هجوم تابنح بعد الخروج ومطاردة إلى أربيلان وتوزيع المهام
ولما خرج بنو يعقوب من مدينة سارتون، كانوا قد ابتعدوا نحو مئتي ذراع، فإذا بسكان تابنح آتين نحوهم، لأنهم خرجوا لقتالهم، إذ كانوا قد ضربوا ملك تابنح وكل رجاله.
فخرج كل من بقي في مدينة تابنح لقتال بني يعقوب، وظنوا أنهم يستردون منهم الغنائم والسلب اللذين أخذوهما من خزار وسارتون.
وقاتل بقية رجال تابنح بني يعقوب في ذلك الموضع، فضربهم بنو يعقوب ففرّوا أمامهم، وطاردوهم إلى مدينة أربيلان، فسقطوا جميعًا أمام بني يعقوب.
ورجع بنو يعقوب إلى تابنح ليأخذوا غنائمها، فلما جاءوا إلى تابنح سمعوا أن أهل أربيلان خرجوا لملاقاتهم لينقذوا غنائم إخوتهم، فترك بنو يعقوب عشرة من رجالهم في تابنح ليسلبوا المدينة، وخرجوا نحو أهل أربيلان.
انهيار أربيلان بعد صياح بني يعقوب وقتال حتى المساء
وخرج رجال أربيلان مع نسائهم لقتال بني يعقوب، إذ كانت نساؤهم خبيرات بالحرب، فخرجوا نحو أربعمئة رجل وامرأة.
فصرخ جميع بنو يعقوب بصوت عظيم، وركضوا كلهم نحو سكان أربيلان بصوت هائل ومهيب.
فسمع سكان أربيلان ضجيج صياح بني يعقوب، وزئيرهم كصوت الأسود وكهدير البحر وأمواجه.
فملك الخوف والرعب قلوبهم بسبب بني يعقوب، واشتدّ عليهم الوجل، فتراجعوا وهربوا أمامهم إلى المدينة، وطاردهم بنو يعقوب إلى باب المدينة ودخلوا عليهم فيها.
فقاتل بنو يعقوب معهم في المدينة، وكانت جميع نسائهم يرمين بالمقاليع على بني يعقوب، واشتد القتال بينهم جدًا طوال ذلك اليوم حتى المساء.
ولم يقدر بنو يعقوب أن يغلبوهم، وكاد بنو يعقوب يهلكون في تلك المعركة، فصرخوا إلى الرب، فقوي عزمهم جدًا نحو المساء، فضرب بنو يعقوب جميع سكان أربيلان بحد السيف، رجالًا ونساءً وصغارًا.
وكذلك بقية الشعب الذين هربوا من سارتون، ضربهم بنو يعقوب في أربيلان، وصنع بنو يعقوب بأربيلان وتابنح كما صنعوا بخزار وسارتون. ولما رأت النساء أن جميع الرجال قد ماتوا، صعدن إلى سطوح المدينة وأمطَرن بني يعقوب حجارة كالمطر.
فسارع بنو يعقوب ودخلوا المدينة وأمسكوا جميع النساء وضربوهن بحد السيف، وأخذ بنو يعقوب كل الغنائم والسلب، والقطعان من غنم وبقر وسائر الماشية.
إتمام السلب ثم تسلّح لبني يعقوب ووصف حصانة جاعش
وصنع بنو يعقوب بمخنايماه كما صنعوا بتابنح وخزار وشيلوه، ثم انصرفوا من هناك ومضوا.
وفي اليوم الخامس سمع بنو يعقوب أن أهل جاعش قد تجمّعوا عليهم للقتال، لأنهم قتلوا ملكهم ورؤساءهم، إذ كان في مدينة جاعش أربعة عشر قائدًا، وقد قتلهم بنو يعقوب جميعًا في المعركة الأولى.
فتسلّح بنو يعقوب في ذلك اليوم بأسلحة الحرب، وساروا للقتال ضد سكان جاعش. وكان في جاعش شعب قوي شديد من الأموريين، وكانت جاعش أقوى وأحكم حصانة من جميع مدن الأموريين، ولها ثلاثة أسوار.
وصول جاعش، أبواب مغلقة ومكمن خلفي يحاصر بني يعقوب
فجاء بنو يعقوب إلى جاعش فوجدوا أبواب المدينة مغلقة، ونحو خمسمئة رجل قائمين على قمة السور الخارجي الأبعد، وكان قوم عددهم كالرمل الذي على شاطئ البحر في كمين لبني يعقوب خارج المدينة من خلفها.
