذريعة على موسى، وعلمت أن ذلك بسبب أنه لم يختن ابنها جرشوم.

12

فسارعت صفّورة وأخذت حجارة صَوّان حادّة كانت هناك، فختنت ابنها، وأنقذت زوجها وابنها من يد ملاك الرب.

لقاء هارون بموسى وإرجاع صفّورة وأبنائها إلى بيت أبيها

13

وأما هارون ابنُ عمرام، أخو موسى، فكان في مصر يمشي على شاطئ النهر في ذلك اليوم.

14

فتراءى له الرب في ذلك الموضع، وقال له: اذهب الآن نحو موسى في البرية. فذهب ولقيه في جبل الله، فقبّله.

15

ورفع هارون عينيه، فرأى صفّورة زوجة موسى وأولادها، فقال لموسى: من هؤلاء الذين معك؟

16

فقال له موسى: هذه زوجتي وابناي اللذان أعطانيهما الله في مديان. فساء ذلك هارون بسبب المرأة وأولادها.

17

وقال هارون لموسى: أَرسِلِ المرأةَ وأولادَها ليذهبوا إلى بيت أبيها. فأصغى موسى إلى كلام هارون وفعل كذلك.

18

فرجعت صفّورة مع أولادها، وذهبوا إلى بيت رعوئيل، وأقاموا هناك إلى أن جاء الوقت الذي فيه افتقد الربُ شعبه وأخرجهم من مصر، من يد فرعون.

استقبال بني إسرائيل، ودخول قصر فرعون، والطلب الأول لإطلاق الشعب

19

وجاء موسى وهارون إلى مصر إلى جماعة بني إسرائيل، وكلّماهم بكل كلام الرب، ففرح الشعب فرحًا عظيمًا جدًا.

20

وبكّرا موسى وهارون في الغد، وذهبا إلى بيت فرعون، وأخذا في أيديهما عصا الله.

21

ولما أتيا إلى باب الملك، كان هناك أسدانِ صغيرانِ محبوسين بآلات من حديد، فلا يخرج أحد ولا يدخل من قدّامهما إلا من يأمر الملك بإدخاله؛ حينئذٍ يأتي المشعوذون فيصرفون الأسدين بتعاويذهم فيُقاد الداخل إلى الملك.

22

فأسرع موسى ورفع العصا على الأسدين، فحلّ وثاقهما، ودخل موسى وهارون بيت الملك.

23

وجاء الأسدان أيضًا معهما فرحين، وتبعاهما وتهلّلا كما يتهلّل الكلب بسيده حين يأتي من الحقل.

24

فلما رأى فرعون هذا الأمر تعجّب منه، وارتاع جدًا للخبر، لأن منظرهما كان كمنظر أبناء الله.

25

وقال فرعون لموسى: ماذا تطلبان؟ فقالا: الرب إله العبرانيين قد أرسلنا إليك لنقول: أطلق شعبي ليعبدوني.

26

فلما سمع فرعون كلامهما خاف جدًا أمامهما، وقال لهما: اذهبا اليوم وعودا إليّ غدًا. ففعلا بحسب قول الملك.

استدعاء السحرة والمشيرين واقتراح امتحان موسى وهارون أمام الملك

27

ولما مضيا أرسل فرعون إلى بلعام الساحر، وإلى ينيس ويمبريس ابنيه، وإلى جميع السحرة والمشعوذين والمشيرين الذين للملك، فأتوا وجلسوا أمام الملك.

28

فأخبرهم الملك بكل الكلام الذي كلمه به موسى وأخوه هارون، فقال السحرة للملك: وكيف دخل الرجلان إليك مع وجود الأسدين المحبوسين عند الباب؟

29

فقال الملك: لأنهما رفعا عصاهما على الأسدين فحلّا وثاقهما ودخلا إليّ، والأسدان أيضًا فرحا بهما كما يفرح الكلب بلقاء سيده.

30

فأجاب بلعام بن بعور الساحر الملكَ وقال: ما هذان إلا ساحران مثلنا.

31

فالآن أرسلْ إليهما، وليأتيا فنمتحنهما. ففعل الملك كذلك.

المثول مجددًا بين يدي فرعون وطلب آية لتصديق الرسالة

32

وفي الصباح أرسل فرعون إلى موسى وهارون ليدخلا بين يدي الملك، فأخذا عصا الله وجاءا إلى الملك وكلمّاه قائلين:

33

هكذا قال الرب إله العبرانيين: أطلق شعبي ليعبدوني.

34

فقال لهما الملك: ومن يصدّقكما أنكما رسولا الله، وأنكما جئتما إليّ بأمره؟

35

فالآن أعطيا علامة أو آية في هذا الأمر، حينئذٍ يُصدَّق الكلام الذي تقلانه.

آية العصا تتحول حيّة وتبتلع عصيّ السحرة بعد التحدي

36

فأسرع هارون وطرح العصا من يده أمام فرعون وأمام عبيده، فتحوّلت العصا إلى حيّة.

