ذعر يعقوب لاكتشاف الفضة ورفض قاطع لإرسال بنيامين
ودخلوا بيتهم، وفتح كلُّ واحدٍ كيسه، فإذا بكلِّ واحدٍ صُرَّةُ فضته في كيسه، ففزعوا هم وأبوهم جدًا.
فقال لهم يعقوب: ما هذا الذي فعلتموه بي؟ أرسلتُ أخاكم يوسف لأستعلم عن سلامتكم، فقلتم لي: قد افترسه وحشٌ مفترس.
ومضى شمعون معكم ليشتري طعامًا، وتقولون إن ملك مصر حبسه في السجن، وتريدون أن تأخذوا بنيامين لتُوقعوا به الهلاك أيضًا، فتُنزلوا شيبتي بحزن إلى القبر بسبب بنيامين وأخيه يوسف.
فالآن ابني لن ينزل معكم، لأن أخاه قد مات، وهو بقي وحده، وربما يصيبه مكروه في الطريق التي تسيرون فيها كما أصاب أخاه.
فقال رأوبين لأبيه: اقتل ابنيَّ الاثنين إن لم أرجع إليك ابنك وأضعه أمامك. وقال يعقوب لبنيه: امكثوا هنا ولا تنزلوا إلى مصر، فإن ابني لن ينزل معكم إلى مصر ولا يموت كأخيه.
اشتداد المجاعة في كنعان وتأجيل النزول حتى نفاد القمح
فقال يهوذا لهم: كفّوا عنه حتى ينفد القمح، ثم سيقول: خذوا أخاكم وانزلوا، حين يرى حياته وحياة أهل بيته في خطر من الجوع.
وفي تلك الأيام كان الجوع شديدًا في الأرض، فكان جميع شعوب الأرض يذهبون ويأتون إلى مصر ليشتروا طعامًا، لأن الجوع استحكم فيهم جدًا، ومكث بنو يعقوب في كنعان سنة وشهرين حتى نفد قمحهم.
ولما نفد قمحهم، اشتدّ الجوع على كل بيت يعقوب، فجاء جميع أطفال أبناء يعقوب واجتمعوا وأحاطوا بيعقوب، وقالوا له: أعطِنا خبزًا، ولماذا نهلك جوعًا أمامك؟
فلما سمع يعقوب كلام أبناء بنيه بكى بكاءً شديدًا، وتحركت شفقته عليهم، فدعا بنيه فاجتمعوا وجلسوا أمامه.
طلب يعقوب شراء طعام ووصف عظمة ملك مصر وشروطه
وقال لهم يعقوب: أما رأيتم كيف يبكي أولادكم عليّ اليوم قائلين: أعطِنا خبزًا ولا خبز؟ فالآن ارجعوا واشتروا لنا قليل طعام.
فأجاب يهوذا وقال لأبيه: إن أرسلتَ أخانا معنا ننزل ونشتري لك قمحًا، وإن لم ترسله فلن ننزل، لأن ملك مصر أوصانا خصوصًا قائلًا: لن تروا وجهي إلا وأخوكم معكم، فإن ملك مصر ملك قويٌّ شديد، وهوذا إن ذهبنا إليه بلا أخينا نُقتَل جميعًا.
أما تعلم ولم تسمع أن هذا الملك شديد القدرة حكيم، وليس له نظير في كل الأرض؟ ها قد رأينا سائر ملوك الأرض ولم نرَ مثل ذلك الملك، ملك مصر؛ حقًا ليس بين جميع ملوك الأرض أعظم من أبيمالك ملك الفلسطينيين، ومع ذلك فملك مصر أعظم وأقوى منه، وما أبيمالك إلا كمثل واحد من رجاله.
يا أبانا، لم ترَ قصره وعرشه، ولا جميع خُدّامه قائمين بين يديه؛ لم ترَ ذلك الملك على عرشه في بهائه ومظهره الملكي، لابسًا حُلله الملوكية وعلى رأسه تاجٌ كبير من ذهب؛ لم ترَ الكرامة والمجد اللذين منحهما الله له، إذ ليس له مثيل في كل الأرض.
