إبراهيم يختتن وأهل بيته ويعاني ألم اليوم الثالث

1

فقام إبراهيم وفعل كل ما أمره الله به، وأخذ رجال بيته ومن اشتراهم بماله، وختنهم كما أوصاه الرب.

2

ولم يبقَ واحدٌ لم يختنه، وختن إبراهيم وابنه إسماعيل في لحم غرلتهما؛ وكان إسماعيل ابن ثلاث عشرة سنة حين خُتن في لحم غرلته.

3

وفي اليوم الثالث خرج إبراهيم من خيمته وجلس عند الباب ليستدفئ بحرارة الشمس وهو يعاني ألم جسده.

زيارة الملائكة لإبراهيم في ممرا وبشارته بولد ثم انصرافهم

4

وظهر له الرب في سهول ممرا، وأرسل إليه ثلاثةً من ملائكته الخادمين ليزوروه، وكان جالسًا عند باب الخيمة، فرفع عينيه ونظر، وإذا ثلاثة رجال آتون من بُعد، فنهض وركض لاستقبالهم، وانحنى لهم وأدخلهم إلى بيته.

5

وقال لهم: إن كنتُ قد وجدت نعمة في أعينكم فاميلوا وكلوا لقمةَ خبز. وألحّ عليهم فمالوا، فأعطاهم ماءً فغسلوا أقدامهم، وأجلسهم تحت شجرة عند باب الخيمة.

6

وأسرع إبراهيم فأخذ عِجلًا غضًا جيدًا، وعجّل بذبحه، وأعطاه لعبده أليعازر ليُعِدَّه.

7

ودخل إبراهيم إلى سارة في الخيمة وقال لها: أعِدّي سريعًا ثلاث كيلات من دقيق ناعم، واعجنيه واصنعي أقراصًا لتغطية القدر التي فيها اللحم. ففعلت كذلك.

8

وأسرع إبراهيم فجاءهم بزبدٍ ولبنٍ ولحمِ بقرٍ وغنم، ووضعها أمامهم ليأكلوا قبل أن ينضج لحم العجل كفايةً، فأكلوا.

9

ولما فرغوا من الأكل قال له واحدٌ منهم: أعود إليك في ميعاد الحياة، ويكون لسارة امرأتك ابن.

10

ثم انصرف الرجال ومضى كلٌّ في طريقه إلى الأماكن التي أُرسلوا إليها.

فساد سدوم وعمورة وطقوسهم السنوية وسلبهم الغرباء وطردهم

11

وفي تلك الأيام كان جميعُ أهل سدوم وعمورة، والمدنِ الخمس كلها، أشرارًا جدًا وخطاةً على الرب، وأغاظوا الرب برجاساتهم، وتصلّبت قلوبهم وازدادوا رجسًا واستهانةً أمام الرب، وكانت شرورهم وجرائمهم في تلك الأيام عظيمةً أمام الرب.

12

وكان في أرضهم وادٍ فسيحٌ جدًا، نحو مسيرة نصف يوم، وفيه عيونُ ماءٍ وكثيرٌ من الكلأ حول الماء.

13

وكان جميع أهل سدوم وعمورة يأتون إليه أربع مرات في السنة، مع نسائهم وأولادهم وكل ما لهم، ويفرحون هناك بالدفوف والرقصات.

14

وفي وقت الفرح كانوا جميعًا يقومون ويمسكون بنساء جيرانهم، وبعضهم ببنات جيرانهم العذارى، فيستمتعون بهن، وكلُّ رجلٍ يرى امرأته وابنته في يد جاره ولا ينطق بكلمة.

15

وكانوا يفعلون ذلك من الصباح إلى المساء، ثم يرجع بعد ذلك كلُّ رجلٍ إلى بيته وكلُّ امرأةٍ إلى خيمتها؛ وهكذا كانوا يفعلون دائمًا أربع مرات في السنة.

