وذهب بنو إسماعيل الذين اشتروا يوسف من المِدْيانيين—الذين كانوا قد اشتَرَوه من إخوته—بِيوسف إلى مصر، حتى بلغوا حدودها. ولما اقتربوا من مصر، لقوا أربعة رجال من بني مدان ابن إبراهيم كانوا قد خرجوا من أرض مصر في سفرهم.
فقال لهم الإسماعيليون: أتريدون شراء هذا العبد منّا؟ فقالوا: سلِّموه إلينا. فسلّموا يوسف إليهم، فنظروا إليه فإذا هو فتى حسن الصورة، فاشتروه بعشرين شاقلًا.
ومضى الإسماعيليون في طريقهم إلى مصر، وكذلك عاد المدانيون في ذلك اليوم إلى مصر. وقال المدانيون بعضهم لبعض: ها قد سمعنا أن فوطيفار، أحد عظماء فرعون ورئيس الحرس، يطلب خادمًا صالحًا يقف أمامه ويخدمه، ويجعله وكيلاً على بيته وكل ما له.
فالآن هلمّ نبيعه له بما نشتهي، إن قدر أن يدفع لنا ما نطلبه فيه.
فمضى هؤلاء المدانيون إلى بيت فوطيفار وقالوا له: قد سمعنا أنك تطلب خادمًا صالحًا ليخدمك. هوذا عندنا خادم سيُعجبك، إن قدرت أن تعطينا ما نرغب فيه نَبِعْه لك.
فقال فوطيفار: ائتوا به أمامي لأراه، فإن أرضاني أعطيتكم ما تطلبونه فيه.
فذهب المدانيون وأحضروا يوسف ووضعوه أمام فوطيفار، فلما رآه سرّ به جدًا. فقال لهم فوطيفار: أخبروني، ماذا تطلبون في هذا الفتى؟
فقالوا: نرغب فيه بأربعمئة قطعة فضة. فقال فوطيفار: أعطيكم ذلك إن أتيتموني بسجلّ بيعه لكم وأخبرتموني تاريخه، لعلّه مسروق؛ فإن هذا الفتى لا يبدو عبدًا ولا ابن عبد، بل أرى فيه سيماء رجل حسن كريم الهيئة.
فذهب المدانيون وأحضروا إليه الإسماعيليين الذين باعوه لهم، فأخبروه قائلين: إنه عبد، وقد بعناه لهم.
فلما سمع فوطيفار كلام الإسماعيليين، دفع الفضة إلى المدانيين، فأخذ المدانيون الفضة ومضوا في طريقهم، ورجع الإسماعيليون أيضًا إلى ديارهم.
وأخذ فوطيفار يوسف وجاء به إلى بيته ليخدمه، فوجد يوسف نعمة في عيني فوطيفار، فوضع ثقته فيه وجعله ناظرًا على بيته، وسلّمه كل ما كان له.
وكان الرب مع يوسف فصار رجلًا ناجحًا، وبارك الرب بيت فوطيفار لأجل يوسف.
فترك فوطيفار كل ما له في يد يوسف، فكان يوسف يتولّى إدخال كل شيء وإخراجه، وكانت أمور بيت فوطيفار كلّها تجري على رأيه.
وكان يوسف ابن ثماني عشرة سنة، فتى بديع العينين حسن الطلعة، ولم يكن له نظير في كل أرض مصر.
وفي ذلك الوقت، إذ كان في بيت سيّده يدخل ويخرج ويخدمه، رفعت زليخا زوجة سيّده عينيها نحو يوسف، فنظرت إليه، فإذا هو فتى حسنًا جميلًا.
فاشتهت جماله في قلبها، وتعلّقت نفسُها بيوسف، وأخذت تراوده يومًا فيومًا، وتلحّ عليه كل يوم، لكن يوسف لم يرفع عينيه لينظر إلى زوجة سيّده.
وقالت له: ما أحسن هيئتك وقامتك! حقًّا لقد نظرتُ إلى جميع العبيد فما رأيت أجمل منك. فقال لها يوسف: إن الذي خلقني في بطن أمي هو الذي خلق الناس أجمعين.
