يعقوب يرسل أبناءه لشراء القمح ويحذرهم من دخول باب واحد ويستثني بنيامين
وسمع يعقوب بعد ذلك أن في مصر قمحًا، فدعا أبناءه ليذهبوا إلى مصر ليشتروا قمحًا، لأن المجاعة قد اشتدّت عليهم أيضًا. ودعا أبناءه قائلًا:
ها قد سمعتُ أن في مصر قمحًا، وأن جميع شعوب الأرض يذهبون إلى هناك للشراء؛ فلماذا تُظهرون أنفسكم مكتفين أمام الأرض كلها؟ انزلوا أنتم أيضًا إلى مصر واشتروا لنا قليلًا من القمح مع القادمين إلى هناك لكيلا نموت.
فأصغى أبناء يعقوب إلى صوت أبيهم، وقاموا لينزلوا إلى مصر ليشتروا القمح مع سائر الآتين.
وأوصاهم أبوهم يعقوب قائلًا: إذا دخلتم المدينة، فلا تدخلوا جميعًا من بابٍ واحد، بسبب أهل الأرض.
وخرج أبناء يعقوب ومضوا إلى مصر، وفعلوا كل ما أوصاهم به أبوهم، ولم يُرسل يعقوب بنيامين، لأنه قال: لعلّ حادثًا يصيبه في الطريق كما أصاب أخاه؛ فخرج عشرةٌ من أبناء يعقوب.
ندم الإخوة وعزمهم البحث عن يوسف وإنقاذه في مصر
وفيما كان أبناء يعقوب في الطريق ندموا على ما فعلوه بيوسف، وقال بعضهم لبعض: نحن نعلم أن أخانا يوسف قد نزل إلى مصر، والآن سنطلبه حيث نمضي، فإن وجدناه نفتديه من سيده بفدية، وإن لم يرضَ، أخذناه بالقوة ونموت دونه.
فاتفق أبناء يعقوب على هذا الأمر وتشددوا من أجل يوسف لينقذوه من يد سيده، ومضوا إلى مصر؛ فلما دنوا من مصر تفرقوا عن بعضهم، ودخلوا من عشرة أبواب من أبواب المدينة، وكتب حرّاس الأبواب أسماءهم في ذلك اليوم وأحضروها إلى يوسف مساءً.
يوسف يكتشف دخولهم ويغلق المخازن وينصب خطة للقبض عليهم
وقرأ يوسف الأسماء من يد حرّاس أبواب المدينة، فوجد أن إخوته قد دخلوا من أبواب المدينة العشرة، وفي ذلك الوقت أمر أن يُنادى في كل أرض مصر قائلًا:
اخرجوا يا حُرّاس المخازن، وأغلقوا جميع مخازن القمح، وليبقَ واحدٌ فقط مفتوحًا ليشتري منه القادمون.
وفعل جميع عُمّال يوسف في ذلك الوقت كما أمر، فأغلقوا كل المخازن وتركوا واحدًا فقط مفتوحًا.
ودفع يوسف الأسماء المكتوبة لإخوته إلى الموكّل على المخزن المفتوح، وقال له: كلُّ من أتاك ليشتري قمحًا فاسأل عن اسمه، فإذا جاءك رجالٌ بهذه الأسماء فاقبض عليهم وأرسلهم. ففعلوا كذلك.
بحث الإخوة في بيوت البغايا ثم ضبطهم وإحضارهم إلى يوسف
ولما دخل أبناء يعقوب المدينة اجتمعوا فيها ليفتشوا عن يوسف قبل أن يشتروا لأنفسهم قمحًا.
ومضوا إلى أحياء البغايا وطلبوا يوسف في أحياء البغايا ثلاثة أيام، لأنهم ظنّوا أن يوسف يأتي إلى أحياء البغايا، إذ كان يوسف جميل الصورة حسن المنظر؛ فطلبه أبناء يعقوب ثلاثة أيام ولم يجدوه.
