تشاور الإخوة ورأي يهوذا ببيع يوسف لقافلة الإسماعيليين

1

فمضوا وجلسوا في الجهة المقابلة، على مسافة رمية قوس تقريبًا، وجلسوا هناك ليتناولوا الخبز. وبينما هم يأكلون تشاوروا فيما يفعلون به: أَيقتُلونه أم يردّونه إلى أبيه.

2

وبينما هم يتشاورون رفعوا أعينهم، فإذا بقافلة من الإسماعيليين آتية من بعيد في طريق جلعاد، متجهين إلى مصر.

3

فقال لهم يهوذا: أيّ منفعة لنا إن قتلنا أخانا؟ لعلّ الله يطلب دمه منّا. فهذا هو الرأي المقترح بشأنه لتفعلوه به: هوذا هذه القافلة من الإسماعيليين هابطة إلى مصر،

4

فالآن هلمّ نبيعه لهم ولا تكن أيدينا عليه؛ فيأخذونه معهم فيضيع بين أهل البلاد، ولا نقتله بأيدينا. فحَسُنَ الاقتراح في أعين إخوته، وفعلوا بحسب قول يهوذا.

تجار مديان يعثرون على يوسف في الجب ويستخرجونه

5

وبينما هم يتحدثون في هذا الأمر، وقبل أن تدنو منهم قافلة الإسماعيليين، مرّ بهم سبعة رجال تجار من مديان. وإذ كانوا عطاشًا عند مرورهم، رفعوا أعينهم فرأوا الجب الذي كان يوسف محبوسًا فيه، ونظروا فإذا بكل نوع من الطير يحوم فوقه.

6

فأسرع هؤلاء المديانيون إلى الجب ليشربوا ماء، إذ ظنّوا أن فيه ماءً. ولمّا دنوا من الجب سمعوا صوت يوسف يصرخ ويبكي في الجب، فأشرفوا إليه فرأوا شابًا حسن الصورة جميل المنظر.

7

ونادوه قائلين: من أنت؟ ومن جاء بك إلى هنا؟ ومن ألقاك في هذا الجب في البرية؟ ثم تعاونوا جميعًا على رفع يوسف، فاستخرجوه وأصعدوه من الجب، وأخذوه ومضوا في طريقهم ومرّوا بإخوته.

مواجهة بين بني يعقوب والمديانيين وصيحة شمعون ترهبهم

8

فقال لهم هؤلاء: لماذا تفعلون هذا، تأخذون عبدنا منّا وتمضون؟ حقًا إنما وضعنا هذا الفتى في الجب لأنه تمرّد علينا، وأنتم جئتم فأخرجتموه وتمضون به. فالآن أعيدوا إلينا عبدنا.

9

فأجاب المديانيون بني يعقوب وقالوا: أهذا عبدكم أم أن هذا الرجل يخدمكم؟ لعلّكم كلكم عبيده، فإنه أحسن منظرًا وأجمل هيئة من كل واحد منكم! فلماذا تكذبون علينا جميعًا؟

10

والآن لن نصغي إلى كلامكم ولن نلتفت إليكم، لأننا وجدنا الفتى في الجب في البرية فأخذناه، ولذلك سنمضي في طريقنا.

11

فاقترب جميع بني يعقوب منهم وقاموا إليهم وقالوا: رُدّوا إلينا عبدنا، ولِمَ تموتون جميعًا بحدّ السيف؟ فصرخ المديانيون عليهم واستلّوا سيوفهم ودنوا ليقاتلوا بني يعقوب.

12

وإذا شمعون قد نهض من مجلسه عليهم، وقفز إلى الأرض واستلّ سيفه ودنا من المديانيين، وأطلق أمامهم صيحة رهيبة سُمِعَ صداها من بعيد، واهتزّت الأرض من صراخ شمعون.

13

فارتاع المديانيون من شمعون ومن ضجيج صراخه، ووقعوا على وجوههم، وداخلهم فزع شديد.

تهديد شمعون يتبعه تفاوض وبيع يوسف للمديانيين بالفضة

14

فقال لهم شمعون: حقًا إنّي أنا شمعون بن يعقوب العبراني، الذي مع أخي وحدنا أهلكنا مدينة شكيم ومدن الأموريين. فليفعل الله بي وزيادة: لو جاء معكم كل إخوتكم، شعب مديان، وأيضًا ملوك كنعان، لما قدروا أن يقاتلوني.

15

فالآن رُدّوا إلينا الفتى الذي أخذتموه، لئلا أجعل لحمكم طعامًا لطيور السماء ووحوش الأرض.

16

فازداد المديانيون خوفًا من شمعون، ودنوا إلى بني يعقوب برعب وفزع، وبكلمات تضرّع قائلين:

17

حقًا إنكم قلتم إن الفتى عبدٌ لكم وإنه تمرّد عليكم، ولذلك وضعتموه في الجب؛ فماذا تصنعون بعبد يتمرّد على سيده؟ فالآن بيعوه لنا، ونحن نعطيكم كل ما تطلبونه فيه. وقد شاء الرب ذلك لكيلا يقتل بنو يعقوب أخاهم.

