أنساب هاران وولادة لوط وساراي وخروج أبرام من المغارة
وأخذ هاران بن تارح، أكبر إخوة أبرام، زوجةً في تلك الأيام.
وكان عمر هاران تسعةً وثلاثين سنة حين أخذها؛ فحملت زوجة هاران وولدت ابناً، فسمّاه لوطاً.
ثم حملت ثانيةً وولدت بنتاً فسمّتها ملكة؛ ثم حملت أيضاً وولدت بنتاً فسمّتها ساراي.
وكان هاران ابن اثنتين وأربعين سنة حين أنجب ساراي، وكان ذلك في السنة العاشرة من حياة أبرام؛ وفي تلك الأيام خرج أبرام وأمّه ومرضعته من المغارة، إذ كان الملك ورعيّته قد نسوا أمر أبرام.
إقامة أبرام لدى نوح وسام، وسط انتشار عبادة الأصنام
ولمّا خرج أبرام من المغارة ذهب إلى نوح وابنه سام، وأقام معهما ليتعلّم شريعة الرب وطرقه، ولم يكن أحد يعلم أين أبرام، وخدم أبرام نوحاً وساماً ابنه زمناً طويلاً.
وكان أبرام في بيت نوح تسعاً وثلاثين سنة، وكان أبرام يعرف الرب منذ كان ابن ثلاث سنين، وسار في طرق الرب إلى يوم موته كما علّمه نوح وابنه سام؛ وكان جميع بني الأرض في تلك الأيام يسيئون إساءة عظيمة إلى الرب، فتمرّدوا عليه وعبدوا آلهةً أخرى، ونسوا الرب الذي خلقهم في الأرض؛ وصنع سكّان الأرض لأنفسهم في ذلك الوقت لكلّ واحدٍ إلهه، آلهةً من خشبٍ وحجرٍ لا تنطق ولا تسمع ولا تُنقِذ، فخدمها بنو البشر فصارت لهم آلهة.
تارح والملك روّاد عبادة الأصنام، وبيت نوح يعرف الرب
وكان الملك وجميع عبيده، وتارح وكلّ أهل بيته، من أوائل الذين عبدوا آلهةً من خشبٍ وحجرٍ في ذلك الحين.
وكان لتارح اثنا عشر إلهاً كباراً، من خشبٍ وحجرٍ، بعدد أشهر السنة، وكان يخدم كلاً منها شهرياً، وكان تارح في كلّ شهر يقدّم قرابين الطعام والشراب لآلهته؛ هكذا فعل تارح كلَّ أيامه.
وكان ذلك الجيل شريراً في عيني الرب، فصار كلُّ واحدٍ يصنع لنفسه إلهاً، وتركوا الرب الذي خلقهم.
ولم يوجد في تلك الأيام في كلّ الأرض رجلٌ يعرف الرب (إذ كان كلُّ واحدٍ يعبد إلهه)، إلا نوحاً وأهل بيته، وكلُّ من كان تحت مشورته كان يعرف الرب في تلك الأيام.
رفعة أبرام وهبته الفهم لإدراك بطلان آلهة الجيل
وكان أبرام بن تارح يزداد شأناً في تلك الأيام في بيت نوح، ولم يكن أحد يعلم ذلك، وكان الرب معه.
وأعطى الرب أبرام قلباً فهماً، فعلم أن كلّ أعمال ذلك الجيل باطلة، وأن جميع آلهتهم باطلة لا نفع فيها.
تأمل أبرام في الشمس والقمر ثم رفضهما كآلهة
ورأى أبرام الشمس تُضيء على الأرض، فقال في نفسه: لعلّ هذه الشمس التي تشرق على الأرض هي الله، وإيّاه أعبد.
فعبد أبرام الشمس في ذلك اليوم وصلّى لها، فلمّا جاء المساء غربت الشمس كعادتها، فقال أبرام في نفسه: حقّاً لا يمكن أن تكون هذه إلهاً.