37

ورأى السحرة ذلك، فألقى كل واحد منهم عصاه على الأرض فصارت حيات.

38

فرفعت حيّة عصا هارون رأسها وفتحت فمها لتبتلع عصيَّ السحرة.

39

فأجاب بلعام الساحر وقال: هذا أمرٌ منذ أيام القدم، أن تبتلع الحيّةُ رفيقتَها، وأن تأكل المخلوقاتُ بعضها بعضًا.

40

فالآن أَعِدْها عصًا كما كانت أولًا، ونحن أيضًا نُعيدُ عصيَّنا كما كانت أولًا، فإن ابتلعت عصاك عصيَّنا علمنا أن روح الله فيك، وإن لم تفعل فما أنت إلا صانعُ حِيَلٍ مثلنا.

41

فأسرع هارون ومدّ يده وأمسك بذنب الحيّة فعلادت عصًا في يده، وصنع السحرة كذلك بعصيّهم، فأمسك كلّ واحد بذنب حيّته فعادت عصيًا كما في الأول.

42

ولما عادت عصيًا، ابتلعت عصا هارون عصيَّهم.

بحث فرعون في السجلات وإنكار الاسم، وردّ موسى بقدرة الخالق

43

فلما رأى الملك هذا الأمر، أمر أن يُؤتَى بكتاب السجلات الخاص بملوك مصر، فأتوا بكتاب السجلات، تواريخ ملوك مصر، المكتوب فيها كل أصنام مصر، إذ ظنّوا أن يجدوا فيها اسم يهوه، فلم يجدوه.

44

فقال فرعون لموسى وهارون: ها أنا لم أجد اسم إلهكما مكتوبًا في هذا الكتاب، وأنا لا أعرف اسمه.

45

فأجاب المشيرون والحكماء الملكَ: قد سمعنا أن إله العبرانيين ابنُ الحكماء، ابنُ ملوكٍ قدماء.

46

فالتفت فرعون إلى موسى وهارون وقال لهما: لا أعرف الرب الذي ذكرتماه، ولا أطلق شعبه.

47

فأجابا وقالا للملك: الرب إله الآلهة اسمه، وقد نادى باسمه علينا منذ أيام آبائنا، وأرسلنا قائلًا: اذهب إلى فرعون وقل له: أطلق شعبي ليعبدوني.

48

فالآن أطلقنا لنذهب طريق ثلاثة أيام في البرية، وهناك نذبح له، لأنه منذ نزولنا إلى مصر لم يأخذ من أيدينا محرقةً ولا تقدمةً ولا ذبيحة؛ وإن لم تُطلقنا يحمى غضبه عليك، ويضرب مصر إمّا بالوباء وإمّا بالسيف.

49

فقال لهما فرعون: أخبراني الآن عن قدرته وبأسه. فقالا له: هو الذي خلق السماء والأرض والبحار وكل أسماكها، وصوّر النور، وخلق الظلمة، وأنزل المطر على الأرض وسقاها، وأنبت النبات والعشب، وخلق الإنسان والبهيمة ووحوش البرية وطيور السماء وسمك البحر، وبكلمته يحيون ويموتون.

50

حقًا لقد خلقك في بطن أمك، ونفخ فيك نسمة الحياة، وربّاك وأقامك على العرش الملكي لمصر، وهو يأخذ منك نسمة الحياة ونفسك، ويردّك إلى التراب الذي أُخِذتَ منه.

تعنّت فرعون وتشديد الخدمة، وشكوى موسى ووعد الرب بالخلاص

51

فحمي غضب الملك على كلامهما، وقال لهما: ومن من آلهة الأمم يقدر أن يفعل هذا؟ نهري لي وأنا صنعته لنفسي.

52

وطردهما من أمامه، وأمر أن تُشدَّد الخدمة على إسرائيل أكثر مما كانت أمس وقبل ذلك.

53

وخرج موسى وهارون من أمام الملك، فرأيا بني إسرائيل في حالة سيئة، لأن المُسَخِّرين جعلوا عملهم ثقيلًا جدًا.

54

فرجع موسى إلى الرب وقال: لماذا أسأتَ إلى شعبك؟ فمنذ جئتُ أُكلّم فرعون بما أرسلتني به، وهو يسيء جدًا إلى بني إسرائيل.

55

فقال الرب لموسى: ها أنت سترى أنه بيدٍ ممدودة وبضربات ثقيلة يُطلق فرعون بني إسرائيل من أرضه.

إقامة موسى وهارون بين الشعب واستمرار مرارة عبودية المصريين

56

وأقام موسى وهارون بين إخوتهما بني إسرائيل في مصر.

57

وأما بنو إسرائيل فكان المصريون يُمَرِّرون حياتهم بالعمل الشاق الذي فرضوه عليهم.