16

وكذلك إذا جاء غريبٌ إلى مدنهم ومعه بضاعة اشتراها ليبيعها هناك، اجتمع أهل تلك المدن رجالًا ونساءً وأطفالًا، صغارًا وكبارًا، وأتوا إلى الرجل وأخذوا أمتعته قسرًا، يعطون قليلًا لكل واحدٍ حتى لا يبقى لصاحبها شيء مما جاء به إلى الأرض.

17

وإن خاصمهم صاحب المتاع قائلًا: ما هذا الذي فعلتموه بي؟ كانوا يدنون إليه واحدًا واحدًا، ويُريه كلٌّ منهم القليل الذي أخذه ويعيّره قائلًا: إنما أخذتُ هذا القليل الذي أعطيتني إيّاه أنت. فإذا سمع هذا منهم جميعًا قام وانصرف عنهم حزينًا مرَّ النفس، فيقومون هم جميعًا ويتبعونه ويطردونه من المدينة بصياحٍ وجلبةٍ عظيمين.

قدوم مسافر من عيلام إلى سدوم واستضافته عند هدّاد

18

وكان رجلٌ من أرض عيلام يسير على مهلٍ في الطريق، راكبًا حماره، وعلى الحمار حُلّةٌ نفيسةٌ متعددة الألوان، وكانت الحُلّة مشدودةً بحبلٍ على الحمار.

19

وكان الرجل في سفره مجتازًا شارعَ سدوم عند غروب الشمس، فأقام هناك ليبيت ليلته، فلم يأوه أحدٌ إلى بيته؛ وكان في سدوم في ذلك الوقت رجلٌ شريرٌ مؤذٍ، ماهرٌ في صنع الشر، اسمه هدّاد.

20

فرفع عينيه ورأى المسافر في شارع المدينة، فجاء إليه وقال: من أين جئتَ وإلى أين تذهب؟

21

فقال له الرجل: أنا مسافرٌ من حبرون إلى عيلام حيث موطني، وبينما أعبر غربت الشمس، ولم يسمح لي أحدٌ أن أدخل بيته، ومعي خبزٌ وماء، وكذلك تبنٌ وعلفٌ لحِماري، ولستُ بحاجةٍ إلى شيء.

22

فأجابه هدّاد وقال: كلُّ ما تحتاج إليه أوفّره لك، لكن في الشارع لا تبيت طول الليل.

23

فأدخله هدّاد إلى بيته، ونزع الحُلّة عن الحمار مع الحبل، وأدخلهما إلى بيته، وأعطى الحمار تبنًا وعلفًا، بينما أكل المسافر وشرب في بيت هدّاد، وبات هناك تلك الليلة.

إطالة هدّاد إقامة الضيف ويومان من الضيافة واعتراض زوجته

24

وفي الصباح نهض المسافر مبكرًا ليتابع سفره، فقال له هدّاد: انتظر، عزِّ قلبك بلقمة خبز ثم امضِ. ففعل الرجل كذلك، ومكث معه، فأكلا وشربا معًا طوال النهار، ثم قام الرجل لينطلق.

25

فقال له هدّاد: هوذا النهار يميل، الأحسن أن تبيت الليل كله لتتعزى، فألحّ عليه حتى أقام تلك الليلة، وفي اليوم الثاني قام مبكرًا لينصرف، فضغط عليه هدّاد قائلًا: عزِّ قلبك بلقمة خبز ثم امضِ، فمكث وأكل معه أيضًا في اليوم الثاني، ثم قام الرجل ليُتابع سفره.

26

فقال له هدّاد: هوذا النهار يميل الآن، أقم معي لتعزية قلبك، وفي الصباح انهض باكرًا وامضِ في طريقك.

27

فلم يرضَ الرجل أن يمكث، بل قام ورحّل حماره، وبينما كان يسرج حماره قالت امرأة هدّاد لزوجها: هوذا هذا الرجل قد مكث معنا يومين يأكل ويشرب ولم يعطنا شيئًا، أفيمضي عنا الآن دون أن يعطي شيئًا؟ فقال لها هدّاد: اصمتي.

