قضاة سدوم وعرف الأسِرّة القسرية ونفور الوافدين عنهم

1

وكان لمدن سدوم أربعة قضاة لأربع مدن، وهذه أسماؤهم: سيراك في مدينة سدوم، وشاركاد في عمورة، وزابناق في أدمة، ومنون في صبوييم.

2

وأطلق أليعازر خادم إبراهيم عليهم أسماء أخرى، فحوّل سيراك إلى شَكْرَة، وشاركاد إلى شكرورة، وزابناق إلى كِزوبِيم، ومنون إلى مَتزلودين.

3

وبإرادة قضاهم الأربعة نصب أهل سدوم وعمورة أسِرّة في شوارع المدن، فإذا جاء رجل إلى تلك الأمكنة أمسكوه وأتوا به إلى أحد أسِرّتهم، وأجبروه قسرًا أن يضطجع فيها.

4

وحين يضطجع، يقف ثلاثة رجال عند رأسه وثلاثة عند قدميه، ويقيسونه على طول السرير؛ فإن كان الرجل أقصر من السرير مدّده هؤلاء الستة من طرفيه، وإذا صرخ إليهم لا يجيبونه.

5

وإن كان أطول من السرير ضمّوا جانبي السرير عند كل طرف، حتى يبلغ الرجل أبواب الموت.

6

وإن استمر يصرخ إليهم أجابوه قائلين: هكذا يُفعل لكل من يأتي إلى أرضنا.

7

ولما سمع الناس بكل هذه الأفعال التي صنعها أهل مدن سدوم امتنعوا عن المجيء إليها.

عرف المال دون خبز ونهب متاع الفقراء بعد موتهم

8

وإذا جاء فقير إلى أرضهم أعطوه فضة وذهبًا، وأطلقوا مناداة في المدينة كلها ألا يُعطى لقمة خبز ليأكل؛ فإن أقام الغريب هناك أيامًا ومات جوعًا لعجزه عن الحصول على لقمة خبز، فعند موته يأتي جميع أهل المدينة ويأخذون الفضة والذهب اللذين كانوا قد أعطوه إيّاهما.

9

ومن تعرّف على فضته أو ذهبه الذي أعطاه إيّاه أخذه، وعند موته جرّدوه أيضًا من ثيابه، ويتقاتلون عليها، فمن غلب صاحبه أخذها.

10

ثم يحملونه بعد ذلك ويدفنونه تحت بعض الشجيرات في البراري؛ وهكذا فعلوا كل الأيام بكل من يأتيهم ويموت في أرضهم.

مهمة أليعازر إلى سدوم واعتداؤهم عليه أثناء إنقاذ فقير

11

ومع مرور الوقت أرسلت سارةُ أليعازر إلى سدوم ليرى لوطًا ويسأل عن سلامته.

12

وذهب أليعازر إلى سدوم، فالتقى رجلًا من سدوم يتشاجر مع غريب، فجَرّد رجلُ سدوم الفقيرَ من كل ثيابه ومضى.

13

فصرخ هذا الفقير إلى أليعازر وتضرّع إليه بسبب ما فعله به رجل سدوم.

14

وقال له: لِمَ تفعل هكذا بالفقير الذي جاء إلى أرضك؟

15

فأجاب رجلُ سدوم أليعازر قائلًا: أأخوك هذا الرجل، أم جعلك أهلُ سدوم قاضيًا اليوم حتى تتكلم بشأن هذا الرجل؟

16

وخاصم أليعازر رجلَ سدوم من أجل الفقير، ولما دنا أليعازر ليسترد ثياب الفقير من رجل سدوم، أسرع ذاك وضرب أليعازر بحجر على جبهته.

عرف الأجرة على الجرح وحكم القاضي ورد أليعازر

17

فجرى الدم بغزارة من جبهة أليعازر، ولما رأى الرجل الدم أمسك بأليعازر وقال: أعطني أُجرتي لأني خلّصتك من هذا الدم الفاسد الذي في جبهتك، فهكذا هو العُرف والشريعة في أرضنا.

18

فقال له أليعازر: أنت جرحتني وتطلب مني أن أدفع لك أجرتك! ولم يصغِ أليعازر إلى كلام رجل سدوم.

19

فأمسك الرجل بأليعازر وجاء به إلى شَكْرَة قاضي سدوم للحكم.

20

وكلم الرجلُ القاضي قائلًا: أتوسل إليك يا سيدي، هكذا فعل هذا الرجل، فقد ضربتُه بحجر حتى سال الدم من جبهته، وهو غير مستعد أن يعطيني أجرتي.