فتقدّم بنو يعقوب ليفتحوا أبواب المدينة، وبينما هم يدنون، إذا بالذين في الكمين خلف المدينة خرجوا من أماكنهم وأحاطوا ببني يعقوب.
فصار بنو يعقوب محصورين بين أهل جاعش، والقتال أمامهم ومن ورائهم، وكل الرجال الذين على السور كانوا يرمون عليهم من فوق السور سهامًا وحجارة.
صرخة يهوذا تربكهم، ثم فشل كسر الأبواب وتراجع مؤقت
فلما رأى يهوذا أن رجال جاعش قد ثقلوا عليهم، أطلق صرخة حادة هائلة، فارتاع كل رجال جاعش لصوت صرخة يهوذا، وسقط رجال من على السور لصرخته القوية، وخاف الذين من خارج المدينة وداخلها جدًا على حياتهم.
وما زال بنو يعقوب يدنون ليكسروا أبواب المدينة، حين ألقى رجال جاعش عليهم الحجارة والسهام من أعلى السور، فأجبروهم على الفرار عن الباب.
فعاد بنو يعقوب على رجال جاعش الذين كانوا خارج المدينة، فضربوهم ضربًا شديدًا، كما تُضرب القِرَع، فلم يقدروا أن يثبتوا أمام بني يعقوب، لأن الرعب والخوف قد استولى عليهم منذ صرخة يهوذا.
وقتل بنو يعقوب جميع أولئك الرجال الذين كانوا خارج المدينة، وتقدّموا مرة أخرى ليفتحوا لأنفسهم مدخلًا إلى المدينة وليقاتلوا تحت أسوارها، فلم يستطيعوا، لأن جميع سكان جاعش الذين بقوا في المدينة كانوا قد أحاطوا بأسوار جاعش من كل جهة، حتى إن بني يعقوب لم يقدروا أن يقتربوا من المدينة ليقاتلوهم.
ولما دنا بنو يعقوب إلى زاوية من السور ليقاتلوا تحت الحائط، رمى عليهم سكان جاعش سهامًا وحجارة كوابِل المطر، ففرّوا من تحت السور.
تعريض سكان جاعش واستفزازهم ورمي متواصل من فوق الأسوار
ورأى أهل جاعش الذين على السور أن بني يعقوب لا يقدرون عليهم من تحت السور، فعَيّروهم بكلمات كهذه قائلين:
ما بكم في القتال حتى لا تقدرون أن تغلبوا؟ أفتستطيعون أن تصنعوا بمدينة جاعش العظيمة وسكانها كما صنعتم بمدن الأموريين التي لم تكن بتلك القوة؟ إنما بتلك الضعفاء منا فعلتم ذلك، وقتلتموهم عند مدخل المدينة، إذ لم تكن لهم قوة لما ارتاعوا من صوت صياحكم.
أفهل تقدرون الآن أن تقاتلوا في هذا الموضع؟ حقًا إنكم هنا كلكم تموتون، ونحن سننتقم لقضية تلك المدن التي خربتموها.
فبالغ سكان جاعش في تعيير بني يعقوب وشتموهم بآلهتهم، واستمروا يقذفون عليهم من السور سهامًا وحجارة.
اندفاعة يهوذا إلى السور، صرخات وإسناد بالسهام تقلب الموقف
فلما سمع يهوذا وإخوته كلام سكان جاعش، استشاط غضبهم، وغار يهوذا لله في هذا الأمر، فصاح قائلًا: يا رب أعنّا، أرسل عونًا لنا ولإخوتنا.
وركض مسافة بكل قوته وسيفه مسلول بيده، ثم قفز من الأرض، وبقوة بأسه اعتلى السور، فسقط سيفه من يده.
وصرخ يهوذا على السور، فارتاع جميع الرجال الذين كانوا على السور، وسقط بعضهم من السور إلى داخل المدينة وماتوا، وأما الذين بقوا على السور، فلما رأوا قوة يهوذا خافوا جدًا وهربوا إلى المدينة يطلبون السلامة.
وتجرّأ بعضهم أن يقاتلوا يهوذا على السور، فتقدّموا ليقتلوه لما رأوا أنه لا سيف في يده، وفكّروا أن يطرحوه من على السور إلى إخوته، وصعد عشرون رجلًا من المدينة لمساعدتهم، فأحاطوا بيهوذا وصرخوا عليه جميعًا، ودنوا منه بسيوف مسلولة، فأرهبوا يهوذا، فصرخ يهوذا إلى إخوته من على السور.
