ندم الإخوة وعودة رأوبين إلى الجب وفقدان يوسف
ولما باع بنو يعقوب أخاهم يوسف للمديانيين، وخزتهم قلوبهم من أجله، فندموا على فعلتهم، وأخذوا يطلبونه ليعيدوه، فلم يقدروا أن يجدوه.
ورجع رأوبين إلى الجب الذي أُلقِي فيه يوسف ليرفعه منه ويعيده إلى أبيه، فوقف رأوبين عند الجب ولم يسمع همسًا، فنادى: يوسف! يوسف! فلم يجبه أحد ولم ينطق إنسان بكلمة.
وقال رأوبين: لقد مات يوسف من الفزع، أو لعل أفعى قد أودت بحياته. فنزل رأوبين إلى الجب وفتش عن يوسف فلم يجده في الجب، ثم صعد ثانية.
فشقّ رأوبين ثيابه وقال: الغلام ليس هناك، فكيف أصالح أبي بشأنه إن كان قد مات؟ ومضى إلى إخوته فوجدهم محزونين من أجل يوسف، يتشاورون كيف يصالحون أباهم بشأنه. فقال لهم رأوبين: جئت إلى الجب فإذا يوسف ليس فيه، فماذا نقول لأبينا؟ لأن أبي لا يطلب الغلام إلا مني.
اعتراف الإخوة وتأنيب رأوبين وقسم الجميع بكتمان الأمر
فأجابه إخوته قائلين: هكذا وهكذا فعلنا، ثم وخزتنا قلوبنا من أجل هذا الفعل، ونحن الآن جلوس نلتمس مخرجًا كيف نصالح أبانا عليه.
فقال لهم رأوبين: ما هذا الذي صنعتم لتُنزلوا شيبة أبينا حزنًا إلى القبر؟ ليس حسنًا ما فعلتم.
وجلس رأوبين معهم، فقاموا جميعًا وحلفوا أن لا يخبروا يعقوب بهذا الأمر، وقالوا جميعًا: الرجل الذي يخبر بهذا أبانا أو أهل بيته، أو يبلّغ به أحدًا من بني الأرض، نقوم عليه كلنا ونقتله بالسيف.
وخاف بعضهم بعضًا في هذا الأمر من الأصغر إلى الأكبر، ولم ينطق أحد بكلمة، وكتموا الأمر في قلوبهم.
التشاور لاختلاق رواية ويقترح يساكر حيلة الرداء الملطخ
ثم جلسوا بعدئذ ليتوافقوا ويختلقوا قولًا يبلغونه لأبيهم يعقوب بشأن كل هذه الأمور.
فقال لهم يساكر: إليكم رأيًا إن حسن في أعينكم أن تفعلوا هذا الأمر: خذوا الرداء الذي ليوسف ومزِّقوه، واذبحوا جديًا من المعزى واغمسوه في دمه.
وأرسلوه إلى أبينا، فإذا رآه قال: لقد افترسه وحش رديء. فمزِّقوا رداه، وها إن دمه يكون على ردائه، وبهذا نبرأ من لوم أبينا.
فرقَّ لهم رأي يساكر، وأصغوا إليه، وفعلوا بحسب قول يساكر الذي أشار به عليهم.
تنفيذ الخطة وإرسال الرداء الملطخ بيد نفتالي ليعقوب
وأسرعوا فأخذوا رداء يوسف ومزقوه، وذبحوا جدياً من المعزى وغمسوا الرداء في دم الجدي، ثم داسوه في التراب، وأرسلوا الرداء إلى أبيهم يعقوب بيد نفتالي، وأوصوه أن يقول هذه الكلمات:
كنا قد جمعنا المواشي وبلغنا إلى طريق شكيم وما بعده، فإذا بنا نجد هذا الرداء على الطريق في البرية، مغموسًا بالدم ومغبرًّا بالتراب؛ فتبيّن الآن أهو رداء ابنك أم لا.
فمضى نفتالي إلى أبيه وأعطاه الرداء، وقال له كل الكلام الذي أوصاه به إخوته.
يعقوب يتعرف الرداء وينهار ويستدعي بنيه في المساء
فرأى يعقوب رداء يوسف وعرفه، وخرّ على وجهه إلى الأرض وسكن كالحجر، ثم نهض وصرخ بصوت عالٍ باكٍ وقال: إنه رداء ابني يوسف!