وظلّ أبرام يحدّث نفسه قائلاً: من هو الذي صنع السماوات والأرض؟ من خلق ما على الأرض؟ وأين هو؟
وأظلّه الليل، فرفع عينيه نحو الغرب والشمال والجنوب والشرق، فرأى أن الشمس قد توارت عن الأرض وأظلم النهار.
ورأى أبرام النجوم والقمر أمامه، فقال: لعلّ هذا هو الله الذي خلق الأرض كلّها وكذلك الإنسان، وهوذا هؤلاء خُدّامه آلهةٌ حوله. فعبد أبرام القمر وصلّى له تلك الليلة كلّها.
إشراق الحقيقة لأبرام ومعرفته الرب وخدمته طوال حياته
وفي الصباح لما أضاء النور وأشرقت الشمس على الأرض كعادتها، رأى أبرام كلَّ ما صنعه الرب الإله على الأرض.
وقال أبرام في نفسه: حقّاً إن هؤلاء ليسوا آلهةً صنعت الأرض وكلَّ البشر، بل هم خُدّامُ الله. وأقام أبرام في بيت نوح وهناك عرف الرب وطرقه، وخدم الرب كلَّ أيام حياته، وكان ذلك الجيل كلّه قد نسي الرب وعبد آلهةً أخرى من خشبٍ وحجرٍ وتمردوا كلَّ أيامهم.
نمرود يجمع الشعوب لبناء مدينة وبرج في شنعار
ومَلَكَ الملك نمرود بأمان، وكانت كلُّ الأرض تحت سلطانه، وكان أهل الأرض كلُّهم على لسانٍ واحد وكلامٍ متّحد.
وتشاور جميع رؤساء نمرود وعظماؤه: فوط ومصرايم وكوش وكنعان مع عائلاتهم، وقال بعضهم لبعض: هلمّ نبنِ لأنفسنا مدينةً وفيها برجاً حصيناً، ويبلغ رأسه السماء، ونصنع لأنفسنا اسماً، لكي نملك على العالم كلّه، فتزول عنّا شرور أعدائنا، فنملك عليهم بقوّة، ولا نتبدّد على وجه الأرض بسبب حروبهم.
فأتوا جميعاً إلى الملك، وأخبروه بهذه الكلمات، فوافقهم الملك على هذا الأمر، وفعل كذلك.
فاجتمعت كلّ العائلات، وكانوا نحو ستمئة ألف رجل، وخرجوا يلتمسون قطعة أرض واسعة ليبنوا فيها المدينة والبرج، فطلبوا في سائر الأرض فلم يجدوا مثل وادٍ واحدٍ في شرق أرض شنعار، على مسيرة يومين، فارتحلوا إليه وأقاموا هناك.
وبدأوا يصنعون اللِّبْن ويحرقون النار لبناء المدينة والبرج اللذين تصوّروا إكمالهما.
نية التعدّي على السماوات وتقسيم القوم إلى مقاصد شريرة
وكان بناءُ البرج لهم تعدّياً وخطيّة، فشرعوا يبنونه، وبينما هم يبنون ضدّ الرب الإله السماوي، تصوّروا في قلوبهم أن يحاربوه ويصعدوا إلى السماء.
وانقسم جميع هؤلاء القوم وكلّ العائلات إلى ثلاثة أقسام: فقال القسم الأوّل: نصعد إلى السماء ونحاربه؛ وقال الثاني: نصعد إلى السماء ونضع آلهتنا هناك ونعبدها؛ وقال الثالث: نصعد إلى السماء ونضربه بالسهام والرماح. وكان الله عالماً بجميع أعمالهم وكلّ أفكارهم الشريرة، ورأى المدينة والبرج اللذين كانوا يبنون.