21

فقال القاضي لأليعازر: هذا الرجل يصدقك الحديث، فأعطه أجرته، لأن هذا هو العُرف في أرضنا. فلما سمع أليعازر كلام القاضي رفع حجرًا وضرب القاضي، فأصاب الحجر جبهته، وسال الدم بغزارة من جبهة القاضي، وقال أليعازر: إن كان هذا إذن عرف أرضكم فأعطِ أنت هذا الرجل ما كنتُ سأعطيه، فهذا حكمك، أنت قضيت به.

22

وترك أليعازر رجلَ سدوم مع القاضي ومضى.

إنقاذ لوط في حرب عيلام ثم ولادة فلطيث وزواجها

23

ولما حارب ملوكُ عيلام ملوكَ سدوم، استولى ملوكُ عيلام على كل ممتلكات سدوم، وأخذوا لوطًا أسيرًا مع أملاكه؛ فلما أُخبر إبراهيم ذهب وحارب ملوك عيلام، واستخلص من أيديهم كل ممتلكات لوط وكذلك ممتلكات سدوم.

24

في ذلك الوقت ولدت امرأةُ لوط له ابنة، فسمّاها فلطيث، قائلًا: لأن الله أنقذه وبيته كله من ملوك عيلام. وكبرت فلطيث بنت لوط، فأخذها أحد رجال سدوم زوجة.

فلطيث تطعم فقيرًا سرًا وتنكشف حيلتها أمام مراقبين

25

وجاء فقير إلى المدينة يلتمس معاشًا، وأقام في المدينة أيامًا، فأطلق جميع أهل سدوم مناداة بعرفهم ألا يُعطى هذا الرجل لقمة خبز ليأكل، حتى يسقط ميتًا على الأرض، وفعلوا كذلك.

26

فرأت فلطيث بنت لوط هذا الرجل مطروحًا في الشوارع يتلوى جوعًا، ولا يعطيه أحد شيئًا يُبقِي على حياته، وكان على شفا الموت.

27

فامتلأت نفسها رأفة على الرجل، فأطعمته خبزًا سرًا أيامًا كثيرة، فانتعشت نفس ذلك الرجل.

28

فإنها حين كانت تخرج لتستقي كانت تضع الخبز في جرّة الماء، فإذا وصلت إلى مكان الرجل الفقير أخرجت الخبز من الجرّة وأعطته ليأكل؛ وهكذا فعلت أيامًا كثيرة.

29

وتعجّب جميع أهل سدوم وعمورة كيف احتمل هذا الرجل الجوع أيامًا كثيرة.

30

وقال بعضهم لبعض: لا بد أنه يأكل ويشرب، إذ لا يستطيع إنسان أن يحتمل الجوع هذه الأيام الكثيرة أو يعيش كما عاش هذا الرجل دون أن تتغير حتى هيئته. فاختبأ ثلاثة رجال في موضع إقامة الرجل الفقير ليعرفوا من الذي يأتيه بالخبز ليأكل.

31

وخرجت فلطيث بنت لوط في ذلك اليوم لتستقي، فجعلت خبزًا في جرّتها من الماء، ومضت لتغرف قرب مكان الرجل الفقير، فأخرجت الخبز من الجرّة وأعطته للفقير فأكله.

محاكمة فلطيث بتهمة الإعالة السرية وإعدامها حرقًا علنًا

32

فرأى الرجال الثلاثة ما فعلته فلطيث بالرجل الفقير، وقالوا لها: إذًا أنتِ التي عُلْتِهِ، ولذلك لم يجُع، ولا تغيّرت هيئته، ولا مات كسائرهم.

33

وخرج الرجال الثلاثة من المكان الذي اختبؤوا فيه، وقبضوا على فلطيث وعلى الخبز الذي كان في يد الرجل الفقير.

34

وأخذوا فلطيث وأحضروها أمام قضاتهم، وقالوا لهم: هكذا فعلت، وهي التي زوّدت الرجل الفقير خبزًا، لذلك لم يمت كل هذا الوقت؛ فالآن أعلنوا لنا العقوبة المستحقّة لهذه المرأة لأنها تعدّت شريعتنا.

35

فاجتمع أهل سدوم وعمورة وأضرموا نارًا في شارع المدينة، وأخذوا المرأة وطرحُوها في النار فاحترقت حتى صارت رمادًا.

جريمة إطعام مسافر في أدمة وعقوبة النحل المؤلمة

36

وفي مدينة أدمة كانت امرأة فعلوا بها مثل ذلك.

37

إذ جاء مسافر إلى مدينة أدمة ليبيت هناك ليلته بنيّة أن يرجع في الصباح، فجلس قبالة باب بيت أبي الشابة ليبقى هناك، إذ كانت الشمس قد غربت حين بلغ ذلك المكان؛ فرأت الشابةُ الرجلَ جالسًا عند باب البيت.

38

وطلب منها شربة ماء، فقالت له: من أنت؟ فقال لها: كنت اليوم أسير في الطريق، ولما غربت الشمس بلغتُ إلى هنا، فسأبيت هنا الليلة، وفي الصباح أنهض مُبكّرًا وأتابع سفري.