مطالبة الضيف بأمتعته وادعاء هدّاد تفسير الأحلام وطلب الأجر

28

فسرّج الرجل حماره لينطلق، وسأل هدّاد أن يعطيه الحبل والحُلّة ليربطها على الحمار.

29

فقال له هدّاد: ماذا تقول؟ فقال له: أن تُعطيني يا سيدي الحبل والحُلّة المصنوعة بألوانٍ شتّى التي أخفيتها لديك في بيتك لتحفظها لي.

30

فأجابه هدّاد قائلًا: هذا تفسير حلمك؛ فالحبل الذي رأيته معناه أن حياتك ستطول كالحبل، وأما رؤيتك الحُلّة الملوّنة بكل الألوان فمعناها أن لك كرمًا ستغرس فيه أشجارَ كلِّ الثمار.

31

فأجاب المسافر قائلًا: ليس الأمر كذلك يا سيدي، فإني كنتُ مستيقظًا حين أعطيتك الحبل وكذلك حُلّةً منسوجة بألوانٍ مختلفة، وقد نزعتها عن الحمار لتضعها عندك لي. فقال هدّاد: إني حقًّا قد أخبرتك بتفسير حلمك، وهو حلمٌ حسن، وهذا تفسيره.

32

والناس يعطونني أربع قطعٍ من الفضة، وهو أجري على تفسير الأحلام، وأما أنت فلا أطلب منك إلا ثلاث قطعٍ من الفضة.

33

فاستشاط الرجل غضبًا من كلام هدّاد، وصرخ بمرارة، وأتى به إلى سيراق قاضي سدوم.

محاكمة أمام قاضي سدوم وخلاف مستمر ثم طرد الغريب

34

وعرض الرجل دعواه أمام سيراق القاضي، فأجاب هدّاد قائلًا: ليس الأمر كذلك، بل هكذا الحال. فقال القاضي للمسافر: إن هذا الرجل هدّاد يقول لك الحق، فإنه مشهورٌ في المدن بدقّة تفسير الأحلام.

35

فصرخ الرجل عند كلام القاضي وقال: ليس كذلك يا سيدي، فإنني في النهار أعطيته الحبل والحُلّة التي كانت على الحمار ليضعهما في بيته. وتخاصما كلاهما أمام القاضي، هذا يقول: هكذا جرى الأمر، وذاك يقول بخلافه.

36

فقال هدّاد للرجل: أعطني أربع قطعٍ من الفضة وهو أجري على تفسيري للأحلام؛ لا أُسقِط لك شيئًا؛ وأعطني نفقةَ الوجبات الأربع التي أكلتَها في بيتي.

37

فقال الرجل لهدّاد: حقًّا سأدفع لك ثمن ما أكلته في بيتك، فقط أعطني الحبل والحُلّة اللذين أخفيتهما في بيتك.

38

فأجاب هدّاد أمام القاضي وقال للرجل: ألم أخبرك بتفسير حلمك؟ فالحبل معناه أن أيامك ستطول كالحبل، والحُلّة أنك سيكون لك كرمٌ تغرس فيه كلَّ أنواع أشجار الفاكهة.

39

هذا هو التفسير الصحيح لحلمك، فالآن أعطني القطع الأربع من الفضة التي أطلبها تعويضًا، فإني لا أُسقِط لك شيئًا.

40

فصرخ الرجل عند كلام هدّاد، وتخاصما كلاهما أمام القاضي، فأمر القاضي خدّامه فطردوهما بعنفٍ من البيت.

41

فخرجا متخاصمَين من عند القاضي، فلما سمع بهما أهل سدوم، تجمّعوا حولهما، وصاحوا على الغريب، وطردوه بعنفٍ من المدينة.

رحيل المسافر حزينًا يندب ما لقيه في مدينة سدوم

42

فواصل الرجل رحلته على حماره ومرارةُ نفسه معه، يندب ويبكي.

43

وبينما هو ماضٍ في طريقه كان يبكي على ما جرى له في مدينة سدوم الفاسدة.