انتقال بني يعقوب إلى حبرون ووفاة ليئة وذيوع صيتهم
وعند انقضاء السنة ارتحل بنو يعقوب من شكيم، وجاؤوا إلى حبرون إلى أبيهم إسحاق، وأقاموا هناك. وأما قطعانهم وماشيتهم فكانوا يرعونها كل يوم في شكيم، إذ كان هناك في تلك الأيام مرعى حسن خصيب، وسكن يعقوب وبنوه وكل أهل بيته في وادي حبرون.
وكان في تلك الأيام، في تلك السنة، وهي السنة المئة والسادسة من حياة يعقوب، في السنة العاشرة منذ مجيء يعقوب من فدان أرام، أن ليئة زوجة يعقوب ماتت؛ وكان عمرها إحدى وخمسين سنة حين ماتت في حبرون.
ودفنها يعقوب وبنوه في مغارة حقل المكفيلة التي في حبرون، التي اشتراها إبراهيم من بني حِثّ ملكًا لموضع قبر.
وأقام بنو يعقوب مع أبيهم في وادي حبرون، وعرف جميع سكان الأرض قوتهم، وذاع صيتهم في كل البلاد.
تفضيل يعقوب ليوسف وتعاظمه واستمرار بغض إخوته له
وكان يوسف بن يعقوب وأخوه بنيامين، ابنا راحيل زوجة يعقوب، لا يزالان صغيرين في تلك الأيام، ولم يخرجا مع إخوتهما في معاركهم في كل مدن الآموريين.
فلما رأى يوسف قوة إخوته وعظمتهم، مدحهم ومجّدهم، لكنه جعل نفسه أعظم منهم ومجّد نفسه فوقهم؛ وكان أبوه يعقوب أيضًا يحبّه أكثر من سائر بنيه لأنه ابن شيخوخته، ومن فرط محبته له صنع له قميصًا ملوّنًا متعدد الألوان.
ولما رأى يوسف أن أباه يحبّه أكثر من إخوته، استمرّ في تعظيم نفسه فوق إخوته، وكان يأتي أباه بأخبار رديئة عنهم.
فلما رأى بنو يعقوب مجمل تصرّفات يوسف نحوهم، وأن أباهم يحبّه أكثر منهم جميعًا، أبغضوه ولم يقدروا أن يكلّموه بسلام طول الأيام.
وكان يوسف ابن سبع عشرة سنة، وما زال يعظّم نفسه فوق إخوته، ويفكّر في الارتفاع عليهم.
حلم الحزم وسجودها وتعقيب الإخوة ومباركة يعقوب له
وفي ذلك الوقت حلم حلمًا، فجاء إلى إخوته وأخبرهم حلمه، وقال لهم: حلمت حلمًا، وإذا بنا جميعًا نحزم حُزَمًا في الحقل، فقامت حزمتي وانتصبت على الأرض، فأحاطت حزمكم بها وسجدت لها.
فأجابه إخوته وقالوا له: ما معنى هذا الحلم الذي حلمت؟ أفي قلبك أن تملك أو تتسلّط علينا؟
وما لبث أن جاء وأخبر أباه يعقوب بالأمر، فقبّل يعقوب يوسف لما سمع هذه الكلمات من فمه، وبارك يعقوب يوسف.
ولما رأى بنو يعقوب أن أباهم بارك يوسف وقبّله، وأنه أحبّه جدًا، غاروا منه وازدادوا له بغضًا.
حلم الأجرام السماوية وتوبيخ يعقوب وازدياد غيرة الإخوة
وبعد ذلك حلم يوسف حلمًا آخر، وقصّ الحلم على أبيه بحضور إخوته، وقال لأبيه وإخوته: ها قد حلمت حلمًا أيضًا، وإذا الشمس والقمر وأحد عشر كوكبًا ساجدة لي.
فلما سمع أبوه كلمات يوسف وحلمه، ورأى أن إخوته يبغضونه بسبب هذا الأمر، انتهر يعقوب يوسف أمام إخوته من أجل ذلك، قائلاً: ما معنى هذا الحلم الذي حلمت؟ وهذا تعظيمُك نفسك أمام إخوتك الأكبر منك سنًّا؟
أفي قلبك أننا أنا وأمك وإخوتك الأحد عشر نأتي ونسجد لك حتى تتكلم بهذه الأمور؟
فغار منه إخوته بسبب كلماته وأحلامه، واستمرّوا على بغضه، وأما يعقوب فحفظ الأحلام في قلبه.
إرسال يعقوب يوسف لتقصي إخوته وهدايته إلى دوثان
ومضى بنو يعقوب يومًا ليرعوا غنم أبيهم في شكيم، لأنهم كانوا رعاة في تلك الأيام؛ وبينما كانوا في ذلك اليوم يرعون في شكيم تأخّروا، ومضى وقت جمع المواشي ولم يصلوا.