وأما الرجل الموكّل على المخزن المفتوح فكان يفتش عن تلك الأسماء التي أعطاه إياها يوسف فلم يجدها.
فأرسل إلى يوسف قائلًا: قد مضت ثلاثة أيام، ولم يأتِ الرجال الذين أعطيتني أسماءهم؛ فأرسل يوسف خدمًا ليفتشوا عن الرجال في كل مصر وليحضروهم أمامه.
فانطلق خُدّام يوسف وجالوا في مصر فلم يجدوا لهم أثرًا، ومضوا إلى جوشن فلم يكونوا هناك، ثم إلى مدينة رعمسيس فلم يجدوهم.
وواصل يوسف إرسال ستةَ عشر خادمًا ليفتشوا عن إخوته، فتفرّقوا في أربعة أركان المدينة، ودخل أربعةٌ من الخدّام بيتَ البغايا، فوجدوا هناك العشرة رجال يطلبون أخاهم.
مثول الإخوة أمام يوسف وسجودهم واستجوابهم عن مصدرهم
فأخذهم أولئك الأربعة وأحضروهم أمامه، فسجدوا له إلى الأرض، وكان يوسف جالسًا على عرشه في هيكله، لابسًا ثياب العِزّ، وعلى رأسه تاجٌ كبيرٌ من ذهب، وكان جميع الرجال الأقوياء جالسين حوله.
فلما رأى أبناء يعقوب يوسف، بدت لهم هيئته وحُسنه ووقار سيمائه عجيبةً في أعينهم، فسجدوا له ثانيةً إلى الأرض.
ورأى يوسف إخوته فعرفهم، وأما هم فلم يعرفوه، لأن يوسف كان عظيم الشأن في أعينهم، ولذلك لم يعرفوه.
فقال لهم يوسف: من أين أتيتم؟ فأجابوا جميعًا وقالوا: عبيدك جاءوا من أرض كنعان ليشتروا قمحًا، لأن المجاعة سارية في كل الأرض، وقد سمع عبيدك أن في مصر قمحًا، فجئنا مع الآتين لنشتري قمحًا لقوتنا.
اتهام بالتجسس وجدال حول دخول الأبواب والبحث في بيوت البغايا
فأجابهم يوسف: إن كنتم قد جئتم للشراء كما تقولون، فلماذا دخلتم من عشرة أبواب المدينة؟ ما هذا إلا لأنكم جئتم لتتجسّسوا في الأرض.
فأجابوا يوسف جميعًا وقالوا: حاشا يا سيدنا، نحن مستقيمون؛ عبيدك ليسوا جواسيس، وإنما جئنا لنشتري قمحًا، فإن عبيدك كلهم إخوة، أبناء رجلٍ واحدٍ في أرض كنعان، وقد أوصانا أبونا قائلًا: إذا دخلتم المدينة فلا تدخلوا جميعًا من بابٍ واحد بسبب أهل البلاد.
فعاد يوسف وقال لهم: ذلك هو الأمر الذي كلمتكم به: إنكم جئتم لتتجسّسوا في الأرض، لذلك دخلتم من عشرة أبواب المدينة؛ لقد جئتم لتروا عورة الأرض.
إن كل من يأتي ليشتري قمحًا يمضي في طريقه، وأنتم لكم ثلاثة أيام في البلاد؛ وماذا تصنعون في أحياء البغايا التي أقمتم فيها هذه الثلاثة أيام؟ إن الجواسيس ليفعلون مثل هذه الأمور.
فقالوا ليوسف: حاشا لسيدنا أن يتكلم هكذا، لأننا اثنا عشر أخًا، أبناء أبينا يعقوب في أرض كنعان، ابن إسحاق ابن إبراهيم العبراني؛ وها هو الأصغر مع أبينا اليوم في أرض كنعان، وقد فُقِد واحدٌ منا، وظننا لعله يكون في هذه الأرض، لذلك نطلبه في كل البلاد، وقد وصلنا حتى بيوت البغايا لنطلبه هناك.