فشدّ يعقوب وبنوه القوس من تحت السور، فأصابوا ثلاثة من الرجال الذين على قمة السور، وما زال يهوذا يصرخ وهو يهتف: يا رب أعنا، يا رب نجّنا، وصرخ بصوت عظيم على السور، فسمع الصراخ من مسافة بعيدة.
وبعد هذه الصرخة عاد يهوذا فهتف مرة أخرى، فارتاع كل الرجال الذين أحاطوا بيهوذا على السور، وألقى كل واحد سيفه من يده لصوت صياح يهوذا ورجفته، وهربوا.
فأخذ يهوذا السيوف التي سقطت من أيديهم، وقاتلهم فقتل عشرين رجلًا على السور.
ثم صعد إلى السور نحو ثمانين رجلًا وامرأة من المدينة، فأحاطوا بيهوذا جميعًا، فألقى الرب هيبة يهوذا في قلوبهم، فلم يقدروا أن يقتربوا منه.
وشدّ يعقوب وكل من معه القوس من تحت السور، فقتلوا عشرة رجال على السور، فسقطوا أسفل السور أمام يعقوب وبنيه.
مبارزة أرود وإصابة يهوذا، وصعود دان غيرةً لنجدته
ولما رأى الذين على السور أن عشرين من رجالهم قد سقطوا، هرعوا مع ذلك نحو يهوذا بسيوف مسلولة، لكنهم لم يقدروا أن يدنوا منه، إذ كانوا مرتاعين جدًا من قوة يهوذا.
فاقترب أحد أبطالهم واسمه أرود ليضرب يهوذا على رأسه بسيفه، فبادر يهوذا فوضع ترسه على رأسه، فأصاب السيف الترس فانشق السيف قسمين.
وبعد أن ضرب يهوذا، هرب ذلك البطل لنفسه، فانزلقت قدماه على السور وسقط بين بني يعقوب الذين كانوا أسفل السور، فضربوه فقتلوه.
وألمّ رأس يهوذا من ضربة ذلك الرجل القوي، وكاد يهوذا يموت منها.
فصرخ يهوذا على السور من الألم الذي سبّبته الضربة، فلما سمعه دان، اشتعل غضبه في داخله، فقام أيضًا وانطلق مسرعًا، وقفز من الأرض واعتلى السور بقوة أثارها غضبه.
انسحاب المدافعين إلى السور الثاني والتحام فوقه وانهيار مواقعهم
ولما صعد دان إلى السور قريبًا من يهوذا، هرب جميع الرجال الذين كانوا قد وقفوا ضد يهوذا، وصعدوا إلى السور الثاني، وألقوا السهام والحجارة على دان ويهوذا من السور الثاني، وحاولوا أن يطردوهما عن السور.
وأصابت السهام والحجارة دان ويهوذا، وكادا يُقتلان على السور، وأينما احتميا من السور هوجما بسهام وحجارة من السور الثاني.
وكان يعقوب وبنوه لا يزالون عند مدخل المدينة أسفل السور الأول، فلم يقدروا أن يشدّوا القوس على سكان المدينة، إذ لم يكونوا يبدون لهم لكونهم على السور الثاني.
ولما لم يعد دان ويهوذا يطيقان الحجارة والسهام الساقطة عليهما من السور الثاني، قفزا كلاهما إلى السور الثاني قريبًا من أهل المدينة، فلما رأى أهل المدينة الذين على السور الثاني أن دان ويهوذا قد وصلا إليهم على السور الثاني، صرخوا جميعًا ونزلوا إلى أسفل بين السورين.
فتح الأبواب واقتحام المدينة ومحاصرة السكان وقتل كثيف
وسمع يعقوب وبنوه ضجيج صياح أهل المدينة، وهم لا يزالون عند مدخلها، فقلقوا على دان ويهوذا لأنهما لم يكونا يبدوان لهم إذ كانا على السور الثاني.
فصعد نفتالي بقوة أثارها غضبه وقفز على السور الأول ليرى سبب الصياح الذي سمعوه في المدينة، ودنا يساكر وزبولون ليكسرا أبواب المدينة، ففتحوا أبواب المدينة ودخلوا المدينة.
وقفز نفتالي من السور الأول إلى الثاني وجاء ليساعد إخوته، فلما رأى سكان جاعش الذين على السور أن نفتالي ثالث من صعد لمعاونة إخوته، هربوا جميعًا ونزلوا إلى المدينة، ودخل يعقوب وجميع بنيه وكل غلمانهم المدينة إليهم.