فلما رأى يعقوب أن بنيه قد تأخّروا في شكيم، قال في نفسه: لعلّ أهل شكيم قد قاموا ليحاربونهم، ولذلك تأخّروا عن المجيء اليوم.
فدعا يعقوب ابنه يوسف وأوصاه قائلاً: هوذا إخوتك يرعون اليوم في شكيم، وها هم لم يرجعوا بعد؛ فاذهب الآن، فانظر أين هم، وائتني بخبر عن سلامة إخوتك وسلامة القطيع.
وأرسل يعقوب ابنه يوسف من وادي حبرون، فأتى يوسف يطلب إخوته إلى شكيم فلم يجدهم، وطفق يجول في الحقل القريب من شكيم ليرى إلى أين تحوّل إخوته، فضلّ طريقه في البرية ولم يدرِ أيَّ طريقٍ يسلك.
فوجده ملاكُ الربّ تائهًا في الطريق نحو الحقل، فقال يوسف لملاك الرب: إني أطلب إخوتي؛ أما سمعت أين يرعون؟ فقال ملاك الرب ليوسف: رأيت إخوتك يرعون هنا، وسمعتهم يقولون إنهم يذهبون ليرعوا في دوثان.
فأصغى يوسف إلى صوت ملاك الرب، ومضى إلى إخوته في دوثان، فوجدهم هناك يرعون القطيع.
تآمر الإخوة على قتل يوسف وطرحه في البئر وحفظه
وتقدّم يوسف نحو إخوته، وقبل أن يدنو منهم كانوا قد عزموا على قتله.
فقال شمعون لإخوته: هوذا صاحب الأحلام آتٍ إلينا اليوم، فالآن هلمّوا فنقتله ونطرحه في إحدى الآبار التي في البرية، وإذا طلبه أبوه منّا نقول: قد افترسه وحشٌ رديء.
وسمع رأوبين كلام إخوته في يوسف فقال لهم: لا ينبغي أن تفعلوا هذا الأمر، فكيف نرفع وجوهنا إلى أبينا يعقوب؟ اطرحوه في هذه البئر ليموت هناك، ولكن لا تمدّوا أيديكم إليه لتسفكوا دمه؛ وقال رأوبين ذلك ليُنقذه من أيديهم ويردّه إلى أبيه.
ولما جاء يوسف إلى إخوته جلس أمامهم، فقاموا عليه وأمسكوه وطرحوه إلى الأرض، ونزعوا عنه القميص الملوّن الذي كان عليه.
وأخذوه وطرحوه في بئر؛ ولم يكن في البئر ماء، بل حيّاتٌ وعقارب. فخاف يوسف من الحيّات والعقارب التي في البئر. فصرخ يوسف بصوت عظيم، فستر الربّ الحيّات والعقارب في جوانب البئر، فلم تؤذِ يوسف.
نداءات يوسف من البئر واستعطافه وإعراض الإخوة عنه
ونادى يوسف من البئر إخوته وقال لهم: ماذا صنعتُ بكم وبماذا أخطأتُ؟ ألا تخافون الربّ من جهتي؟ ألستُ من عظامكم ولحمكم، أليس يعقوب أبوكم هو أبي؟ لماذا تصنعون بي هذا اليوم؟ وكيف تستطيعون أن ترفعوا وجوهكم إلى أبينا يعقوب؟
وظلّ يصرخ وينادي إخوته من البئر، وقال: يا يهوذا وشمعون ولاوي، يا إخوتي، ارفعوني من مكان الظلمة الذي وضعتموني فيه، وتعالوا اليوم لترحموني، يا أبناء الربّ وأبناء يعقوب أبي. وإن كنتُ قد أخطأتُ إليكم، أفلستم أبناء إبراهيم وإسحاق ويعقوب؟ كانوا إذا رأوا يتيمًا رحمُوه، وإن وجدوا جائعًا أعطوه خبزًا ليأكل، وعطشانَ سقوه ماء ليشرب، وعريانًا كسوه ثيابًا!
فكيف تحبسون شفقتكم عن أخيكم، فأنا من لحمكم وعظمكم، وإن كنتُ قد أخطأتُ إليكم، أفلا تفعلون هذا من أجل أبي!
وتكلّم يوسف بهذه الكلمات من البئر، فلم يقدر إخوته أن يسمعوه ولا أن يميلوا آذانهم إلى كلامه، وكان يوسف يصرخ ويبكي في البئر.
وقال يوسف: يا ليت أبي يعلم اليوم الفعل الذي فعله بي إخوتي، والكلمات التي كلموني بها اليوم.
وسمع جميع إخوته صراخه وبكاءه في البئر، فمضوا وابتعدوا عن البئر لكيلا يسمعوا صراخ يوسف وبكاءه فيها.