مولد أبرام وعلامة سماوية وتأويلها بعلو شأنه المتوقع
وكان في تلك الليلة التي وُلد فيها أبرام أن جميع خُدّام تارح، وكل حكماء نمرود وسحرته، جاءوا وأكلوا وشربوا في بيت تارح، وفرحوا معه في تلك الليلة.
ولما خرج جميع الحكماء والسحرة من بيت تارح، رفعوا عيونهم نحو السماء تلك الليلة لينظروا إلى النجوم، فإذا بنجم عظيم جدًا جاء من المشرق وجرى في السماوات، فابتلع أربعة نجوم من جهات السماء الأربع.
وذُهل جميع حكماء الملك وسحرته مما رأوا، وفهم الحكماء هذا الأمر، وعرفوا دلالته.
وقال بعضهم لبعض: ما هذا إلا علامة على الطفل الذي وُلد لتارح هذه الليلة، الذي سيشبّ ويُثمر ويكثر، ويمتلك كل الأرض، هو وذريته إلى الأبد، وهو ونسله يقتلون ملوكًا عظامًا ويرثون أراضيهم.
تشاور الحكماء صباحًا وقرار إبلاغ الملك بما رأوا
وانصرف الحكماء والسحرة إلى بيوتهم في تلك الليلة، وفي الصباح بكر جميع هؤلاء الحكماء والسحرة واجتمعوا في بيت معيّن.
وتكلموا وقالوا بعضهم لبعض: هوذا المنظر الذي رأيناه الليلة الماضية مخفيّ عن الملك، ولم يُعرَّف به.
وإن عُلِم هذا الأمر للملك في الأيام الآتية، سيقول لنا: لماذا كتمتم عني هذا الأمر؟ ثم نعاني نحن جميعًا الموت؛ لذلك فلنذهب الآن ونخبر الملك بما رأيناه وتعبيره، فنكون قد برّأنا ذمتنا.
إفادة الحكماء لنمرود وتفسيرهم واقتراح قتل الطفل مقابل ثمن
ففعلوا كذلك، وذهبوا جميعًا إلى الملك وسجدوا له إلى الأرض، وقالوا: ليحيَ الملك، ليحيَ الملك.
قد سمعنا أنه قد وُلد لتارح بن ناحور، رئيس جندك، ابن، وقد جئنا ليلة أمس إلى بيته فأكلنا وشربنا وفرحنا معه في تلك الليلة.
ولما خرج عبيدك من بيت تارح لنذهب إلى بيوتنا فنبيت فيها تلك الليلة، رفعنا عيوننا إلى السماء، فرأينا نجمًا عظيمًا آتيًا من المشرق، وكان النجم نفسه يجري بسرعة عظيمة، فابتلع أربعة نجوم عظيمة من جهات السماء الأربع.
فبُهِت عبيدك للمنظر الذي رأيناه وخفنا جدًا، فأصدرنا حكمنا على ما رأينا، وعرفنا بحكمتنا تأويله الصحيح، أن هذا الأمر ينطبق على الطفل المولود لتارح، الذي سيكبر ويكثر كثيرًا، ويصير قويًا، ويقتل جميع ملوك الأرض، ويرث كل أراضيهم، هو ونسله إلى الأبد.
والآن يا سيدنا وملكنا، ها قد أعلمناك حقًا بما رأيناه بخصوص هذا الطفل.
إن رأى الملك أن يعطي أباه قيمة هذا الطفل، نقتله قبل أن يكبر ويكثر في الأرض ويتزايد شرّه علينا، لئلا نهلك نحن وأبناؤنا بشرّه.
استدعاء الملك لتارح ومطالبته بتسليم الطفل وقتله فورًا
فسمع الملك كلامهم واستحسنه في عينيه، وأرسل فدعا تارح، فأتى تارح أمام الملك.
وقال الملك لتارح: قد أُخبرت أن ابنًا قد وُلد لك ليلة أمس، وأن أمرًا كهذا قد شوهد في السماوات عند مولده.
فالآن هاتني بالطفل لنقتله قبل أن يستفحل شرّه علينا، وأعطيك بدلًا من قيمته بيتك مملوءًا فضة وذهبًا.
طرح تارح مثل الفرس وطلب مشورة الملك أولًا
فأجاب تارح الملك وقال له: يا مولاي الملك، قد سمعت كلامك، وعبدك يفعل كل ما يريده ملكه.
لكن يا مولاي الملك، سأخبرك بما جرى لي ليلة أمس، لأرى أية مشورة يسديها الملك لعبده، ثم أجيب الملك عمّا تكلّم به الآن؛ فقال الملك: تكلّم.