فقالت له: ما أجمل عينيك اللتين أبهرتَ بهما جميع سكان مصر رجالًا ونساءً. فقال لها: ما أجملَهما ونحن أحياء، ولكن لو نظرتِ إليهما في القبر لابتعدتِ عنهما يقينًا.
فقالت له: ما أحسن كلامك وألطفه! خذ الآن—أرجوك—العود الذي في البيت، واعزف بيديك لنسمع كلماتك.
فقال لها: إنما يحسن كلامي ويطيب حين أتكلّم بتسبيح إلهي ومجده. فقالت له: كم هو جميل شعر رأسك! هوذا المشط الذهبي في البيت، خذه—أرجوك—وجدّل به شعر رأسك.
فقال لها: إلى متى تكرّرين هذا الكلام؟ كفّي عن مخاطبتي به، وقومي واشتغلي بشؤون بيتك.
فقالت له: ليس في بيتي أحد، وليس عليّ عمل إلا الإصغاء لكلامك وتحقيق رغبتك. ومع ذلك كلّه لم تستطع أن تجتذبه إليها، ولم يلقِ عليها نظره، بل كان يُغضُّ بصره إلى الأرض.
وكانت زليخا تشتهي أن يضطجع معها؛ وحدث أنه بينما كان يوسف جالسًا في البيت يعمل عمله، جاءت فجلست أمامه، وأغوته كل يوم بكلامها ليضطجع معها أو حتى لينظر إليها، فلم يُصغِ إليها يوسف.
وقالت له: إن لم تفعل بحسب كلامي عاقبتك بعقوبة الموت، وألقيتُ عليك نيرًا من حديد.
فقال لها يوسف: إن الله الذي خلق الإنسان هو الذي يفكّ قيود الأسرى، وهو الذي ينجّيني من سجنك وقضائك.
ولمّا عجزت عن قهره وإقناعه، وبقي قلبها معلّقًا به، طرحها هواها في سقم شديد.
وجاءت جميع نساء مصر لعيادتها، وقلن لها: لِمَ أنتِ في هذا الوَهْن وأنت لا ينقصك شيء؟ إن زوجك أمير عظيم وجليل في نظر الملك، فهل يعوزك شيء مما تشتهيه نفسك؟
فأجابتهنّ زليخا: اليوم يتبيّن لكم من أين جاءني هذا الداء الذي ترون. وأمرت خادماتها أن يُعِدِدْن طعامًا لجميع النساء، وصنعت لهنّ مأدبة، فأكلنَ كلّهنّ في بيت زليخا.
وأعطتهنّ سكاكين ليقشّرن الأترجّ ويأكلنه، وأمرت أن يُلبَس يوسف ثيابًا فاخرة وأن يُعرَض أمامهنّ. فجاء يوسف أمام عيونهنّ، فتطلّعت إليه النساء كلّهنّ، ولم يستطعن صرف أبصارهنّ عنه، فقطعن أيديهنّ بالسكاكين التي في أيديهنّ، وامتلأ الأترجّ الذي بأيديهنّ دمًا.
ولم يدرين ما صنعن، بل واصلن النظر إلى جمال يوسف ولم يرفّ لهنّ جفن عنه.
فلما رأت زليخا ما فعلن قالت لهنّ: ما هذا الذي صنعتنّه؟ هوذا أنا قدّمت لكنّ الأترجّ لتأكلن، فإذا بكنّ جميعًا قد قطعن أيديكنّ!
فلمّا نظرت النساء إلى أيديهنّ وإذا هي ملأى دمًا، وجَرَى دمُهنّ على ثيابهنّ، قلن لها: إن هذا العبد الذي في بيتك قد سلب ألبابنا، فلم نقدر أن نصرف أجفاننا عنه من فرط جماله.
فقالت لهنّ: إنما حدث لكنّ هذا في لحظة نظرِكنّ إليه فلم تملكن أنفسكنّ عنه؛ فكيف أمتنع أنا وهو دائمًا في بيتي، أراه كل يوم داخلًا خارجًا؟ كيف لا ينهكني ذلك أو حتى يودي بي من أجله؟
فقلن لها: صدقتِ في كلامك؛ فمن ذا الذي يرى هذا الحسن في البيت ويكفّ نفسه عنه؟ أليس هو عبدك وخادمك في بيتك؟ فلِمَ لا تُصارحينه بما في قلبك وتَدَعين نفسك تهلك من أجل هذا الأمر؟
فقالت لهنّ: إني أحاول كل يوم أن أُقنعه فلا يرضى برغبتي، وقد وعدته كلَّ خير، ومع ذلك لم ألقَ منه جوابًا. لذلك ترونني في هذا الوَهْن.