18

ولمّا رأى المديانيون أن يوسف حسن الصورة جميل الهيئة، رغبوا فيه في قلوبهم وألحّوا في شرائه من إخوته.

19

فأصغى بنو يعقوب إلى المديانيين وباعوا لهم أخاهم يوسف بعشرين قطعة من الفضة، ولم يكن رأوبين أخوهم معهم. فأخذ المديانيون يوسف ومضوا في طريقهم إلى جلعاد.

ندم المديانيين وإعادة بيع يوسف للإسماعيليين في الطريق

20

وبينما هم سائرون في الطريق ندم المديانيون على ما فعلوه بشراء الفتى، وقال واحد لآخر: ما هذا الذي صنعناه بأخذ هذا الفتى من العبرانيين، وهو حسن الصورة جميل المنظر؟

21

لعلّ هذا الفتى مسروق من أرض العبرانيين، فلماذا فعلنا هذا؟ وإن طُلِبَ فوجدوه في أيدينا هلكنا بسببه.

22

حقًا لقد باعنا إياه رجال أشدّاء أقوياء، وقد رأيتم اليوم قوّة واحد منهم؛ فلعلّهم سرقوه من أرضه ببطشهم وذراعهم القوية، ولذلك باعوه لنا بالقيمة الزهيدة التي دفعناها لهم.

23

وبينما هم يتحدّثون هكذا، نظروا فإذا القافلة الإسماعيلية التي كانت قد أقبلت أولًا، والتي رآها بنو يعقوب، تتقدّم نحو المديانيين. فقال المديانيون بعضهم لبعض: هلمّ نبيع هذا الفتى للقافلة الإسماعيلية المقبلة إلينا، ونأخذ فيه القليل الذي دفعناه له، ونخلص من شرّه.

24

ففعلوا كذلك، ولحقوا بالإسماعيليين، فباع المديانيون يوسف للإسماعيليين بعشرين قطعة من الفضة، وهي التي كانوا قد أعطوها لإخوته فيه.

25

ومضى المديانيون في طريقهم إلى جلعاد، وأخذ الإسماعيليون يوسف، وأركبوه على أحد الجمال، وساقوه إلى مصر.

بكاء يوسف وإيذاء الإسماعيليين وعقوبة سماوية أولى في الطريق

26

وسمع يوسف أن الإسماعيليين متجهون إلى مصر، فندب وبكى لهذا الأمر، إذ سيُبعَد بعيدًا عن أرض كنعان وعن أبيه. وبكى بكاءً مرًّا وهو راكب على الجمل، فأبصره أحدهم وأنزله عن الجمل وألزمه أن يمشي على قدميه. ومع ذلك استمر يوسف في الصراخ والبكاء، وهو يقول: يا أبي، يا أبي.

27

فقام أحد الإسماعيليين ولطم يوسف على خده، ومع ذلك واصل البكاء. وتعب يوسف في الطريق ولم يعد قادرًا على المسير من مرارة نفسه، فضربوه كلهم وأساءوا معاملته في الطريق، وروّعوه لكي يكفّ عن البكاء.

28

فرأى الرب معاناة يوسف وكربه، فأنزل على أولئك الرجال ظلامًا وارتباكًا، فتيبّست يد كل من ضربه.

29

وقالوا بعضهم لبعض: ما هذا الذي فعله الله بنا في الطريق؟ ولم يعلموا أن هذا أصابهم من أجل يوسف. وسار الرجال في الطريق، ومرّوا بطريق أفرات حيث دُفنت راحيل.

نوح يوسف عند قبر أمه راحيل وتوسلاته المؤثرة

30

ولمّا بلغ يوسف قبر أمّه، أسرع وركض إلى قبرها، وألقى نفسه عليه وبكى.

31

وصاح يوسف عاليًا على قبر أمّه وقال: يا أمّي، يا أمّي، يا من ولدتِني، استيقظي الآن وقومي وانظري إلى ابنك كيف بيع عبدًا ولا راحم له.

32

قومي وانظري ابنك، وابكي معي على شدائدي، وانظري قسوة قلب إخوتي.

33

انهضي يا أمّي، انهضي، استفيقي من نومك من أجلي، وجّهي خصومتك ضد إخوتي. آه، كيف جرّدوني من قميصي، وباعوني عبدًا مرّتين، وفصلوني عن أبي، ولا أحد يَرْحَمُني.

34

انهضي وارفعي دعواك عليهم أمام الله، وانظري من سيبرّره الله في القضاء ومن سيحكم عليه.

35

قومي يا أمّي، قومي، استفيقي من نومك، وانظري أبي كيف نفسه معلّقة بي اليوم، فعزّيه وطيّبي قلبه.

36

واستمر يوسف يقول هذه الكلمات، وكان يصرخ عاليًا ويبكي بكاءً مرًّا على قبر أمّه؛ ثم أمسك عن الكلام، ومن مرارة قلبه صار ساكنًا كالحجر على القبر.