وأسرع يعقوب فأرسل أحد عبيده إلى بنيه، فذهب إليه ووجدهم آتين في الطريق مع القطيع.
وجاء بنو يعقوب إلى أبيهم نحو المساء، وإذا ثيابهم ممزقة والتراب على رؤوسهم، فوجدوا أباهم يصرخ ويبكي بصوت عالٍ.
مواجهة يعقوب لأبنائه وسردهم الرواية واستنتاج الافتراس المزعوم
فقال يعقوب لبنيه: قولوا لي صدقًا، أي شرٍّ جلبتم عليّ بغتةً هذا اليوم؟ فأجابوا أباهم يعقوب قائلين: كنا سائرين اليوم بعد أن جُمعت المواشي، وبلغنا إلى مدينة شكيم في طريق البرية، فوجدنا هذا الرداء ملآن دمًا على الأرض، فعرفناه وأرسلناه إليك لتعرفه.
فلما سمع يعقوب كلام بنيه صرخ بصوت عالٍ وقال: إنه رداء ابني؛ قد افترسه وحش رديء؛ لقد مُزِّق يوسف إربًا، فإني بعثته اليوم لينظر سلامتكُم وسلامة القطعان وليأتيني بخبر منكم، فذهب كما أمرته، وقد جرى له هذا اليوم ما جرى وأنا أحسب ابني معكم.
فأجاب بنو يعقوب وقالوا: لم يأتِ إلينا، ولا رأيناه منذ خرجنا من عندك إلى الآن.
تمزيق يعقوب ثيابه وبدء مرثيته الحارة على يوسف
فلما سمع يعقوب كلامهم عاد فصرخ بصوت عظيم، وقام وشقّ ثيابه، ولبس المسح على حقويه، وبكى بكاءً مرًّا، وناح ورفع صوته بالبكاء وهتف قائلاً هذه الكلمات:
يوسف ابني، يا ابني يوسف، قد أرسلتك اليوم تسأل عن سلامة إخوتك، وإذا بك قد مُزِّقتَ إربًا؛ على يديَّ حدث هذا لابني.
حزني عليك، يا يوسف ابني، حزني عليك؛ ما أحلاك عندي في حياتك، وها هي موتتك الآن مرّة عليّ جدًا.
يا ليتني متُّ عوضًا عنك، يا يوسف ابني، فإني أحزن عليك حزنًا شديدًا، يا ابني، يا ابني! يوسف ابني، أين أنت، وأين جُذِبت؟ انهض، انهض من مقامك، وتعالَ وانظر حزني عليك، يا ابني يوسف.
استرسال يعقوب في المراثي واعترافه وتأملاته حتى السكون
هلمَّ الآن وأحصِ الدموع المندفعة من عينيّ على خديَّ، وارفعها أمام الرب ليرتد غضبه عني.
يا يوسف ابني، كيف سقطتَ بيد من لم يسقط على يده أحد منذ بدء العالم إلى هذا اليوم؛ فقد قُتلت بضربة عدوٍّ أوقع بك قسوة، ولكنّي أعلم يقينًا أنّ ما أصابك إنما هو من أجل كثرة خطاياي.
انهض الآن وانظر كم مرٌّ بلائي عليك يا ابني، مع أنّي لم أُربِّك ولم أُشكِّلك ولم أعطِك نَفَسًا وروحًا، بل الله هو الذي صوّرك وأنشأ عظامك وكساها لحمًا، ونفخ في أنفك نسمة الحياة، ثم سلّمك إليّ.
والآن حقًا إن الله الذي أعطاك لي قد أخذك مني، وهكذا كان ما كان لك.
وما زال يعقوب يتكلّم بمثل هذه الكلمات عن يوسف، وبكى بكاءً مرًّا؛ ثم خرّ إلى الأرض وسكن.
حزن البيت كله ووصول إسحاق وتعازيهم ورفض يعقوب التعزية
ولما رأى جميع بنِي يعقوب كربَ أبيهم، ندموا على ما فعلوا، وبكوا هم أيضًا بكاءً مرًّا.
فقام يهوذا ورفع رأس أبيه عن الأرض ووضعه في حجره، ومسح دموع أبيه عن خديه، وكان يهوذا يبكي بكاءً عظيمًا جدًا، ورأس أبيه متكئ في حجره ساكنًا كالحجر.
