خروج بني إسرائيل من رعمسيس ومسيرتهم إلى سُكّوت وإيثام
وسار بنو إسرائيل من رعمسيس إلى سُكّوت، نحو ستمئة ألف رجلٍ مشاة، سوى الأطفال ونسائهم.
وصعد معهم لفيفٌ مختلط، ومعهم قطعان من الغنم والبقر، مواشٍ كثيرة.
وكانت مُدّة إقامة بني إسرائيل، الذين سكنوا أرض مصر في عبوديةٍ شاقة، مئتين وعشر سنين.
وعند تمام المئتين والعشر سنين، أخرج الربُّ بني إسرائيل من مصر بيدٍ قوية.
ورحل بنو إسرائيل من مصر، ومن جوشن ومن رعمسيس، ونزلوا في سُكّوت في اليوم الخامس عشر من الشهر الأول.
ودفن المصريون جميع أبكارهم الذين ضربهم الربّ، ودُفن قتلاهم جميعًا ثلاثة أيام.
وارتحل بنو إسرائيل من سُكّوت ونزلوا في إيثام، عند طرف البرية.
ندم المصريين ومسعاهم لإرجاع إسرائيل وحوار عند فم الحيروث
وفي اليوم الثالث بعد أن دفن المصريون أبكارهم، قام كثيرون من مصر وساروا وراء إسرائيل ليُرجعوهم إلى مصر، لأنهم ندموا إذ أطلقوا بني إسرائيل من عبوديتهم.
وقال رجلٌ لجاره: أليس موسى وهارون قد كلّما فرعون قائلين: نذهب مسيرة ثلاثة أيام في البرية ونذبح للربّ إلهنا؟
فالآن لنبكِّر صباحًا ونُرجِعهم؛ فإن عادوا معنا إلى مصر إلى سادتهم علمنا أن فيهم وفاءً، وإن لم يرجعوا قاتلناهم وأرغمناهم على الرجوع بقوة عظيمة وبيدٍ شديدة.
فقام جميع عظماء فرعون صباحًا، ومعهم نحو سبعمئة ألف رجل، وخرجوا من مصر في ذلك اليوم، وبلغوا الموضع الذي فيه بنو إسرائيل.
فرأى جميع المصريين، وإذا موسى وهارون وكلُّ بني إسرائيل جالسون أمام فم الحيروث، يأكلون ويشربون ويحتفلون بعيد الربّ.
فقال جميع المصريين لبني إسرائيل: أَمَا قلتم: نذهب ثلاثة أيامٍ في البرية ونذبح لإلهنا ثم نرجع؟
وها قد تمَّ هذا اليوم خمسة أيام منذ خرجتم، فلماذا لا ترجعون إلى سادتكم؟
فأجابهم موسى وهارون قائلَين: لأنّ الربّ إلهنا شهد فينا قائلاً: لا تعودون بعدُ إلى مصر، بل نتوجّه إلى أرضٍ تفيض لبنًا وعسلًا، كما أقسم الربّ إلهنا لآبائنا أن يعطيَنا إيّاها.
انسحاب المصريين ثم تقرير فرعون مطاردة إسرائيل إلى البحر الأحمر
فلما رأى عظماء مصر أن بني إسرائيل لم يُصغوا إليهم للرجوع إلى مصر، تمنطقوا للقتال مع إسرائيل.
وقوّى الربُّ قلوب بني إسرائيل على المصريين، حتى أنزلوا بهم ضربًا شديدًا، وكانت الحرب شديدة على المصريين، فهربوا من أمام بني إسرائيل، لأن كثيرين منهم هلكوا على يد إسرائيل.
ورجع عظماء فرعون إلى مصر وأخبروا فرعون قائلين: لقد هرب بنو إسرائيل، ولن يعودوا بعدُ إلى مصر، وبهذه الطريقة كلّمنا موسى وهارون.
فلما سمع فرعون هذا الأمر، انقلب قلبه وقلوب جميع رعيّته على إسرائيل، وندموا لأنهم أرسلوهم، وأشار كل المصريين على فرعون أن يلاحق بني إسرائيل ليُرجِعهم إلى أعبائهم.
