إعادة إرسالية موسى ورفض فرعون وبداية التأديب الإلهي
وعند انقضاء سنتين أرسل الرب موسى من جديد إلى فرعون ليُخرج بني إسرائيل ويُطلقهم من أرض مصر.
فذهب موسى وجاء إلى بيت فرعون، وكلمه بكلام الرب الذي أرسله، لكن فرعون لم يُصغِ إلى صوت الرب، فأثار الله بأسه في مصر على فرعون ورعاياه، وضرب الله فرعون وشعبه بضربات عظيمة شديدة.
تحويل مياه مصر دمًا وتعطيل الشرب والطعام على نطاق واسع
وأرسل الرب على يد هارون فحوّل جميع مياه مصر دمًا، مع جميع جداولهم وأنهارهم.
وكان المصري إذا جاء ليشرب ويستقي نظر في جرّته، فإذا الماء كله قد صار دمًا؛ وإذا همّ أن يشرب من كأسه انقلب ماء الكأس دمًا.
وإذا عجنت المرأة عجينها وطبخت طعامها، صار منظر ذلك كله كمنظر الدم.
اجتياح الضفادع البيوت والأجساد مع استمرار الغضب الإلهي
ثم أرسل الرب ثانية، فجعل كل مياههم تفيض بالضفادع، فدخلت جميع الضفادع بيوت المصريين.
وكان إذا شرب المصريون امتلأت بطونهم ضفادع، ترقص في أحشائهم كما ترقص في النهر.
وانقلب كلُّ ماء شربهم وماء طبخهم ضفادع، وحتى حين اضطجعوا في فرُشهم كان عرقهم يُنتِج ضفادع.
ومع كل ذلك لم يرتد غضب الرب عنهم، وكانت يده ممدودة على جميع المصريين ليضربهم بكل ضربة ثقيلة.
ضربة القمل تعم البشر والدواب دون انحسار الغضب
فأرسل وضرب ترابهم فصار قملًا، وبلغ القمل في مصر على وجه الأرض إلى ارتفاع ذراعين.
وكان القمل كثيرًا جدًّا في أجساد الناس والبهائم، في جميع سكان مصر، بل وعلى الملك والملكة أرسل الرب القمل، فشقَّ ذلك على مصر جدًّا بسبب القمل.
ومع هذا لم يرتد غضب الرب، وكانت يده لا تزال ممدودة على مصر.
حشود الوحوش والحشرات تهاجم مصر وتطارد الهاربين بضراوة
وأرسل الرب إلى مصر كلَّ أصناف وحوش الحقل، فجاءت وأهلكت مصر كلها: الناس والبهائم والأشجار وكل ما كان في مصر.
وأرسل الرب حيّاتٍ نارية، وعقاربَ، وفئرانًا، وأبناءَ عِرسٍ، وعلاجمَ، ومعها سائر ما يدبّ في التراب.
وذبابًا، وزنابيرَ، وبراغيثَ، وبقًّا، وهوامّ دقيقة، كلُّ سِربٍ حسب نوعه.
وجاءت إلى مصر كلُّ الزواحف والدوابّ ذوات الأجنحة، كلٌّ حسب نوعه، فأضرّت بالمصريين ضررًا شديدًا.
ودخلت البراغيث والذباب في عيون المصريين وآذانهم.
وأتت عليهم الزنابيرُ تطردهم، فهربوا منها إلى مخادعهم الداخلية، وهي تتبعهم.
مخلوق البحر يقتحم البيوت ويفتح الأبواب لسرب المؤذيات
ولما اختبأ المصريون من أجل سرب الحيوانات، أقفلوا الأبواب وراءهم، فأمر الله الـ«سولانوت» التي في البحر أن تصعد وتدخل مصر.
وكان لها ذراعان طويلتان، طولهما عشرة أذرع على ذراع الرجل.
فصعدت إلى السطوح، وكشفت السقوف والروافد والأرضيات وقطّعتها، ومدّت ذراعها إلى داخل البيت، فنزعت القفل والمزلاج، وفتحت بيوت مصر.
ثم دخل سربُ الحيوانات بيوتَ مصر، فأهلك المصريين، وأحزنهم ذلك جدًّا.
ومع هذا لم يرتد غضب الرب عن المصريين، وكانت يده لا تزال ممدودة عليهم.