فقال لهم يوسف: أوقد طلبتموه إذًا في كل الأرض حتى لم يبقَ إلا مصر لتبحثوا عنه فيها؟ وماذا يصنع أخوكم في بيوت البغايا ولو كان في مصر؟ ألم تقولوا إنكم من نسل إسحاق ابن إبراهيم؟ فماذا يصنع بنو يعقوب إذًا في بيوت البغايا؟
فقالوا له: لأننا سمعنا أن الإسماعيليين سرقوه منا، وأُخبرنا أنهم باعوه في مصر، وعبدك أخونا جميل الصورة حسن المنظر، فظننا أنه لا بد أن يكون في بيوت البغايا، لذلك ذهب عبيدك إلى هناك لنطلبه ونفديه.
فأجابهم يوسف: إنكم لتتكلمون زورًا وكذبًا بقولكم إنكم من أبناء إبراهيم؛ وحياة فرعون إنكم جواسيس، ولذلك أتيتم إلى بيوت البغايا لكيلا تُعرَفوا.
اختبار يوسف لصدقهم وأسئلته عن الفدية والتهديد وذكر حادثة شكيم
وقال لهم يوسف: الآن، إن وجدتموه وطلب سيدُه منكم ثمنًا عظيمًا، أتُعطونه لأجله؟ فقالوا: نعم، يُعطى.
فقال لهم: وإن لم يرضَ سيدُه أن يفارقه بثمنٍ عظيم، فماذا تصنعون له من أجله؟ فأجابوه قائلين: إن لم يُعطِنا إيّاه نقتله ونأخذ أخانا ونمضي.
فقال لهم يوسف: ذلك ما قلتُ لكم؛ أنتم جواسيس، لأنكم جئتم لتقتلوا سكان الأرض، فقد سمعنا أن اثنين من إخوتكم ضربا جميع سكان شكيم في أرض كنعان من أجل أختكم، وأنتم الآن آتون لتفعلوا مثل ذلك في مصر من أجل أخيكم.
إنما بهذا أعلم أنكم رجال صادقون: أن ترسلوا واحدًا منكم إلى بيتكم ليأتي بأخيكم الأصغر من عند أبيكم ويحضره إليّ إلى هنا، وبفعل هذا أعلم أنكم على حق.
سجن الإخوة ثلاثة أيام ثم اقتراح إطلاقهم مع احتجاز واحد
ودعا يوسف سبعين من رجاله الأقوياء، وقال لهم: خذوا هؤلاء الرجال وأدخلوهم الحبس.
فأخذ الرجال الأقوياءُ العشرةَ رجالًا، وأمسكوا بهم وألقوهم في الحبس، فكانوا في الحبس ثلاثة أيام.
وفي اليوم الثالث أُخرِجوا من الحبس، فقال لهم يوسف: افعلوا هذا لأنفسكم إن كنتم رجالًا صادقين لكي تحيوا: يُحجَز واحدٌ من إخوتكم في الحبس، وأما أنتم فامضوا واحملوا القمح لبيوتكم إلى أرض كنعان، وائتوا بأخيكم الأصغر وأحضِروه إليّ هنا، لأعلم أنكم رجال صادقون حين تفعلون هذا.
بكاء يوسف ومحاولة تقييد شمعون وصراخه ثم تدخل منسّى
وخرج يوسف من عندهم ودخل الحجرة وبكى بكاءً شديدًا إذ تحركت مراحمه عليهم، ثم غسل وجهه ورجع إليهم ثانيةً، وأخذ شمعون منهم وأمر أن يُوثق، لكن شمعون لم يرضَ بذلك، لأنه كان رجلًا شديد البأس فلم يقدروا على تقييده.
فدعا يوسف رجاله الأقوياء، فجاء أمامه سبعون رجلًا شجاعًا بسيوف مسلولة في أيديهم، ففزع أبناء يعقوب منهم.