يا أبانا، لم ترَ الحكمة والفهم والمعرفة التي جعلها الله في قلبه، ولا سمعت صوته العذب حين كلمنا.
لا نعلم، يا أبانا، من عرّفه بأسمائنا وكل ما أصابنا، ومع ذلك فقد سأل عنك أيضًا قائلًا: أحيٌّ أبوكم بعد؟ أهو بخير؟
ولم ترَ شؤون حكم مصر تجري بتدبيره من غير أن يستشير فرعون سيده؛ ولم ترَ الهيبة والخوف اللذين أوقعهما في نفوس جميع المصريين.
وأيضًا حين خرجنا من عنده هدّدنا أن نفعل بمصر كما فعلنا بسائر مدن الأموريين، واغتظنا جدًا من كل كلامه الذي تكلم به فينا بوصفنا جواسيس، والآن حين نعود للمثول أمامه ستقع رهبته علينا جميعًا، ولا يقدر واحدٌ منا أن يكلمه قليلًا ولا كثيرًا.
ضمان يهوذا لبنيامين وتوسله رحمة الله وتعجيل السفر
فالآن يا أبانا، أرسل، نرجوك، الغلام معنا، فننزل ونشتري لك طعامًا لقوتنا، ولا نموت جوعًا. فقال يعقوب: لماذا أسأتم إليّ بأن أخبرتم الملك أن لكم أخًا؟ ما هذا الذي فعلتموه بي؟
فقال يهوذا ليعقوب أبيه: سلّم الغلام إلى عهدتي فنقوم وننزل إلى مصر ونشتري قمحًا ثم نرجع، ويكون أنه إن لم يكن الغلام معنا عند رجوعنا، فعليّ ملامتك إلى الأبد.
ألم ترَ أطفالنا كلهم يبكون أمامك من الجوع، وليس في يدك قدرة على إشباعهم؟ فالآن لتتحرك شفقتك عليهم، وأرسل أخانا معنا فنمضي.
فكيف تتجلّى لك مراحم الرب لآبائنا وأنت تقول إن ملك مصر سيأخذ ابنك؟ حيٌّ هو الرب، لا أتركه حتى آتي به وأضعه أمامك؛ ولكن صلِّ لأجلنا إلى الرب ليصنع معنا معروفًا، فيجعل لنا قبولًا ورفقًا أمام ملك مصر ورجاله، فلو لم نتأخر لكنّا الآن قد عدنا ثانية ومعنا ابنك.
موافقة يعقوب المشروطة وهدايا واستعدادات للحفاظ على بنيامين
فقال يعقوب لبنيه: أنا أتوكّل على الرب الإله أن يخلّصكم ويجعل لكم نعمة في عيني ملك مصر وفي عيون جميع رجاله.
فالآن قوموا واذهبوا إلى الرجل، واحملوا له بأيديكم هديةً مما يتيسّر في الأرض وقدّموها له، وليعطِكم الله القدير رحمةً أمامه فيُطلق معكم بنيامين وشمعون أخويكم.
فقام الرجال جميعًا وأخذوا أخاهم بنيامين، وأخذوا بأيديهم هديةً كبيرة من خيار ما في الأرض، وأخذوا أيضًا نصيبًا مضاعفًا من الفضة.
وأوصى يعقوب بنيه وصيةً مشددة بشأن بنيامين، فقال: احذروا عليه في الطريق التي تذهبون فيها، ولا تفارقوه في الطريق ولا في مصر.
صلاة يعقوب وأهله لطلب الحفظ والنجاة من مصر
ثم قام يعقوب من بين بنيه وبسط يديه وصلّى إلى الرب من أجل بنيه، قائلًا: يا ربّ السماء والأرض، اذكر عهدك مع أبينا إبراهيم، واذكره مع أبي إسحاق، وأحسن إلى بَنيَّ، ولا تسلّمهم إلى يد ملك مصر؛ افعل ذلك، أسألك يا الله، من أجل مراحمك، وافدِ جميع أولادي وأنقذهم من سلطان المصريين، وأرسل إليهم أخويهم الاثنين.
