تكليف يشوع بعد موت موسى ووعد بالنصر وحدود الأرض
وكان بعد موت موسى أن الرب قال ليشوع بن نون، قائلاً:
قُم واعبر الأردن إلى الأرض التي أعطيتُها لبني إسرائيل، وأَوْرِثْ بني إسرائيل الأرض.
كل موضع تدوسه بطون أقدامكم يكون لكم؛ من البرية ولبنان إلى النهر العظيم، نهر الفرات، يكون تخمكم.
لا يقف أحدٌ في وجهك كل أيام حياتك؛ كما كنتُ مع موسى أكون معك. تشدّد وتشجّع لتحفظ كل الشريعة التي أوصاك بها موسى؛ لا تحد عنها يمينًا ولا يسارًا لكي تفلح في كل ما تفعل.
أوامر الاستعداد للعبور وإرسال جاسوسين إلى أرض أريحا
وأمر يشوع عُرفاء إسرائيل قائلاً: اعبروا في وسط المحلّة وأوصوا الشعب قائلين: هيّئوا لأنفسكم زادًا، لأنكم بعد ثلاثة أيام تعبرون الأردن لتمتلكوا الأرض.
ففعل عُرفاء بني إسرائيل كذلك، وأوصَوا الشعب، فعملوا بكل ما أمر به يشوع.
وأرسل يشوع رجلين ليتجسّسا أرض أريحا، فذهبا وتجسّسا أريحا.
وفي نهاية سبعة أيام رجعا إلى يشوع في المحلّة وقالا له: قد دفع الرب الأرض كلّها إلى أيدينا، وأهلها ذائبون خوفًا منا.
عبور الأردن إلى الجلجال وحفظ الفصح وانقطاع المنّ
وكان بعد ذلك أن يشوع بَكّر صباحًا هو وكل إسرائيل معه، وارتحلوا من الشطيم، وعبر يشوع وكل إسرائيل معه الأردن؛ وكان يشوع ابن اثنتين وثمانين سنة حين عبر الأردن مع إسرائيل.
وصعد الشعب من الأردن في اليوم العاشر من الشهر الأول، ونزلوا في الجلجال عند الزاوية الشرقية من أريحا.
وحفظ بنو إسرائيل الفصح في الجلجال، في سهول أريحا، في اليوم الرابع عشر من الشهر، كما هو مكتوب في شريعة موسى.
وانقطع المنّ في الغد بعد الفصح، ولم يعد هناك منّ لبني إسرائيل، فأكلوا من غلّة أرض كنعان.
تحصّن أريحا وأوامر الطواف والأبواق والتحذير من الحرام
وكانت أريحا مغلقةً تمامًا في وجه بني إسرائيل؛ لا يخرج أحد ولا يدخل.
وكان في الشهر الثاني، في اليوم الأول منه، أن الرب قال ليشوع: قُم، ها أنا قد دفعت أريحا إلى يدك مع كل شعبها؛ وجميع رجال الحرب عندكم يدورون حول المدينة مرةً كل يوم، هكذا تفعلون ستة أيام.
والكهنة ينفخون في الأبواق، ومتى سمعتم صوت البوق يهتف جميع الشعب هتافًا عظيمًا، فتسقط أسوار المدينة؛ ويصعد الشعب، كلّ رجلٍ مباشرةً أمامه، على خصمه.
ففعل يشوع كذلك حسب كل ما أمره الرب.
وفي اليوم السابع طافوا حول المدينة سبع مرات، وكان الكهنة ينفخون في الأبواق.
وعند الدورة السابعة قال يشوع للشعب: اهتفوا، لأن الرب قد دفع المدينة بأسرها إلى أيدينا.
إلا أن المدينة وكل ما فيها يكون حَرَمًا للرب. فاحترزوا من الحرام لئلا تُحرِّموا محلة إسرائيل وتُجلبوا عليها البلاء.
وأما الفضة والذهب والنحاس والحديد فمقدَّسة للرب، تُدخل إلى خزانة الرب.
سقوط أريحا وتحريمها وحرقها وقسم يشوع على بنائها
ونفخ الشعب في الأبواق وأطلقوا هتافًا عظيمًا، فسقطت أسوار أريحا، وصعد الشعب، كلُّ رجلٍ أمامه، وأخذوا المدينة وحرّموها بكل ما فيها، من رجل وامرأة، صغير وكبير، ثور وغنم وحمار، بحد السيف.
وأحرقوا المدينة كلها بالنار؛ وأما آنية الفضة والذهب والنحاس والحديد فوضعوها في خزانة الرب.
وحلف يشوع في ذلك الوقت قائلاً: ملعون الرجل الذي يبني أريحا؛ يضع أساسها بابنه البكر، وبابنه الصغير ينصب أبوابها.
