عودة يعقوب إلى شكيم وقلق ملوك كنعان وتجمّعهم للحرب

1

وفي السنة الخامسة بعد المئة من عمر يعقوب، وهي السنة التاسعة لإقامة يعقوب مع أولاده في أرض كنعان، جاء من فدان-أرام.

2

وفي تلك الأيام سار يعقوب مع أولاده من حبرون، وذهبوا ورجعوا إلى مدينة شكيم، هم وكل ما يخصهم، وأقاموا هناك، لأن بني يعقوب وجدوا مرعى جيداً خصباً لمواشيهم في مدينة شكيم، وكانت مدينة شكيم قد أعيد بناؤها حينئذ، وكان فيها نحو ثلاثمئة رجل وامرأة.

3

وأقام يعقوب وبنوه وكل من له في جزء الحقل الذي اشتراه يعقوب من حامور أبي شكيم، حين جاء من فدان-أرام، قبل أن يضرب شمعون ولاوي المدينة.

4

وسمع جميع أولئك الملوك من الكنعانيين والأموريين المحيطين بمدينة شكيم أن بني يعقوب قد عادوا إلى شكيم وأقاموا هناك.

5

فقالوا: هل يعود بنو يعقوب العبراني إلى المدينة ويسكنون فيها بعدما ضربوا سكانها وطردوهم؟ أفيعودون الآن أيضاً ليطردوا الساكنين في المدينة أو ليقتلوهم؟

6

فاجتمع ملوك كنعان مرة أخرى وتآلفوا ليحاربوا يعقوب وبنيه.

نداء ياشوب لحلفائه وتجميع الجيوش وإعلان التحدي لبني يعقوب

7

وأرسل ياشوب ملك تفنح أيضاً إلى جميع الملوك القريبين منه، إلى إيلان ملك جاعش، وإهوري ملك شيلوه، وفاراتون ملك حصر، وسوسي ملك سرتون، ولابان ملك بيت حورون، وشابير ملك أثناي-ماه، يقول:

8

اصعدوا إليّ وساعدوني، ولنضرب يعقوب العبراني وبنيه وكل ما له، لأنهم قد عادوا إلى شكيم لامتلاكها وقتل سكانها كما من قبل.

9

فاجتمع كل هؤلاء الملوك معاً وجاؤوا بكل معسكراتهم، شعباً كثيراً جداً كالرمل الذي على شاطئ البحر، ووقفوا جميعاً قبالة تفنح.

10

وخرج ياشوب ملك تفنح إليهم بكل جيشه، فنزل معهم قبالة تفنح خارج المدينة، وقسم جميع أولئك الملوك إلى سبعة أقسام، سبعة معسكرات ضد بني يعقوب.

11

وأرسلوا تصريحاً إلى يعقوب وابنه يقول: اخرجوا إلينا جميعكم لكي نلتقي معاً في السهل، ولنثأر لقضية رجال شكيم الذين قتلتموهم في مدينتهم، وها أنتم عائدون الآن مرة أخرى إلى مدينة شكيم لتقيموا فيها وتقتلوا سكانها كما من قبل.

استعداد بني يعقوب وصلاة يعقوب وعلامات تُلقي الرعب بالخصوم

12

فلما سمع بنو يعقوب ذلك، حمي غضبهم جداً من كلام ملوك كنعان، فأسرع عشرة من بني يعقوب وقاموا، وتمنطق كل واحد منهم بأسلحة الحرب؛ وكان معهم مئة واثنان من عبيدهم مجهزين في صفوف القتال.

13

وخرج هؤلاء جميعاً، بنو يعقوب مع عبيدهم، متجهين نحو أولئك الملوك، وكان أبوهم يعقوب معهم، ووقفوا جميعاً على تلّ شكيم.

14

وصلّى يعقوب إلى الرب لأجل بنيه، وبسط يديه إلى الرب وقال: يا الله، أنت الإله القدير، أنت أبونا، أنت جبلتنا ونحن صنع يديك؛ أسألك أن تنقذ أبنائي برحمتك من يد أعدائهم، الذين يأتون اليوم ليحاربونهم، وأن تخلّصهم من يدهم، لأن في يدك قدرة وبأس لتخلّص القليل من الكثير.

15

وأعطِ بنيّ عبيدك قوة قلب وبأساً ليحاربوا أعداءهم، ويخضعوهم، ويجعلوا أعداءهم يسقطون أمامهم، ولا تدع بنيّ وعبيدهم يموتون بأيدي بني كنعان.