وباء المواشي يعصف بمصر وتنجو قطعان إسرائيل بجاسان
وأرسل الله وباءً، ففشى الوباء في مصر: في الخيل والحمير، وفي الإبل، وفي قطعان البقر والغنم، وحتى في الناس.
ولما بكر المصريون صباحًا ليقودوا مواشيهم إلى المرعى، وجدوا كلَّ مواشيهم قد ماتت.
ولم يبقَ من ماشية المصريين إلا عُشرُها، وأما ماشية إسرائيل في جاسان فلم يمت منها واحد.
التهابات وجروح ودمامل تعم الأجساد واستمرار العقوبة الإلهية
وأرسل الله التهابًا حارقًا في جلود المصريين شقَّ جلودهم، فصار حِكّةً شديدة في جميع المصريين من أخمص أقدامهم إلى هامات رؤوسهم.
وكثرت الدمامل في أجسادهم حتى تهرّأ لحمهم وصار عفنًا منتنًا.
ومع هذا لم يرتد غضب الرب، وكانت يده ما تزال ممدودة على كل مصر.
برد ونار يهلكان الزروع والأشجار والناس والبهائم في مصر
وأرسل الرب بَرَدًا ثقيلًا جدًّا، فضرب كرومهم وكسّر أشجار ثمرهم ويبسها حتى سقطت عليهم.
ويَبِسَ كلُّ عشبٍ أخضر فهلك، إذ نزلت نارٌ مختلطة في وسط البَرَد، لذلك أفنى البَرَدُ والنارُ كلَّ شيء.
وكذلك هلك الناس والبهائم الذين وُجدوا في الخارج بلهيب النار وبالبَرَد، وخارت قوى جميع الأشبال.
الجراد يكسو البلاد ثم يُقتلع بريح البحر العاتية
وأرسل الرب وجلب جرادًا كثيرًا إلى مصر: «حاسِل» و«سالوم» و«شارجول» و«حاجول»، من الجراد، كلٌّ حسب نوعه، فأكل كلَّ ما أبقاه البَرَد.
ثم فرح المصريون بالجراد، مع أنه أكل محصول الحقل، إذ اصطادوه بكثرة وملّحوه طعامًا.
فقلب الرب ريحًا شديدة من جهة البحر، فحملت كلَّ الجراد، حتى المملّح منه، وقذفته في البحر الأحمر؛ فلم تبقَ جرادة واحدة داخل حدود مصر.
ظلمة كثيفة ثلاثة أيام ومعاقبة المتمردين ودفنهم سرًا
وأرسل الله ظلمةً على مصر، فاظلمّت أرضُ مصر كلها وفتروس ثلاثة أيام، حتى إن الإنسان لا يرى يده حين يرفعها إلى فمه.
وفي ذلك الوقت مات كثيرون من شعب إسرائيل ممّن تمرّدوا على الرب، ولم يُصغوا إلى موسى وهارون، ولم يصدّقوا أنهما مُرسلان من الله.
وكانوا قد قالوا: لن نخرج من مصر لئلا نهلك جوعًا في برية مقفرة، ولم يسمعوا لصوت موسى.
فضربهم الرب في أيام الظلمة الثلاثة، فدفنهم الإسرائيليون في تلك الأيام دون أن يعلم بهم المصريون أو يشمتوا بهم.
وكانت الظلمة عظيمة جدًّا في مصر ثلاثة أيام؛ فكلُّ من كان قائمًا حين جاءت الظلمة بقي قائمًا في مكانه، ومن كان جالسًا بقي جالسًا، ومن كان مضطجعًا بقي على حاله مضطجعًا، ومن كان ماشيًا جلس على الأرض في موضعه؛ وحدث هذا لكل المصريين حتى انقضت الظلمة.
أمر بصنع الفصح علامةً للنجاة قبل الضربة الفاصلة
وانقضت أيام الظلمة، وأرسل الرب موسى وهارون إلى بني إسرائيل قائلاً: احتفلوا بعيدكم واصنعوا فِصحكم، فها أنا آتي في وسط الليل بين جميع المصريين، فأضرب كلَّ أبكارهم، من بكر الإنسان إلى بكر البهيمة، وحين أرى فصحكم أَعْبُر عنكم.
وفعل بنو إسرائيل بحسب كل ما أمر الرب به موسى وهارون؛ هكذا فعلوا تلك الليلة.