39

فدخلت الشابةُ البيت وجاءت للرجل بخبز وماء ليأكل ويشرب.

40

وشاع هذا الأمر بين أهل أدمة، فاجتمعوا وأحضروا الشابة أمام القضاة ليحكموا عليها على هذا الفعل.

41

فقال القاضي: يجب أن يُنفَّذ على هذه المرأة حكمُ الموت لأنها تعدّت شريعتنا، وهذا إذن قضاؤنا بشأنها.

42

فاجتمع أهل تلك المدن وأخرجوا الشابة، وطلوها بالعسل من رأسها إلى قدمها كما قضى القاضي، ووضعوها أمام سربٍ من النحل كان في خلاياه، فطارت عليها النحل ولسعتها حتى تورّم جسدها كله.

43

وصرخت الشابة بسبب النحل، فلم يلتفت إليها أحد ولم يرحمها، وصعد صراخها إلى السماء.

غضب الرب وإرسال الملاكين ونزولهما وضيافة لوط لهما

44

فاغتاظ الرب من هذا ومن كل أعمال مدن سدوم، إذ كان عندهم وفرةُ طعام، وكانت بينهم سكينة، ومع ذلك لم يعولوا الفقير والمسكين؛ وفي تلك الأيام عظمت شرورهم وخطاياهم أمام الرب.

45

فأرسل الرب ملاكين من الذين جاءوا إلى بيت إبراهيم ليُهلِكا سدوم ومدنها.

46

فقام الملائكة من عند باب خيمة إبراهيم بعد أن أكلوا وشربوا، وبلغوا سدوم في المساء، وكان لوط حينئذٍ جالسًا في باب سدوم، فلما رآهم قام لاستقبالهم وسجد إلى الأرض.

47

وألحّ عليهم كثيرًا فأدخلهم بيته، وقدّم لهم طعامًا فأكلوا، وباتوا ليلتهم في بيته.

إنذار بالخروج العاجل ثم إسقاط الكبريت والنار على المدن

48

وقال الملائكة للوط: قم، اخرج من هذا الموضع أنت وكل من لك، لئلا تُستأصل بإثم هذه المدينة، لأن الرب سيهلك هذا الموضع.

49

وأمسك الملائكة بيد لوط ويد امرأته وبأيدي أولاده وكل من له، وأخرجوه وجعلوه خارج المدن.

50

وقالوا للوط: اهرب لحياتك. فهرب هو وكل من له.

51

ثم أمطر الرب على سدوم وعمورة وعلى كل تلك المدن كبريتًا ونارًا من عند الرب من السماء.

التفات زوجة لوط وصيرورتها ملحًا وفرار الأسرة للمغارة

52

وقلب هذه المدن والسهل كله وجميع سكان المدن وكل ما كان ينبت على الأرض؛ ونظرت عادو امرأةُ لوط إلى وراء لترى هلاك المدن، إذ تحركت شفقتها على بناتها اللواتي بقين في سدوم، لأنهن لم يخرجن معها.

53

ولما نظرت إلى وراء صارت عمود ملح، وهو قائم في ذلك الموضع إلى هذا اليوم.

54

وكانت البقر التي تقوم في ذلك الموضع تلحس الملح يوميًا حتى أطراف أقدامها، وفي الصباح كان يتجدّد، ثم تعود فتلحسه إلى هذا اليوم.

55

وفرّ لوط وابنتان له بقيتا معه ونجوا إلى مغارة عدلام، ومكثوا هناك زمنًا.

إبراهيم يراقب تصاعد دخان السهول بعد خراب المدن

56

وبكّر إبراهيم في الغد لينظر ما جرى لمدن سدوم؛ فنظر وإذا دخان المدن يصعد كدخان الأتون.

سكنى المغارة وإنجاب موآب وبن عمي وتكاثر نسل لوط

57

وأقام لوط وابنتاه في المغارة، فسقتا أباهما خمرًا واضطجعتا معه، إذ قالتا: ليس على الأرض رجل يقيم لنا نسلًا، لأنهما ظنّتا أن الأرض كلها قد هلكت.

58

فاضطجعتا كلتاهما مع أبيهما، فحبلتا وولدتا بنين؛ فسمّت البكر ابنها موآب قائلة: من أبي حبلتُ به؛ وهو أبو الموآبيين إلى هذا اليوم.

59

وسمّت الصغرى أيضًا ابنها بن عمي؛ وهو أبو بني عمون إلى هذا اليوم.

60

وبعد هذا مضى لوط وابنتاه من هناك، وأقام عبر الأردن مع ابنتيه وأبنائهما؛ وكبر بنو لوط، فذهبوا واتخذوا لأنفسهم نساءً من أرض كنعان، وأنجبوا بنين وبنات وأثمروا وكثروا.