وقال لهم يوسف: أمسكوا هذا الرجل واحبسوه حتى يأتي إخوته إليه. فسارع رجال يوسف الشجعان، وأمسكوا جميعًا بشمعون ليُقيدوه، فأطلق شمعون صرخةً عاليةً مهولةً، فسمع صوته من بُعد.
فارتاع جميع رجال يوسف الشجعان من صوت الصرخة، وخرّوا على وجوههم، وخافوا جدًا وهربوا.
وهرب جميع الرجال الذين مع يوسف، إذ خافوا على حياتهم، ولم يبقَ هناك إلا يوسف ومنسّى ابنه. ورأى منسّى ابن يوسف قوة شمعون فاغتاظ جدًا.
فقام منسّى ابن يوسف إلى شمعون، وضرب شمعون ضربةً شديدةً بقبضته على قفا رقبته، فسكن غيظه.
ثم أمسك منسّى شمعون وأخذه بعنف وقيّده، وأدخله بيت الحبس، فتعجب جميع أبناء يعقوب من فعل ذلك الفتى.
وقال شمعون لإخوته: لا يقل أحدٌ منكم إن هذه ضربةُ مصريّ، بل هي ضربةُ بيت أبي.
تعبئة الأكياس وردّ الفضة واشتراط إحضار الأصغر وقبولهم
وبعد ذلك أمر يوسف أن يُستدعى الموكّل على المخزن ليملاً أكياسهم قمحًا قدر ما يطيقون حمله، وأن يردّ فضة كل واحدٍ إلى كيسه، وأن يعطيهم زادًا للطريق. ففعل لهم كذلك.
وأوصاهم يوسف قائلًا: احذروا لئلا تخالفوا أمري في إحضار أخيكم كما قلت لكم، فإذا جئتم بأخيكم إليّ حينئذٍ أعلم أنكم رجال صادقون، وحينها تتاجرون في الأرض، وأردُّ إليكم أخاكم، وتعودون بسلام إلى أبيكم.
فأجابوا جميعًا وقالوا: كما يتكلم سيدُنا هكذا نفعل. وسجدوا له إلى الأرض.
اكتشاف ردّ الفضة والهلع والاعتراف بالذنب في بيع يوسف
ورفع كلُّ واحدٍ قمحَه على حماره، وخرجوا ليذهبوا إلى أرض كنعان إلى أبيهم؛ ولما وصلوا إلى المنزل فتح لاوي كيسه ليعلف حماره، فإذا بفضته بوزنها الكامل لا تزال في كيسه.
فخاف الرجل جدًا، وقال لإخوته: قد رُدّت فضتي، وها هي في كيسي! فخاف الرجال جدًا، وقالوا: ما هذا الذي صنعه الله بنا؟
وقالوا جميعًا: وأين إحسان الرب مع آبائنا، مع إبراهيم وإسحاق ويعقوب، حتى إن الرب قد أسلمنا اليوم إلى يد ملك مصر ليدبّر ضدّنا مكيدة؟
فقال لهم يهوذا: إننا حقًا مذنبون أمام الرب إلهنا بكوننا قد بعنا أخانا، لحمنا، فكيف تقولون: أين إحسان الرب مع آبائنا؟
وقال لهم رأوبين: ألم أقل لكم: لا تخطئوا إلى الغلام، فلم تسمعوا لي؟ وها هو الله يطالبنا به؛ فكيف تجرؤون أن تقولوا: أين إحسان الرب مع آبائنا، وأنتم قد أخطأتم إلى الرب؟
عودة الإخوة إلى كنعان وغياب شمعون وسرد ما جرى
وباتوا في ذلك الموضع ليلتهم، ثم بكروا صباحًا وحمّلوا حميرهم قمحهم، وساقوها ومضوا حتى وصلوا إلى بيت أبيهم في أرض كنعان.
وخرج يعقوب وأهلُ بيته للقاء بنيه، ورأى يعقوب وإذا أخوهم شمعون ليس معهم، فقال لبنيه: أين أخوكم شمعون الذي لا أراه؟ فقصّ عليه أبناؤه كل ما أصابهم في مصر.