موت الأبكار يعم مصر وصراخ وحِداد لا بيت يخلو
وكان في منتصف الليل أن الرب خرج في وسط مصر، فضرب كلَّ أبكار المصريين، من بكر الإنسان إلى بكر البهيمة.
فقام فرعون في الليل، هو وجميع عبيده وجميع المصريين، وكان صراخ عظيم في كل مصر في تلك الليلة، إذ لم يكن بيتٌ إلا وفيه جثّة.
وكذلك هلكت صورُ أبكار مصر المنقوشة على جدران بيوتهم وسقطت إلى الأرض.
بل إن عظام أبكارهم الذين ماتوا قبل ذلك وكانوا قد دفنوهم في بيوتهم، نبشتها كلابُ مصر في تلك الليلة، وجرّتها أمام المصريين وألقتها قدّامهم.
ورأى جميع المصريين هذا الشرَّ الذي وقع عليهم بغتة، فصرخ جميع المصريين بصوت عظيم.
وبكت كلُّ عائلات مصر في تلك الليلة، كلُّ رجلٍ على ابنه وكلُّ رجلٍ على ابنته، إذ كانوا أبكارًا، وسمِع ضجيجُ مصر من بُعد في تلك الليلة.
حوار بِثْيَا مع موسى حول الجزاء وسبب المصيبة
وخرجت بِثْيَا ابنةُ فرعون مع الملك في تلك الليلة لتطلب موسى وهارون في بيوتهما، فوجَدوهما في بيوتهما يأكلان ويشربان ويفرحان مع كل إسرائيل.
وقالت بِثْيَا لموسى: أهذا جزاء الإحسان الذي صنعتُه معك، أنا التي ربَّيتك وكفلتك، ثم جلبتَ هذا الشرّ عليَّ وعلى بيت أبي؟
فقال لها موسى: إن الرب قد جلب على مصر عشر ضربات؛ هل أصابك منها سوء؟ هل مسّك منها واحد؟ فقالت: لا.
فقال لها موسى: مع أنكِ بكرٌ لأمكِ، فلن تموتي، ولن يمسَّكِ شرٌّ في وسط مصر.
فقالت: وما فائدتي أنا إذا رأيتُ الملك، أخي، وكلَّ بيته ورعيّته في هذا الشرّ، إذ يبيد أبكارُهم مع كل أبكار مصر؟
فقال لها موسى: إن أخاكِ وبيتَه ورعيّته، عائلاتِ مصر، لم يسمعوا لكلام الرب، لذلك حلَّ بهم هذا الشرّ.
تضرع فرعون وإطلاق بني إسرائيل وإلحاح المصريين وهباتهم
وتقدّم فرعون ملكُ مصر إلى موسى وهارون، وإلى بعض بني إسرائيل الذين معهم في ذلك الموضع، وتضرّع إليهم قائلاً:
قوموا وخذوا إخوتكم، كلَّ بني إسرائيل الذين في البلاد، مع غنمهم وبقرهم وكل ما لهم، ولا تُبقوا شيئًا؛ وإنما صلّوا لأجلي إلى الرب إلهكم.
فقال موسى لفرعون: ها إنك وإن كنتَ بكرًا لأمّك فلا تخف، فلن تموت، لأن الرب قد أمر بأن تحيا، ليُريك عِظَم قوّته وذراعه القوية المبسوطة.
وأمر فرعون بإطلاق بني إسرائيل، وتشدّد جميع المصريين لإخراجهم، لأنهم قالوا: نحن جميعًا هالكون.
فأرسل جميعُ المصريين الإسرائيليين ومعهم أموالٌ عظيمة، وغنمٌ وبقرٌ وأشياءُ ثمينة، حسب قسم الرب بينه وبين أبينا إبراهيم.
رفض الخروج ليلًا وسلب المصريين وحمل عظام الآباء
وأبطأ بنو إسرائيل عن الخروج ليلًا، فلما جاءهم المصريون ليُخرجوهم، قالوا لهم: أأنحن لُصوص حتى نخرج ليلًا؟
وطلب بنو إسرائيل من المصريين أواني فضةٍ وأواني ذهبٍ وثيابًا، فسلب بنو إسرائيلُ المصريين.
وأسرع موسى فقام وذهب إلى نهر مصر، فأخرج من هناك تابوتَ يوسف وأخذه معه.
وأخرج بنو إسرائيل أيضًا، كلُّ رجلٍ تابوتَ أبيه معه، وكلُّ رجلٍ توابيتَ قبيلته.