خيانة عخان وانهزام إسرائيل أمام عاي وتوسل يشوع
وخان عخان بن كرمي بن زبدي بن زارح من سبط يهوذا في الحرام، فأخذ من الحرام وخبّأه في الخيمة، فحمي غضب الرب على إسرائيل.
وبعد هذا، لما رجع بنو إسرائيل من إحراق أريحا، أرسل يشوع رجالًا ليتجسّسوا أيضًا عاي ويقاتلوها.
فصعد الرجال وتجسّسوا عاي، ثم رجعوا وقالوا: لا يصعد معك كلُّ الشعب إلى عاي، بل ليصعد نحو ثلاثة آلاف رجل ويضربوا المدينة، لأن رجالها قليلون.
ففعل يشوع كذلك، وصعد معه من بني إسرائيل نحو ثلاثة آلاف رجل، وحاربوا أهل عاي.
واشتدّ القتال على إسرائيل، فضرب أهلُ عاي ستةً وثلاثين رجلًا من إسرائيل، فهرب بنو إسرائيل من أمام أهل عاي.
فلما رأى يشوع ذلك مزّق ثيابه وسقط على وجهه إلى الأرض أمام الرب، هو وشيوخ إسرائيل، وجعلوا ترابًا على رؤوسهم.
وقال يشوع: لماذا يا رب عبرتَ هذا الشعبَ الأردن؟ وماذا أقول بعدما ولّى الإسرائيليون أدبارهم أمام أعدائهم؟
فالآن يسمع جميع الكنعانيين سكان الأرض بهذا، فيحيطون بنا ويقطعون اسمنا.
كشف الحرام بالأوريم، اعتراف عخان، وعقوبته عند عخور
فقال الرب ليشوع: لماذا تسقط على وجهك؟ قُم، لأن بني إسرائيل قد أخطأوا، وأخذوا من الحرام؛ ولا أعود أكون معهم ما لم يُزيلوا الحرام من وسطهم.
فقام يشوع وجمع الشعب، وأتى بالأوريم بأمر الرب، فأُخذ سبط يهوذا، وأُخذ عخان بن كرمي.
وقال يشوع لعخان: أخبرني يا ابني، ماذا فعلتَ؟ فقال عخان: رأيتُ بين الغنيمة رداءً حسنًا من شنعار ومئتي شاقل من الفضة، وسبيكةً من الذهب وزنها خمسون شاقلًا؛ فاشتهيتها وأخذتها، وها هي مدفونة في الأرض في وسط الخيمة.
فأرسل يشوع رجالًا، فذهبوا وأخذوها من خيمة عخان، وأتوا بها إلى يشوع.
وأخذ يشوع عخان وهذه المقتنيات وبنيه وبناته وكل ما له، وأحضروهم إلى وادي عخور.
فأحرقهم يشوع هناك بالنار، ورجم جميعُ بني إسرائيل عخان بالحجارة، وأقاموا عليه رجمةَ حجارةٍ عظيمة، لذلك دُعي ذلك الموضع وادي عخور، فرُدَّ غضب الرب. وبعد ذلك رجع يشوع إلى المدينة وحاربها.
أمر جديد بقتال عاي وتنصيب كمين وخطة الاستدراج
وقال الرب ليشوع: لا تخف ولا ترتعب. ها أنا قد دفعت إلى يدك عاي وملكها وشعبها، فتفعل بهم كما فعلتَ بأريحا وملكها، غير أن غنيمتها ومواشيها تأخذونها لكم غنيمة؛ انصب كمينًا للمدينة من خلفها.
ففعل يشوع حسب كلام الرب، واختار من رجال الحرب ثلاثين ألف رجل باسل، فأرسلهم، فكمنوا للمدينة.
وأوصاهم قائلًا: حين تروننا نهرب أمامهم بمكر، فيطاردوننا، تقومون أنتم من الكمين وتأخذون المدينة. ففعلوا كذلك.
وحارب يشوع، فخرج رجال المدينة نحو إسرائيل، وهم لا يدرون أن كمينًا لهم وراء المدينة.
انسحاب خادع وإخلاء عاي وإحراقها وتطويق المقاتلين والقضاء عليهم
وتظاهر يشوع وجميعُ بني إسرائيل بالإنهاك أمامهم، فهربوا في طريق البرية بمكر.
فجمع رجالُ عاي كلَّ الشعب الذي في المدينة لمطاردة الإسرائيليين، وخرجوا وانجذبوا عن المدينة، ولم يبقَ فيها أحد، وتركوا المدينة مفتوحة وطاردوا بني إسرائيل.
فقام الذين في الكمين من أماكنهم وأسرعوا إلى المدينة وأخذوها وأضرموا فيها النار، فلما التفت رجالُ عاي إذا دخانُ المدينة قد صعد إلى السماء، ولم تكن لهم سُبُلُ هروبٍ يمينًا ولا يسارًا.