صوت من القبر يواسي يوسف ويأمره بالثبات والنزول لمصر

37

فسمع يوسف صوتًا يكلمه من تحت الأرض، يجيبه بمرارة قلب وبصوت بكاء ودعاء بهذه الكلمات:

38

يا بُني، يا بُني يوسف، قد سمعتُ صوت بكائك وصوت نوحك، ورأيتُ دموعك؛ أعرف شدائدك يا بني، ويحزنني أمرك، وقد زيد على حزني حزنٌ كثير.

39

فالآن يا بني، يوسف يا بني، علّق رجاءك بالرب وانتظرْه ولا تخف، فإن الرب معك، وهو يخلّصك من كل ضيق.

40

انهض يا بني، وانزل إلى مصر مع أسيادك، ولا تخف، فإن الرب معك يا بني. واستمرّت تتكلم بمثل هذه الكلمات إلى يوسف، ثم سكنت.

إساءة جديدة ليوسف وتدخل سماوي بالعاصفة والظلام يرهبهم

41

وسمع يوسف ذلك فتعجّب جدًا مما سمع، واستمر يبكي. وبعد هذا أبصره أحد الإسماعيليين وهو يبكي وينوح على القبر، فاشتعل غضبه عليه وطرده من هناك، وضربه وشتمه.

42

فقال يوسف للرجال: لعلّي أجد نعمة في أعينكم فتأخذونني راجعًا إلى بيت أبي، وهو يعطيكم وفرةً من الغنى.

43

فأجابوه قائلين: أَلَسْتَ عبدًا؟ وأين أبوك؟ ولو كان لك أبٌ لما كنتَ قد بيعت عبدًا مرتين بثمن زهيد! وكان غضبهم لا يزال متقدًا عليه، فواصلوا ضربه وتأديبه، وكان يوسف يبكي بكاءً مرًّا.

44

ورأى الرب ضيق يوسف، فعاد الرب فضرب هؤلاء الرجال وأدّبهم، وجعل الرب الظلام يكتنفهم في الأرض، ولمع البرق ودوى الرعد، واهتزّت الأرض من صوت الرعد ومن الريح العاصفة، فارتاع الرجال ولم يدروا إلى أين يذهبون.

اعتراف الإسماعيليين بالخطأ وتوسلهم ودعاء يوسف يرفع الضربة

45

ووقفت البهائم والجمال، وجروها فلم تسر، وضربوها فبركت على الأرض. فقال الرجال بعضهم لبعض: ما هذا الذي فعله الله بنا؟ ما معاصينا وما خطايانا حتى أصابنا هذا الأمر هكذا؟

46

فأجاب واحد منهم وقال لهم: لعلّ بسبب خطية إيذائنا لهذا العبد حدث لنا هذا الأمر اليوم؛ فالآن تضرّعوا إليه بإلحاح ليغفر لنا، وحينئذ نعرف على حساب من وقع بنا هذا الشر، وإن رحمنا الله عرفنا أن كل هذا جاءنا بسبب خطية تعذيب هذا العبد.

47

وفعل الرجال كذلك، وتضرّعوا إلى يوسف وألحّوا عليه أن يغفر لهم، وقالوا: لقد أخطأنا إلى الرب وإليك، فالآن تفضّل واطلب من إلهك أن يزيل عنّا هذا الموت من بيننا، لأننا قد أخطأنا إليه.

48

وفعل يوسف بحسب كلامهم، فاستجاب الرب ليوسف، ورفع الرب الضربة التي أنزلها بأولئك الرجال من أجل يوسف. فقامت البهائم عن الأرض وساقوها ومضوا، وسكنت العاصفة وهدأت الأرض، وتابع الرجال سفرهم ليهبطوا إلى مصر، وعلم الرجال أن هذا الشر أصابهم بسبب يوسف.

تشاور الإسماعيليين حول مصيره والاتفاق على بيعه بمصر

49

وقالوا بعضهم لبعض: ها إننا نعلم أنه بسبب إيذائنا له وقع بنا هذا الشر؛ فالآن لماذا نجلب هذا الموت على أنفسنا؟ هلمّ نتشاور ماذا نصنع بهذا العبد.

50

فأجاب واحد وقال: إنه قال لنا أن نعيده إلى أبيه؛ فالآن هلمّ نعيده ونذهب إلى المكان الذي يدلّنا عليه، ونأخذ من أهله الثمن الذي دفعناه فيه ثم نمضي.

51

وأجاب آخر ثانيةً وقال: هوذا هذا الرأي حسن جدًا، لكن لا نستطيع فعله لأن الطريق بعيد جدًا عنّا، ولا نقدر أن نعدل عن مسارنا.

52

وأجاب آخر وقال لهم: هذا هو الرأي الذي يُعتمد، ولن نحيد عنه؛ ها نحن اليوم منطلقون إلى مصر، وحين نصل إلى مصر نبيعه هناك بثمن عالٍ ونَخلُص من شرّه.

53

فحَسُن هذا الأمر في أعين الرجال، وفعلوا كذلك، وتابعوا سفرهم إلى مصر ومعهم يوسف.