وقال كلُّ واحدٍ لأخيه: ما هذا الذي فعلناه إذ أطلقنا إسرائيل من عبوديتنا؟
وقوّى الربُّ قلوب جميع المصريين على ملاحقة الإسرائيليين، لأنّ الربّ شاء أن يصرع المصريين في البحر الأحمر.
حشد مصر وملاحقة إسرائيل حتى البحر وذعر الشعب
فقام فرعون وشدَّ مركبته، وأمر جميع المصريين أن يجتمعوا، فلم يُترك رجلٌ واحدٌ إلا الصغار والنساء.
وخرج جميع المصريين مع فرعون في إثر بني إسرائيل، وكان معسكر مصر عظيمًا جدًا ثقيل الوطأة، نحو مليون رجل.
وسار كلُّ ذلك المعسكر وطاردوا بني إسرائيل ليقتادوهم راجعين إلى مصر، فأدركوهم وهم نازلون عند البحر الأحمر.
ورفع بنو إسرائيل عيونهم فإذا جميع المصريين يطاردونهم، فخاف بنو إسرائيل خوفًا شديدًا، وصرخوا إلى الربّ.
انقسام الشعب إلى أربعة خيارات وردود موسى التطمينية
وبسبب المصريين انقسم بنو إسرائيل إلى أربعة أقسام، واختلفت آراؤهم، إذ كانوا خائفين من المصريين، فكلّم موسى كلَّ قسمٍ منهم.
فكان القسم الأول من بني رأوبين وشمعون ويساكر، وقد عزموا أن يُلقوا أنفسهم في البحر، لأن خوفهم من المصريين كان شديدًا جدًا.
فقال لهم موسى: لا تخافوا. قِفوا وانظروا خلاص الربّ الذي يصنعه لكم اليوم.
وكان القسم الثاني من بني زبولون وبنيامين ونفتالي، وقد عزموا أن يرجعوا إلى مصر مع المصريين.
فقال لهم موسى: لا تخافوا، فكما رأيتم المصريين اليوم، لن تعودوا ترونهم بعدُ إلى الأبد.
وكان القسم الثالث من بني يهوذا ويوسف، وقد عزموا أن يخرجوا لملاقاة المصريين للقتال معهم.
فقال لهم موسى: اثبتوا في أماكنكم، فإن الربّ يقاتل عنكم وأنتم صامتون.
وأما القسم الرابع فكان من بني لاوي وجاد وأشير، وقد عزموا أن يدخلوا في وسط المصريين ليبلبلوهم، فقال لهم موسى: الزموا مواقعكم ولا تخافوا، بل ادعوا الربَّ لكي يُخلِّصكم من أيديهم.
دعاء موسى وشقّ البحر وغرق المصريين واستبقاء فرعون
وبعد هذا قام موسى من وسط الشعب، وصلّى إلى الربّ وقال:
يا ربَّ إلهَ كلّ الأرض، خلِّص الآن شعبك الذي أخرجتَه من مصر، ولا تدَع المصريين يفتخرون بأن القوة والقدرة لهم.
فقال الربُّ لموسى: لماذا تصرخ إليَّ؟ قُل لبني إسرائيل أن يتقدّموا، وأمّا أنت فمدَّ عصاك على البحر وشُقَّه، فيعبر بنو إسرائيل في وسطه.
ففعل موسى كذلك، ورفع عصاه على البحر فشقَّه.
وانقسمت مياهُ البحر إلى اثني عشر قسمًا، وعبر بنو إسرائيل مشاةً، منتعلين، كما يعبر المرء في طريقٍ مُعَدَّة.
وأظهر الربُّ لبني إسرائيل عجائبه في مصر وفي البحر على يد موسى وهارون.
ولمّا دخل بنو إسرائيل البحر، جاء المصريون وراءهم، فعادت مياه البحر عليهم، فغرقوا جميعًا، ولم يَبْقَ منهم رجلٌ واحد إلا فرعون، الذي شكر الربَّ وآمن به؛ لذلك لم يُهلِكه الربّ في ذلك الوقت مع المصريين.
وأمر الربُّ ملاكًا أن يأخذه من بين المصريين، فألقاه في أرض نينوى، فمَلَكَ عليها زمنًا طويلًا.