ونزل يهوذا ودان ونفتالي من السور إلى داخل المدينة وطاردوا سكانها، وكان شمعون ولاوي خارج المدينة ولم يعلما أن الباب قد فُتح، فصعدا من هناك إلى السور ونزلا إلى إخوتهما داخل المدينة.
وكان سكان المدينة قد نزلوا كلهم إلى داخلها، فجاءهم بنو يعقوب من جهات مختلفة، ودار القتال عليهم من الأمام والخلف، فضربهم بنو يعقوب ضربًا شديدًا، وقتلوا نحو عشرين ألفًا من الرجال والنساء، ولم يستطع واحد منهم أن يثبت أمام بني يعقوب.
سيل دماء من جاعش يستنفر بيت خورين للقتال
وجرت الدماء بغزارة في المدينة كجدول ماء، وتدفقت كجدول إلى خارج المدينة، وبلغت برية بيت خورين.
فأبصر أهل بيت خورين من بعيد الدم يجري من مدينة جاعش، فركض نحو سبعين رجلًا منهم ليروا الدم، وجاؤوا إلى الموضع الذي كان فيه الدم.
وتتبعوا مسيل الدم حتى وصلوا إلى سور مدينة جاعش، فرأوا الدم يخرج من المدينة، وسمعوا صوت بكاء سكان جاعش لأنه كان يصعد إلى السماء، وكان الدم لا يزال يجري بغزارة كجدول ماء.
وكان جميع بني يعقوب لا يزالون يضربون سكان جاعش ويقتلونهم إلى المساء، نحو عشرين ألفًا من الرجال والنساء. فقال أهل خورين: حقًا إن هذا عمل العبرانيين، فإنهم ما زالوا يشنّون الحرب في جميع مدن الأموريين.
فسارع أولئك الناس وركضوا إلى بيت خورين، وأخذ كل واحد منهم سلاحه، ونادوا جميع سكان بيت خورين، الذين تسلّحوا هم أيضًا ليذهبوا ويحاربوا بني يعقوب.
ظهور ثلاثة أبطال ومواجهات متتابعة تنتهي بمقتل الأولين
ولما فرغ بنو يعقوب من ضرب سكان جاعش، طافوا في المدينة ليجرّدوا القتلى، وفي دخولهم إلى أقصى المدينة وأبعدها، لقوا ثلاثة رجال أشداء جدًا، ولم يكن في أيديهم سيف.
فأقبل بنو يعقوب إلى المكان الذي كانوا فيه، فهرب أولئك الأشداء، فأمسك أحدهم بزبولون لما رآه فتى صغير القامة، وبقوته صرعه إلى الأرض.
فأسرع يعقوب إليه بسيفه، فضربه أسفل حقويه بالسيف، فقطعه نصفين، فسقط جسده على زبولون.
وتقدّم الثاني وأمسك يعقوب ليصرعه، فالتفت إليه يعقوب وصرخ في وجهه، وفي الأثناء ركض شمعون ولاوي فضرباه على الوركين بالسيف فصرعاه إلى الأرض.
فقام ذلك الرجل القوي عن الأرض بقوة أثارها غضبه، فجاءه يهوذا قبل أن يثبت قائمًا، وضربه على رأسه بالسيف، فانشق رأسه ومات.
مقتل البطل الثالث ثم الغنائم وتكرار مصير مدن الأموريين
ولما رأى الرجل القوي الثالث أن رفيقيه قد قُتلا، هرب من أمام بني يعقوب، فطاردوه في المدينة؛ وبينما كان يفرّ وجد أحد سيوف سكان المدينة، فالتقطه والتفت إلى بني يعقوب وقاتلهم بذلك السيف.
فركض الرجل القوي إلى يهوذا ليضربه على رأسه بالسيف، ولم يكن في يد يهوذا ترس؛ وبينما كان يهمّ بضربه، تناول نفتالي ترسه على عجل ووضعه على رأس يهوذا، فأصاب سيف الرجل القوي ترس نفتالي ونجا يهوذا من السيف.
فانقضّ شمعون ولاوي على ذلك الرجل القوي بسيفيهما، وضرباه ضربًا شديدًا، فدخل السيفان جسده وشقّاه طوليًا إلى قسمين.
وهكذا ضرب بنو يعقوب الأبطال الثلاثة في ذلك الوقت، مع جميع سكان جاعش، وكان النهار يقارب الغروب.
وطاف بنو يعقوب في جاعش وأخذوا كل غنائم المدينة، حتى الصغار والنساء لم يتركوهم أحياء، وصنع بنو يعقوب بجاعش كما صنعوا بسارتون وشيلوه.