مشقة إيصال الملاط واللّبن وتفضيل الطوب على الإنسان
وبينما كانوا يبنون شيّدوا لأنفسهم مدينةً عظيمةً وبرجاً عالياً جداً وقوياً؛ ولشدّة علوّه لم يكن الملاطُ واللِّبْنُ يصلان إلى البنّائين في صعودهم إليه، حتى إنّ الذين يصعدون لا يبلغون بهما إلى البنّائين إلا بعد تمام سنةٍ كاملة، ثم بعد ذلك كانوا يصلون إلى البنّائين فيعطونهم الملاط واللبن؛ وهكذا كان الأمر كلَّ يوم.
وكان هؤلاء يصعدون وآخرون ينزلون طول النهار؛ فإذا سقطت لبنةٌ من أيديهم وانكسرت بكوا عليها جميعاً، وإذا سقط إنسان فمات لم يلتفت إليه أحد.
عودة السهام مضرجة بالدم واستمرارهم في البناء سنين
وكان الرب عالماً بأفكارهم، فحدث أنه بينما كانوا يبنون رموا السهام نحو السماوات، فسقطت جميع السهام عليهم مملوءةً دماً، فلمّا رأوها قال بعضهم لبعض: حقّاً لقد قتلنا كلَّ من في السماء.
لأن ذلك كان من عند الرب ليُضلَّهم، وليُفنيهم عن وجه الأرض.
وبنوا البرج والمدينة، وظلّوا على ذلك الأمر كلَّ يومٍ حتى انقضت أيّامٌ وسنون كثيرة.
بلبلة الألسنة بأمر إلهي وتحول التفاهم إلى عنف قاتل
وقال الله للملائكة السبعين الواقفين قدّامه، القريبين منه: هلمّ ننزل ونبلبل ألسنتهم، حتى لا يفهم رجلٌ لسانَ قريبه. ففعلوا بهم كذلك.
ومن ذلك اليوم فصاعداً نسي كلُّ واحدٍ لسانَ قريبه، ولم يعودوا يقدرون أن يتفاهموا بلسانٍ واحد. وكان إذا أخذ البنّاء من يد قريبه جصّاً أو حجراً لم يطلبه، طرحه البنّاء عنه ورماه به حتى يموت.
وفعلوا ذلك أيّاماً كثيرة، وقتلوا كثيرين منهم بهذه الطريقة.
عقوبات متفرقة للأقسام الثلاثة ثم ترك البناء وتبددهم
وضرب الربّ الأقسام الثلاثة التي كانت هناك، وعاقبهم بحسب أعمالهم ومقاصدهم: فالذين قالوا نصعد إلى السماء ونعبد آلهتنا صاروا كالقِرَدة والفيلة؛ والذين قالوا نضرب السماء بالسهام قتلهم الربُّ، الرجل بيد قريبه؛ وأمّا القسم الثالث، الذين قالوا نصعد إلى السماء ونحاربُه، فبدّدهم الربّ في أرجاء الأرض.
وأمّا الذين بقوا منهم، فلمّا علموا وفهموا الشرَّ الآتي عليهم، تركوا البناء، وتفرّقوا هم أيضاً على وجه كلّ الأرض.
تسمية بابل ودمار البرج جزئياً وكثرة الهالكين فيه
فكفّوا عن بناء المدينة والبرج؛ لذلك دُعي ذلك الموضع بابل، لأن هناك بلبل الربُ لغةَ كلِّ الأرض؛ وهوذا هو في شرق أرض شنعار.
وأمّا البرج الذي بناه بنو البشر، فقد فتحت الأرض فاها فابتلعت ثلثه، ونزلت نارٌ أيضاً من السماء فأحرقت ثلثاً آخر، وأمّا الثلث الباقي فموجود إلى هذا اليوم، وهو من الجزء الذي كان عالياً، ومحيطه مسيرةُ ثلاثة أيّام.
ومات كثيرون من بني البشر في ذلك البرج، شعبٌ بلا عدد.