خلاص إسرائيل وتسبحة موسى المسجّلة في كتاب الشريعة
وفي ذلك اليوم خلّص الربُّ إسرائيل من يد مصر، ورأى جميعُ بني إسرائيل أن المصريين قد هلكوا، وأبصروا يد الربّ العظيمة فيما صنعه في مصر وفي البحر.
حينئذٍ رنّم موسى وبنو إسرائيل هذه التسبحة للربّ، في اليوم الذي أسقط فيه الربُّ المصريين أمامهم.
ورَنَّم كلُّ إسرائيل معًا قائلين: «أُرنِّم للربِّ لأنه قد تعالى جدًا؛ الفرسَ وراكبه طرحهما في البحر»؛ هوذا مكتوبٌ في كتاب شريعة الله.
المسير إلى مارة وإيليم ونزول المنّ مدة البرية
وبعد هذا واصل بنو إسرائيل مسيرهم ونزلوا في مارة، وأعطى الربُّ لبني إسرائيل في ذلك الموضع، في مارة، فرائضَ وأحكامًا، وأوصى بني إسرائيل أن يسلكوا في جميع طرقه وأن يعبدوه.
وارتحلوا من مارة وجاءوا إلى إيليم، وكان في إيليم اثنتا عشرة عين ماء وسبعون نخلة، فنزل بنو إسرائيل هناك عند المياه.
وارتحلوا من إيليم وجاءوا إلى برية سين، في اليوم الخامس عشر من الشهر الثاني بعد خروجهم من مصر.
في ذلك الوقت أعطى الربُّ بني إسرائيل المنَّ ليأكلوا، وأمطر الربُّ طعامًا من السماء لبني إسرائيل يومًا فيومًا.
وأكل بنو إسرائيل المنَّ أربعين سنة، كلَّ أيامهم في البرية، حتى جاءوا إلى أرض كنعان لامتلاكها.
هجوم عماليق في رفيديم ونصرة إسرائيل بقيادة يوشع
وتقدّموا من برية سين ونزلوا في ألوش.
وتقدّموا من ألوش ونزلوا في رفيديم.
ولمّا كان بنو إسرائيل في رفيديم، جاء عماليقُ بنُ أليفاز بنُ عيسو، أخو زيفو، ليحارب إسرائيل.
وجلب معه 801 ألف رجل، سحرةً ومشعوذين، وتجهّز للقتال مع إسرائيل في رفيديم.
ودارَت حربٌ عظيمة وشديدة على إسرائيل، فأسلم الربُّ عماليقَ وشعبَه إلى يد موسى وبني إسرائيل، وإلى يد يوشع بن نون الأفراتي، خادمِ موسى.
فضرب بنو إسرائيل عماليقَ وشعبَه بحدِّ السيف، غير أنّ المعركة كانت شديدة جدًا على بني إسرائيل.
كتابة وصية محو ذكر عماليق وتأكيد التذكير والعقوبة
وقال الربُّ لموسى: اكتب هذا الأمر تذكارًا لك في كتاب، وضعه في يد يوشع بن نون خادمك، وأوصِ بني إسرائيل قائلًا: متى دخلتُم أرض كنعان تمحون ذكر عماليق من تحت السماء محوًا تامًّا.
ففعل موسى كذلك، وأخذ الكتاب وكتب عليه هذه الكلمات قائلًا:
«اذكرْ ما فعله بك عماليقُ في الطريق حين خرجتَ من مصر.
الذي لاقاك في الطريق وضرب مؤخرتك، أولئك الضعفاء الذين كانوا وراءك، إذ كنتَ مُتعبًا مُعييًا.
فلذلك يكون، حين يُريحك الربُّ إلهك من جميع أعدائك حولك في الأرض التي يعطيك الربُّ إلهك ميراثًا لتمتلكها، أن تمحو ذكر عماليق من تحت السماء؛ لا تنسَ.
وأما الملك الذي يترأف على عماليق، أو على ذكره أو على نسله، فها أنا أطالبُه بذلك، وأقطعه من بين شعبه.
وكتب موسى كلَّ هذه الأمور في كتاب، وأوصى بني إسرائيل بشأن جميع هذه المسائل.