واشتدّ مرض زليخا بسبب رغبتها نحو يوسف، وصارت سقيمة بداء العشق لأجله، ولم يعلم أهل بيتها ولا زوجها شيئًا من هذا الأمر، أن علّتها كانت من محبتها ليوسف.
وسألها جميع أهل بيتها: لِمَ أنتِ مريضة وواهِنة ولا ينقصك شيء؟ فقالت لهم: لا أعلم ما هذا الذي يزداد عليّ كل يوم.
وجاءتها النساء وصويحاتُها كلَّ يوم، وتكلّمن معها، فقالت لهنّ: ما هذا إلا من محبّتي ليوسف. فقلن لها: راوديه واغتنميه خفيةً، لعلّه يصغي إليكِ، فتدفعين عنك هذا الموت.
وازداد سقم زليخا من حبّها ليوسف، وظلّت تذوي حتى كادت لا تقوى على القيام.
وفي يوم من الأيام كان يوسف يعمل عمل سيّده في البيت، فجاءته زليخا خفيةً وانقضّت عليه بغتة، فقام يوسف في وجهها وكان أقوى منها، فصرعها إلى الأرض.
فبكت زليخا من شدة رغبتها نحوه، وتضرّعت إليه باكية، وجرت دموعها على خدّيها، وخاطبته بصوت تضرّع ومرارة نفس قائلة:
هل سمعتَ قطّ أو رأيتَ أو عرفتَ امرأة جميلة مثلي، أو أفضل مني، تخاطبك كل يوم، وتذوي حبًّا لك، وتغدق عليك كل هذا الإكرام، ومع ذلك لا تصغي إلى صوتي؟
وإن كان ذلك من خوفك من سيّدك لئلا يعاقبك، فحيّ هو الملك، لا يصيبك مني سوء من جهة سيّدك في هذا الأمر. فالآن اسمع لي وارضَ لأجل الإكرام الذي أوليتُك إيّاه، وادفع عني هذا الموت؛ فلماذا أموت لأجلك؟ ثم سكتت.
فأجابها يوسف: كُفّي عني، ودَعي هذا الأمر لسيّدي؛ فسيّدي لا يعرف ما عندي في البيت، إذ قد سلّم إليّ كل ما له. فكيف أصنع هذا في بيت سيّدي؟
فقد عظّمني أيضًا في بيته، وجعلني وكيلاً عليه ورفّعني، وليس في هذا البيت أعظم مني، ولم يُمسِك عني شيئًا إلا أنتِ لأنك امرأته. فكيف تتكلمين إليّ بهذا؟ وكيف أصنع هذا الشر العظيم وأُخطئ إلى الله وإلى زوجك؟
فالآن كُفّي عني ولا تعودي إلى مثل هذا الكلام، لأني لن أُصغي إلى كلماتك. لكن زليخا لم تُصغِ إلى يوسف حين قال لها ذلك، بل كانت تراوده كل يوم.
وبعد ذلك امتلأ نهر مصر فوق ضفّتيه، فخرج جميع سكان مصر، وخرج الملك والأمراء أيضًا بالدفوف والرقص، إذ كان فيضان بحر شيحور عيدًا عظيمًا في مصر وفرحًا عامًا، فذهبوا ليفرحوا طول النهار.
ولمّا خرج المصريون إلى النهر ليفرحوا كعادتهم، خرج جميع أهل بيت فوطيفار معهم، وأما زليخا فلم تخرج معهم وقالت: إني عليلة. فبقيت وحدها في البيت، ولم يكن معها أحد.
ثم قامت وصعدت إلى معبدها في البيت، ولبست ثيابًا أميرية، ووضعَت على رأسها حجارة جزعٍ مرصّعة بالفضة والذهب، وجمّلت وجهها وبشرتها بشتى مطهّرات النساء، وبخّرت المعبد والبيت بالكاسيا واللبان، ونثرت المُرّ والألوة. ثم جلست في مدخل المعبد، في ممرّ البيت الذي يَعبر منه يوسف ليقوم بعمله. وإذا بيوسف قد جاء من الحقل ودخل البيت ليصنع عمل سيّده.