وقال تارح للملك: جاءني أيون بن مورد ليلة أمس قائلًا:
أعطني الفرس العظيم الجميل الذي أعطاك الملك، وأعطيك فضة وذهبًا وتبنًا وعلفًا بدلًا من قيمته؛ فقلت له: تمهّل حتى أراجع الملك بشأن كلامك، وها إن ما يقوله الملك أفعله.
والآن يا مولاي الملك، ها قد أعلمتك بهذا الأمر، والمشورة التي يعطيها ملكي لعبده أتّبعها.
سخط الملك ورفضه المثل وتوبيخه لتارح بشدة واستنكار
فلما سمع الملك كلام تارح، حمي غضبه وعدّه أحمقًا.
وأجاب الملك تارح وقال له: أبهذا القدر من البلاهة والجهل وقلة الفهم أنت، حتى تفعل هذا الأمر، فتعطي فرسك الجميل لقاء فضة وذهب، أو حتى لقاء تبن وعلف؟
أبهذا العوز إلى الفضة والذهب أنت حتى تفعل هذا الأمر، لأنك لا تقدر أن تحصل على تبن وعلف لتطعم فرسك؟ وما الفضة والذهب عندك، أو التبن والعلف، حتى تهب ذلك الفرس النفيس الذي أعطيتك إيّاه، الذي لا نظير له في الأرض كلها؟
اعتراض تارح على قتل الابن وغضب الملك ثم مساومة
وترك الملك الكلام، فأجاب تارح الملك قائلًا: على هذا النحو تكلّم الملك مع عبده.
أتضرع إليك يا مولاي الملك: ما هذا الذي قلته لي: أعطنا ابنك لنقتله وأعطيك فضة وذهبًا لقاء قيمته؟ ماذا أصنع بالفضة والذهب بعد موت ابني؟ ومن يرثني؟ حقًا إنه عند موتي سيرجع الفضة والذهب إلى ملكي الذي أعطاه.
ولما سمع الملك كلام تارح والمثل الذي ضربه في شأن الملك، ساءه ذلك جدًا واغتاظ من هذا الأمر، واحترق غضبه في داخله.
ولما رأى تارح أن غضب الملك قد اشتعل عليه، أجاب الملك قائلًا: كل ما لي في يد الملك؛ فما شاء الملك أن يفعله بعبده فليفعلْه، بل حتى ابني، هو في يد الملك دون عوض، هو وأخواه اللذان يكبرانه.
فقال الملك لتارح: لا، بل سأشتري ابنك الأصغر بثمن.
مهلة الثلاثة أيام والإنذار الملكي بإرسال الابن أو الهلاك
فأجاب تارح الملك قائلًا: أستحلفك يا مولاي الملك أن تدع عبدك يتكلم بكلمة أمامك، وليسمع الملك كلمة عبده؛ ليعطني ملكي مهلة ثلاثة أيام حتى أتدبر هذا الأمر في نفسي وأستشير أهل بيتي في كلام ملكي؛ وألحّ على الملك كثيرًا ليوافق على ذلك.
فأصغى الملك إلى تارح، وفعل كذلك، وأعطاه مهلة ثلاثة أيام؛ وخرج تارح من أمام الملك وجاء إلى بيته وأهله، وأخبرهم بكل كلام الملك؛ فخاف القوم جدًا.
وكان في اليوم الثالث أن الملك أرسل إلى تارح قائلًا: أرسل إليّ ابنك مقابل ثمن كما كلمتك؛ وإن لم تفعل هذا، أبعث من يقتل كل ما لك في بيتك حتى لا يبقى لك كلب.
استبدال الطفل ونجاة أبرام وخفاؤه في مغارة عشر سنين
فسرع تارح، إذ كان الأمر عاجلًا من قبل الملك، فأخذ ولدًا لأحد عبيده كانت جاريته قد ولدته له في ذلك اليوم، وجاء تارح بالطفل إلى الملك وأخذ ثمنه.
وكان الرب مع تارح في هذا الأمر لكيلا يتسبب نمرود في موت أبرام، فأخذ الملك الطفل من تارح، وبكل قوته حطم رأسه بالأرض، لأنه ظن أنه أبرام؛ وسُتر عليه الأمر منذ ذلك اليوم، ونُسي عند الملك، إذ كانت مشيئة العناية الإلهية ألا تسمح بموت أبرام.
وأخذ تارح ابنه أبرام سرًا، مع أمه ومرضعته، وأخفاهم في مغارة، وكان يأتيهم بمؤونتهم كل شهر.
وكان الرب مع أبرام في المغارة، فنشأ، وكان أبرام في المغارة عشر سنين، وظنّ الملك وأمراؤه والعرّافون والحكماء أن الملك قد قتل أبرام.