وكان رجالُ عاي في وسط إسرائيل، هؤلاء من هنا وأولئك من هناك، فضربوهم حتى لم يبقَ منهم أحد.
أسر ملك عاي وصلبه، وإهلاك المدينة وأخذ غنيمتها
وأمسك بنو إسرائيل ملوش ملك عاي حيًّا وأتوا به إلى يشوع، فعلقَه يشوع على خشبة فمات.
ورجع بنو إسرائيل إلى المدينة بعد أن أحرقوها، وضربوا جميع الذين فيها بحد السيف.
وكان عدد الذين سقطوا من أهل عاي، رجالًا ونساءً، اثني عشر ألفًا؛ إلا أن ماشيتها وغنيمة مدينتها أخذوها لأنفسهم حسب قول الرب ليشوع.
تجمّع ملوك كنعان وخدعة جبعون للعهد وتكليفهم بالحطب والماء
وسمع جميعُ ملوك عبر الأردن، جميعُ ملوك كنعان، بالشر الذي فعله بنو إسرائيل بأريحا وعاي، فاجتمعوا معًا ليحاربوا إسرائيل.
إلا أن سكان جبعون خافوا جدًا من محاربة بني إسرائيل لئلا يهلكوا، فتصرّفوا بمكر، وجاؤوا إلى يشوع وإلى كل إسرائيل وقالوا لهم: قد جئنا من أرض بعيدة، فاقطعوا معنا عهدًا الآن.
فخدع سكان جبعون بني إسرائيل، فقطع بنو إسرائيل معهم عهدًا وصالحوهم، وحلف لهم رؤساء الجماعة، لكن بعد ذلك عرف بنو إسرائيل أنهم جيرانٌ لهم وساكنون بينهم.
وأما بنو إسرائيل فلم يقتلوهم، لأنهم كانوا قد حلفوا لهم بالرب، فصاروا يقطعون الحطب ويستقون الماء.
وقال لهم يشوع: لماذا خدعتموني لتفعلوا بنا هذا الأمر؟ فقالوا له: لأنه أُخبر عبيدك بكل ما فعلتموه بجميع ملوك الأموريين، فخفنا جدًا على حياتنا، ففعلنا هذا الأمر.
فعيّنهم يشوع في ذلك اليوم ليقطعوا الحطب ويستقوا الماء، ووزّعهم عبيدًا على جميع أسباط إسرائيل.
تحالف خمسة ملوك لمهاجمة جبعون واستنجاد أهلها بيشوع
ولما سمع أدوني صادق ملك أورشليم بكل ما فعله بنو إسرائيل بأريحا وعاي، أرسل إلى هوهام ملك حبرون، وإلى فيرام ملك يرموت، وإلى يافية ملك لاخيش، وإلى دَبِر ملك عجلون، يقول:
اصعدوا إليَّ وأعينوني لكي نضرب بني إسرائيل وسكان جبعون الذين صالحوا بني إسرائيل.
فاجتمعوا وصعد ملوكُ الأموريين الخمسة بكل معسكراتهم، شعبًا عظيمًا كثيرًا كرمل شاطئ البحر.
فجاء كل هؤلاء الملوك ونزلوا أمام جبعون، وبدؤوا يحاربون سكان جبعون، فأرسل رجالُ جبعون إلى يشوع يقولون: اصعد إلينا سريعًا وأعِنَّا، لأن جميع ملوك الأموريين قد اجتمعوا لمحاربتنا.
هجوم بغتة من يشوع وهزيمة الملوك ونزول برد قاتل
فصعد يشوع وجميع رجال الحرب من الجلجال، وأتى عليهم بغتةً، وضرب هؤلاء الملوك الخمسة ضربةً عظيمة.
وأربكهم الرب أمام بني إسرائيل، فضربوهم ضربةً رهيبة في جبعون، وطاردوهم في الطريق الصاعد إلى بيت حورون إلى مقيدة، فهربوا من أمام بني إسرائيل.
وبينما هم هاربون أرسل الرب عليهم حجارة بردٍ من السماء، فمات منهم بالبرد أكثر مما قتلهم بنو إسرائيل.
وتابعهم بنو إسرائيل، وهم يضربونهم في الطريق، ماضين يضربون.
دعاء يشوع بتوقف الشمس والقمر ويوم فريد لانتصار إسرائيل
ولما كانوا يضربونهم كان النهار يميل إلى المساء، فقال يشوع أمام عيون الشعب كله: يا شمس دومي على جبعون، ويا قمر على وادي أيلون، حتى ينتقم الشعب من أعدائه.
فاستجاب الرب لصوت يشوع، فوقفت الشمس في وسط السماء، ووقفت ستًّا وثلاثين لحظة، ووقف القمر أيضًا ولم يعجّل إلى الغروب يومًا كاملًا.
ولم يكن يومٌ مثله قبله ولا بعده، سمع فيه الرب لصوت إنسان، لأن الرب حارب عن إسرائيل.