ولمّا وصل إلى الموضع الذي لا بدّ أن يمرّ منه، رأى صنيع زليخا كلّه، فرجع إلى الوراء.
فلما رأت زليخا يوسف يرجع عنه نادته قائلة: ما بك يا يوسف؟ تعال إلى عملك، وها أنا أُخلِي لك الطريق حتى تعبر إلى مقعدك.
فرجع يوسف ودخل البيت، ومضى إلى موضع مقعده وجلس ليقوم بعمل سيّده كعادته. وإذا بزليخا جاءت إليه ووقفت أمامه بثياب أميرية، وقد فاح عبير ثيابها وانتشر إلى بُعد.
فسرعت وأمسكت بيوسف وثيابه، وقالت له: حيٌّ هو الملك، إن لم تفعل مطلبي مُتَّ اليوم. وأسرعت فمدّت يدها الأخرى واستلّت سيفًا من تحت ثيابها، ووضعته على عنق يوسف وقالت: قُمْ وافعل مطلبي، وإلا متَّ اليوم.
فخاف يوسف من صنيعها هذا، ونهض ليفرّ منها، فأمسكت بمقدَّم ثوبه، وفي فزع هروبه تمزّق الثوب الذي قبضت عليه زليخا، فترك الثوب في يدها وفرّ إلى الخارج لأنه كان خائفًا.
ولمّا رأت زليخا ثوب يوسف قد تمزّق وأنه تركه في يدها وهرب، خافت على نفسها لئلا يشيع الخبر بشأنها، فقامت بمكر، فخلعت الثياب التي كانت لابستها ولبست ثيابًا أخرى.
وأخذت ثوب يوسف ووضعته بجانبها، ثم مضت وجلست في الموضع الذي كانت تجلس فيه في مرضها، قبل خروج أهل بيتها إلى النهر، ودعت فتىً صغيرًا كان حينئذ في البيت، وأمرته أن يستدعي إليها أهل البيت.
فلما رأَتْهم قالت لهم بصوت عالٍ ونحيب: انظروا ماذا جلب سيّدكم إلى بيتي من عبراني، فإنه جاء اليوم ليضطجع معي.
فإنه لما خرجتم جاء إلى البيت، وإذ رأى أن لا أحد فيه أقبل إليّ وأمسكني قاصدًا أن يضطجع معي.
فقبضتُ على ثيابه فمزّقتها، وصرخت عليه بصوت عالٍ، فلما رفعتُ صوتي خاف على نفسه وترك ثوبه عندي وهرب.
فلم يتكلم أهل بيتها بشيء، لكن غضبهم استعر جدًا على يوسف، فذهبوا إلى سيّده وأخبروه بكلام امرأته.
وعاد فوطيفار إلى بيته وهو مغتاظ، فصرخت امرأته إليه قائلة: ما هذا الذي صنعتَ بي حين جئتَ بخادم عبراني إلى بيتي؟ فإنه دخل عليَّ اليوم ليعبث بي؛ هكذا صنع بي هذا اليوم.
فلما سمع فوطيفار كلام امرأته، أمر أن يُعاقَب يوسف بضرب شديد بالسياط، ففعلوا به كذلك.
وفيما هم يجلدونه، صرخ يوسف بصوت عالٍ ورفع عينيه إلى السماء وقال: يا ربّ الإله، أنت تعلم أنّي بريء من كل هذا، فلماذا أموت اليوم زورًا على يد هؤلاء الرجال الأشرار غير المختونين الذين تعرفهم؟
وبينما رجال فوطيفار يضربون يوسف، كان هناك طفل ابن أحد عشر شهرًا، ففتح الربّ فم ذلك الطفل، فتكلّم بهذه الكلمات أمام رجال فوطيفار الذين كانوا يضربون يوسف، قائلاً:
ماذا تريدون من هذا الرجل، ولماذا تفعلون به هذا الشر؟ إن أمي تتكلم زورًا وتلفّق الأكاذيب؛ وهكذا كان الأمر.