16

ولكن إن حسُن في عينيك أن تأخذ نفوس بنيّ وعبيدهم، فخذهم برحمتك العظمى على أيدي ملائكتك، لكي لا يهلكوا اليوم بأيدي ملوك الأموريين.

17

ولما فرغ يعقوب من الصلاة إلى الرب، اهتزت الأرض من مكانها، وأظلمت الشمس، فارتاع جميع أولئك الملوك واستولى عليهم ذعر عظيم.

18

واستجاب الرب لصلاة يعقوب، وطبع الرب في قلوب جميع الملوك وجنودهم رعب وهيبة من بني يعقوب.

هيبة سماعية على الملوك وتقدّم بني يعقوب ودعاؤهم للقتال

19

لأن الرب جعلهم يسمعون صوت المركبات وصوت الخيل القوية من جهة بني يعقوب، وصوت جيش عظيم مرافق لهم.

20

فأخذ الرعب الشديد هؤلاء الملوك من بني يعقوب، وبينما هم واقفون في مواقعهم إذا ببني يعقوب يتقدمون عليهم، وهم مئة واثنا عشر رجلاً، بصياح عظيم مزلزل.

21

ولما رأى الملوك بني يعقوب متقدمين نحوهم ازداد هلعهم، ومالوا إلى الارتداد من أمام بني يعقوب كما في الأول، وألا يقاتلوهم.

22

لكنهم لم يتراجعوا، قائلين: يكون عاراً علينا أن نرتد هكذا مرتين من أمام العبرانيين.

23

ودنا بنو يعقوب وتقدّموا على جميع هؤلاء الملوك وجيوشهم، فرأوا، وإذا هم شعب شديد جداً، كثيرون كالرمل الذي على البحر.

24

وصرخ بنو يعقوب إلى الرب وقالوا: أعنّا يا رب، أعنّا واستجب لنا، لأننا عليك نتّكل، ولا تدعنا نموت بأيدي هؤلاء غير المختونين الذين جاءوا اليوم علينا.

25

وتمنطق بنو يعقوب بأسلحة الحرب، وأخذ كل واحدٍ منهم ترسه ومزراقه بيده، ودنوا إلى القتال.

اندفاع يهوذا أولاً ومواجهة ياشوب المدرّع وإحباط سهامه إلهياً

26

وكان يهوذا بن يعقوب أول من ركض أمام إخوته، ومعه عشرة من عبيده، وذهب نحو هؤلاء الملوك.

27

وخرج ياشوب ملك تفنح أيضاً أولاً بجيشه أمام يهوذا، فلما رأى يهوذا ياشوب وجيشه مقبلين عليه، حمي غضب يهوذا والتهمه غيظه في داخله، واقترب إلى القتال الذي خاطر فيه يهوذا بحياته.

28

وكان ياشوب وجيشه يتقدمون نحو يهوذا، وكان راكباً فرساً شديداً قوياً جداً، وكان ياشوب رجلاً بطلاً جداً، مغشّىً بالحديد والنحاس من رأسه إلى قدمه.

29

وبينما هو على الفرس كان يرشق السهام بكلتا يديه من أمام ومن وراء، على عادته في جميع حروبه، ولم يكن يخطئ الموضع الذي يصوّب إليه سهامه.

30

ولما جاء ياشوب ليقاتل يهوذا وكان يقذف سهاماً كثيرة على يهوذا، قيّد الرب يد ياشوب، فارتدّت جميع السهام التي رماها على رجاله أنفسهم.

31

ومع ذلك كان ياشوب لا يزال يتقدم نحو يهوذا ليقارعه بالسهام، وكانت المسافة بينهما نحو ثلاثين ذراعاً؛ فلما رأى يهوذا ياشوب يطلق سهامه عليه، ركض إليه بقوة غضبه المتأججة.

إسقاط يهوذا لياشوب وذعر الملوك وفرار معسكر تفنح

32

وأخذ يهوذا حجراً كبيراً عن الأرض، وكان وزنه ستون شاقلاً، وركض نحو ياشوب، وبالحجر ضرب ترسه، فبُهِت ياشوب من الضربة وسقط عن فرسه إلى الأرض.

33

وانشقّ الترس من يد ياشوب، وبفعل قوة الضربة قفز مسافة نحو خمسة عشر ذراعاً، وسقط الترس أمام المعسكر الثاني.