ورفعت زوجات أبناء يعقوب وأطفالهم عيونهم إلى السماء، وبكوا جميعًا أمام الرب، وصرخوا إليه أن يخلّص آباءهم من يد ملك مصر.
كتابة رسالة إلى الملك وشرح سبب إرسال الأبناء
وكتب يعقوب كتابًا إلى ملك مصر ودفعه إلى يد يهوذا وإلى أيدي بنيه لأجل ملك مصر، قائلًا:
من عبدك يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم العبراني، رئيس من عند الله، إلى الملك القوي الحكيم، كاشف الأسرار، ملك مصر: سلام.
ليُعلَم لدى سيدي ملك مصر أن الجوع كان شديدًا علينا في أرض كنعان، فأرسلتُ إليك أبنائي ليشتروا لنا قليل طعام لقوتنا.
فقد أحاط بي أبنائي وأنا شيخ طاعن لا أرى بعينيّ، إذ قد ثقلتا من الكِبَر ومن بكائي كل يوم على ابني، على يوسف الذي ضاع من أمامي، وأوصيتُ أبنائي ألا يدخلوا أبواب المدينة حين يأتون إلى مصر من أجل أهل الأرض.
نفي تهمة التجسس والتمسّك بحكمة الملك ورجاء الحماية
وأوصيتهم أيضًا أن يطوفوا بمصر يبحثون عن ابني يوسف، لعلهم يجدونه هناك، فأنت حسبتهم جواسيسَ الأرض.
ألم نسمع عنك أنك فسّرتَ حلم فرعون وقلتَ له الحق؟ فكيف لا تعرف بحكمتك أأبنائي جواسيس أم لا؟
فالآن، يا سيدي الملك، ها قد أرسلتُ ابني أمامك كما قلتَ لبنيَّ؛ أضرع إليك أن تضع عينيك عليه حتى يرجع إليّ سالمًا مع إخوته.
تذكير بقدرة الله وسوابق النصرة لتحذير من التعدّي
أما تعرف، أو ألم تسمع ما صنع إلهنا بفرعون حين أخذ أمي سارة، وما صنع بأبيمالك ملك الفلسطينيين بسببها، وكذلك ما صنع أبونا إبراهيم بتسعة ملوك عيلام، كيف ضربهم كلهم بقلة من الرجال الذين معه؟
وأيضًا ما فعله ابناي شمعون ولاوي بثماني مدن من الأموريين، كيف دمّروها من أجل أختهم دينة؟
وكذلك من أجل أخيهم بنيامين تعزّوا عن فقد أخيه يوسف؛ فماذا يفعلون له إذا رأوا يدَ قومٍ ما تتغلّب عليهم من أجله؟
أما تعلم، يا ملك مصر، أن قوة الله معنا، وأن الله أيضًا يسمع صلواتنا دائمًا ولا يتركنا كل الأيام؟
تحذير يعقوب وطلب العناية ببنيامين وتسليم الرسالة للملك
ولما أخبرني أبنائي بتعاملك معهم لم أدعُ الرب بسببك، إذ لو فعلتَ لهلكتَ أنت ورجالك قبل أن يأتي ابني بنيامين أمامك، لكني ظننتُ، وإذ كان شمعون ابني في بيتك، أنك ربما تُحسن إليه، فلذلك لم أفعل بك هذا الأمر.
فالآن هوذا بنيامين ابني يأتي إليك مع أبنائي، فاحذر عليه واجعل عينيك عليه، وحينئذٍ يجعل الله عينيه عليك وعلى مملكتك كلها.
ها قد أخبرتك بكل ما في قلبي، وهوذا أبنائي قادمون إليك مع أخيهم، فتفقّد وجه الأرض كلها من أجلهم، وأعدْهم بسلام مع إخوتهم.
ودفع يعقوب الكتاب إلى بنيه في عهدة يهوذا ليعطوه لملك مصر.