وقصّ عليهم الطفل بدقّة كل ما جرى، وذكر لهم كلّ كلمات زليخا التي كانت تقولها ليوسف يومًا بعد يوم.
فلما سمع الرجال كلمات الطفل تعجّبوا جدًا من قوله، ثم سكت الطفل وصار صامتًا.
فاستحيا فوطيفار جدًا من كلام ابنه، وأمر رجاله أن لا يضربوا يوسف بعدُ، فكفّوا عن ضربه.
ثم أخذ فوطيفار يوسف وأمر بعرضه على القضاء أمام الكهنة، وهم قضاة للملك، ليفصلوا في هذا الأمر.
فجاء فوطيفار ويوسف أمام الكهنة قضاة الملك، فقال لهم: اقضوا—أرجوكم—ما الحكم المستحقّ على عبدٍ قد صنع هكذا.
فقال الكهنة ليوسف: لِمَ صنعتَ هذا بمالك؟ فأجابهم يوسف: ليس الأمر كذلك يا سادتي، بل هكذا كانت القضية. فقال فوطيفار ليوسف: إني قد ائتمنتك على كل ما لي، ولم أمسِك عنك إلا امرأتي، فكيف تفعل هذا الشرّ؟
فأجاب يوسف قائلًا: ليس كذلك يا سيّدي. حيٌّ هو الربّ، وحيّةٌ هي نفسك يا سيّدي، إن الكلمة التي سمعتها من امرأتك غير صحيحة، بل هكذا كان الأمر اليوم.
لقد مضى عليَّ عامٌ منذ دخلت بيتك؛ هل رأيتَ فيَّ إثمًا، أو شيئًا يوجب أن تطلب حياتي؟
فقال الكهنة لفوطيفار: أرسِل—نرجوك—ليُؤتَى إلينا بثوب يوسف الممزّق، ولننظر موضع التمزيق. فإن كان التمزّق من مقدَّم الثوب، فوجهه لا بدّ أنه كان مقابلها، وهي التي أمسكت به ليأتي إليها، وبالمكر صنعت امرأتك كل ما قالت.
فأُتيَ بثوب يوسف أمام الكهنة القضاة، فنظروا فإذا التمزيق من مقدَّم الثوب. فعلم جميع الكهنة القضاة أنها هي التي غلبته. فقالوا: إن حكم الموت لا يستحقّه هذا العبد لأنه لم يفعل شيئًا، بل حكمه أن يُوضَع في بيت السجن بسبب القالة التي خرجت بسببه على امرأتك.
فلما سمع فوطيفار كلامهم وضعه في بيت السجن، وهو الموضع الذي يُحبس فيه أسرى الملك، فكان يوسف في بيت الحبس اثنتي عشرة سنة.
ومع ذلك لم ترجع زوج سيّده عن تعلّقها به، ولم تكفّ عن مخاطبته يومًا بعد يوم. وبعد ثلاثة أشهر صارت زليخا تمضي إلى يوسف في بيت الحبس يومًا فيومًا وتغويه أن يصغي إليها، وقالت ليوسف: إلى متى تمكث في هذا البيت؟ اسمع الآن لصوتي فأُخرِجْك من هذا البيت.
فأجابها يوسف: خيرٌ لي أن أمكث في هذا البيت من أن أصغي إلى كلامك فأخطئ إلى الله. فقالت له: إن لم تفعل مرادي قلعتُ عينيك، وزدتُ القيود في رجليك، وسلّمتك إلى أيدي قوم لم تعرفهم من قبل.
فأجابها يوسف وقال: هوذا إله كل الأرض قادر أن ينجّيني من كل ما تستطيعين أن تفعليه بي، لأنه يفتح عيون العميان، ويُطلق المقيّدين، ويحفظ الغرباء الذين لا معرفة لهم بالبلاد.
فلما عجزت زليخا عن إقناع يوسف أن يصغي إليها، كفّت عن الذهاب لتغويه. وبقي يوسف محبوسًا في بيت السجن. وكان يعقوب أبو يوسف وإخوته كلهم الذين في أرض كنعان ما زالوا في تلك الأيام ينوحون ويبكون من أجل يوسف، لأن يعقوب أبى أن يتعزّى على ابنه يوسف، فرفع صوته وبكى ونَاحَ كل تلك الأيام.