34

ورأى الملوك الذين جاءوا مع ياشوب من بعيد بأس يهوذا بن يعقوب وما فعله بياشوب، فخافوا خوفاً شديداً من يهوذا.

35

واجتمعوا قريباً من معسكر ياشوب لما رأوا اضطرابه، واستل يهوذا سيفه وضرب اثنين وأربعين رجلاً من معسكر ياشوب، فهرب معسكر ياشوب كله أمام يهوذا، ولم يقف أحد في وجهه، وترَكوا ياشوب وهربوا عنه، وكان ياشوب لا يزال مطروحاً على الأرض.

مبارزة حاسمة بين يهوذا وياشوب تنتهي بقطع رأس الملك

36

فلما رأى ياشوب أن جميع رجال معسكره قد هربوا منه، أسرع وقام برعبٍ تجاه يهوذا، ووقف على قدميه مقابل يهوذا.

37

وكانت لياشوب مبارزة مع يهوذا، إذ جعلا الترس إلى الترس، وقد هرب رجال ياشوب كلهم لأنهم خافوا جداً من يهوذا.

38

وأخذ ياشوب رمحه بيده ليضرب يهوذا على رأسه، لكن يهوذا أسرع فوضع ترسه على رأسه قبالة رمح ياشوب، حتى تلقى ترس يهوذا الضربة من رمح ياشوب، فانشقّ الترس نصفين.

39

ولما رأى يهوذا أن ترسه قد انشقّ، بادر فاستل سيفه وضرب ياشوب عند كعبيه، فقطع قدميه فسقط ياشوب على الأرض، وسقط الرمح من يده.

40

وسرعان ما التقط يهوذا رمح ياشوب، وبه قطع رأسه وألقاه بجانب قدميه.

هجوم شامل لبني يعقوب بعد مقتل ياشوب وتجريد القتلى

41

ولما رأى بنو يعقوب ما صنعه يهوذا بياشوب، اندفعوا جميعاً إلى صفوف الملوك الآخرين، وقاتل بنو يعقوب جيش ياشوب وجيوش جميع الملوك الذين هناك.

42

وأوقع بنو يعقوب من رجالهم خمسة عشر ألفاً، وكانوا يضربونهم كمن يضرب القرع، وأما الباقون فهربوا بحياتهم.

43

وكان يهوذا لا يزال واقفاً عند جثة ياشوب، فنزع عن ياشوب درع الزرد.

44

وأخذ يهوذا أيضاً الحديد والنحاس اللذين على ياشوب، وإذا بتسعة رجال من قادة ياشوب يأتون ليقاتلوا يهوذا.

مطاردة يهوذا لقادة ياشوب وتهاوي الجيوش وتثبّت الملوك عبثاً

45

فأسرع يهوذا وأخذ حجراً من الأرض، وضرب به أحدهم على رأسه، فتهشمت جمجمته، وسقط جسده أيضاً عن الفرس إلى الأرض.

46

فخاف القادة الثمانية الباقون جداً لما رأوا بأس يهوذا، فهربوا، وطاردهم يهوذا مع عشرة من رجاله، فأدركوهم وقتلوهم.

47

وكان بنو يعقوب لا يزالون يضربون جيوش الملوك، فقتلوا كثيرين منهم؛ وأما أولئك الملوك فثبتوا بجرأة مع قادتهم ولم يبرحوا أماكنهم، وصاحوا في وجوه رجال جيوشهم الذين هربوا من أمام بني يعقوب، فلم يصغِ إليهم أحد، لأنهم خافوا على حياتهم لئلا يموتوا.

48

وبعد أن ضرب بنو يعقوب جيوش الملوك، رجعوا وجاؤوا أمام يهوذا، وكان يهوذا لا يزال يقتل القادة الثمانية لياشوب وينزع عنهم ثيابهم.

لاوي يفطن للمباغتة ويقضي على إيلون وأربعة عشر قائداً

49

ورأى لاوي إيلون ملك جاعش مقبلاً نحوه، ومعه أربعة عشر قائداً ليضربه، لكن لاوي لم يكن يعلم ذلك يقيناً.

50

ولما اقترب إيلون مع قادته أكثر، التفت لاوي إلى الوراء ورأى أن القتال قد شُنّ عليه من خلفه، فركض لاوي ومعه اثنا عشر من عبيده، فذهبوا وقتلوا إيلون وقادته بحد السيف.