ورأى بنو يعقوب كربَ أبيهم، فرفعوا أصواتهم واستمرّوا في البكاء، ويعقوب بعدُ مطروحٌ على الأرض ساكنًا كالحجر.
وقام جميع بنيه وعبيده وأبناء عبيده ووقفوا حوله ليعزّوه، فأبى أن يتعزّى.
فقام كل بيت يعقوب وناحوا من أجل يوسف ومن أجل كرب أبيهم نوحًا عظيمًا، وبلغ الخبر إسحاق بن إبراهيم، أبي يعقوب، فبكى هو وكل أهل بيته بكاءً مرًّا على يوسف، وخرج من موضع سكنه في حبرون ورجاله معه، فعزّى ابنه يعقوب، فأبى أن يتعزّى.
أمر يعقوب بالبحث والصيد رجاء العثور على الجثمان
وبعد هذا قام يعقوب عن الأرض ودموعه تجري على خديه، وقال لبنيه: انهضوا وخذوا سيوفكم وقسيّكم، واخرجوا إلى الحقل، والتمسوا هل تجدون جثمان ابني فتأتوا به إليّ لأدفنه.
والتَمِسوا أيضًا، أرجوكم، بين الوحوش واصطادوها، والذي يعترضكم أولًا أمسكوه وأتوا به إليّ؛ لعل الرب يرحم بليّتي اليوم ويهيّئ أمامكم الذي مزّق ابني، فتأتوا به إليّ، فأنتقم لقضية ابني.
ففعل بنوه كما أوصاهم أبوهم، وبكّروا صباحًا، وأخذ كل واحد سيفه وقوسه في يده، وخرجوا إلى الحقل ليصطادوا الوحوش.
إمساك الذئب وإحضاره ويعاتبه يعقوب ويتوعد بعدل الله
وكان يعقوب لا يزال يصرخ ويبكي ويسير ذهابًا وإيابًا في البيت، يضرب كفّيه بعضهما ببعض، وهو يقول: يوسف ابني، يوسف ابني.
وخرج بنو يعقوب إلى البرية ليقبضوا على الوحوش، فإذا بذئب مقبلٍ إليهم، فأمسكوه وجاؤوا به إلى أبيهم، وقالوا له: هذا أول ما وجدناه، وقد أتينا به إليك كما أمرتنا، وأما جثمان ابنك فلم نقدر أن نجده.
فأخذ يعقوب الوحش من أيدي بنيه، وصرخ بصوت عالٍ باكٍ وهو ممسك بالوحش، وكلم الوحش بقلب مُرّ: لِمَ افترستَ ابني يوسف؟ وكيف لم تخف إله الأرض ولا حزني على ابني يوسف؟
وقد افترستَ ابني بلا سبب، لأنه لم يصنع ظلمًا؛ وبهذا جعلتني مؤثَّمًا بسببه، لذلك سيطالب الله بحقّ المظلوم.
نطق الذئب بتدخل إلهي وتبرئته وإطلاقه واستمرار حزن يعقوب
ففتح الرب فمَ الوحش ليعزّي يعقوب بكلامه، فأجاب الوحش يعقوب ونطق بهذه الكلمات:
حيٌّ هو الله الذي خلقنا في الأرض، وحيةٌ هي نفسك يا سيدي، ما رأيتُ ابنك ولا مزّقته، بل من أرض بعيدة جئتُ أنا أيضًا أطلب ابني الذي خرج مني اليوم، ولا أدري أهو حيّ أم ميت.
وقد جئتُ اليوم إلى الحقل أطلب ابني، فوجدني بنوك وأمسكوني وزادوا حزني، وجاؤوا بي اليوم إليك، وها قد قلتُ لك كل كلامي.
والآن يا ابن آدم، أنا في يدك، فاصنع بي اليوم ما حسن في عينيك؛ ولكن، وحياةِ الله الذي خلقني، ما رأيتُ ابنك ولا مزّقته، ولا دخل لحمُ إنسان فمي كل أيام حياتي.
فلما سمع يعقوب كلام الوحش، تعجّب جدًا وأرسل الوحش من يده، فمضت في سبيلها.
وكان يعقوب لا يزال يصرخ باكيًا على يوسف يومًا بعد يوم، وناح على ابنه أيامًا كثيرة.