اقتراب يهوذا ومرافعة تهديدية لإطلاق بنيامين ودرء الهلاك
ولما رأى يهوذا تعامل يوسف معهم، اقترب منه وكسر الباب، وجاء مع إخوته ووقفوا أمام يوسف.
وقال يهوذا ليوسف: لا يسؤ الأمر في عيني سيدي. ليأذن سيدنا لعبده أن يتكلم كلمة أمامك؟ فقال يوسف له: تكلّم.
وتكلم يهوذا أمام يوسف، وإخوته واقفون هناك قبالتهما؛ وقال يهوذا ليوسف: حقاً، حين جئنا أول مرة إلى سيدي لشراء الطعام، حسبتنا جواسيس في الأرض، فجئناك ببنيامين أمامك، ومع ذلك لا تزال اليوم تسخر بنا.
فالآن ليسمع الملك كلامي، وأرسل، أضرع إليك، أخانا ليذهب معنا إلى أبينا، لئلا تهلك نفسك اليوم مع نفوس جميع سكان مصر.
أما تعلم ما صنع اثنان من إخوتي، شمعون ولاوي، بمدينة شكيم، وبسبع مدن من العموريين بسبب أختنا دينة، وماذا كانوا ليصنعوا أيضاً لأجل أخيهم بنيامين؟
وأنا بقوتي، وأنا أعظم وأشد منهما كليهما، آتي اليوم عليك وعلى أرضك إن لم ترسل أخانا.
أما سمعت ما صنع إلهنا الذي اختارنا بفرعون من أجل سارة أمّنا التي أخذها من أبينا، فضربه هو وأهل بيته بضربات ثقيلة، حتى إلى هذا اليوم يحدّث المصريون بعضهم بعضاً بهذا العجب؟ هكذا يفعل إلهنا بك من أجل بنيامين الذي أخذته اليوم من أبيه، ومن أجل الشرور التي تكدّسها علينا اليوم في أرضك؛ فإن إلهنا سيذكر عهده مع أبينا إبراهيم ويجلب عليك شراً لأنك أحزنت نفس أبينا في هذا اليوم.
فالآن اسمع كلامي الذي نطقتُ به اليوم لك، وأرسِلْ أخانا لينصرف، لئلا تموت أنت وشعب أرضك بالسيف، لأنكم لن تقدروا جميعاً أن تغلبوني.
جدال القوة بين يهوذا ويوسف وتبادل التهديد والوعيد
فأجاب يوسف يهوذا وقال: لِمَ فتحت فاك على مصراعيه ولماذا تتفاخر علينا قائلاً إن القوة معك؟ وحياة فرعون، لو أمرتُ كل رجالي الأشداء أن يقاتلوكم، لغصت أنت وهؤلاء إخوتك في الوحل.
فقال يهوذا ليوسف: إنما يليق بك وبشعبك أن تخافوني؛ وحياة الرب، إن سللتُ سيفي مرة فلن أُغمِده ثانية حتى أقتل اليوم مصر كلها، وأبدأ بك وأختم بفرعون سيدك.
فأجاب يوسف وقال له: إن القوة ليست لك وحدك؛ أنا أقوى وأشد منك، حقاً إن سللت سيفك جعلتُه على عنقك وعلى أعناق جميع إخوتك.
فقال له يهوذا: حقاً، إن فتحتُ فمي عليك اليوم لابتلعتك حتى تُمحى عن وجه الأرض وتهلك اليوم من مملكتك. فقال يوسف: حقاً، إن فتحتَ فمك، فلي قدرة وبأس أن أُطبِقه عليك بحجر حتى لا تعود تقدر أن تنطق بكلمة؛ انظر كم من حجارة أمامنا، حقاً أستطيع أن آخذ حجراً وأدسّه في فمك فأكسر فكيك.
فقال يهوذا: الله شاهد بيننا أننا لم نرغب إلى الآن في قتالك، أعطنا فقط أخانا فننصرف عنك. فأجاب يوسف وقال: وحياة فرعون، لو اجتمع معكم جميع ملوك كنعان، ما استطعتم أن تأخذوه من يدي.
الاعتراض على تهمة الكأس والإصرار على عدم ترك الأخ
فالآن امضوا إلى أبيكم، وليكن أخوكم لي عبداً، لأنه سرق بيت الملك. فقال يهوذا: وما شأنك أنت أو شأن مقام الملك؟ أليس الملك يبعث من بيته في طول الأرض وعرضها فضة وذهباً هباتٍ ونفقاتٍ، وأنت بعدُ تُكثر الكلام عن كأسك التي وضعتها أنت في كيس أخينا وتقول إنه سرقها منك؟
حاشا أن يفعل أخونا بنيامين أو أحد من نسل إبراهيم هذا الأمر، أن يسرق منك أو من غيرك، ملكاً كان أو أميراً أو أي إنسان.
فالآن كفّ عن هذه التهمة لئلا تسمع الأرض كلها قولك: من أجل قليل من الفضة خاصم ملكُ مصر الرجال واتّهمهم وأخذ أخاهم عبداً.
فأجاب يوسف وقال: خذوا هذه الكأس وانصرفوا عني ودَعوا أخاكم عبداً، لأن حكم السارق أن يكون عبداً.
فقال يهوذا: أما تستحي من كلامك، أن تترك أخانا وتأخذ كأسك؟ حقاً لو أعطيتنا كأسك أو ألف ضعفها لما تركنا أخانا لأجل الفضة التي وُجدت في يد أي إنسان، بل نموت دونه.
تذكير ببيع يوسف وجدال حول مصير بنيامين أمام الأب
فأجاب يوسف: ولِمَ تركتم أخاكم وبعتموه بعشرين قطعة فضة إلى هذا اليوم؟ فلماذا لا تفعلون الشيء نفسه بهذا أخيكم هذا؟
فقال يهوذا: الرب شاهد بيني وبينك أننا لا نبتغي قتالَك؛ فالآن أعطنا أخانا وانصرفْنا عنك بلا خصومة.
فأجاب يوسف وقال: لو اجتمع جميع ملوك الأرض ما قدروا أن يأخذوا أخاكم من يدي. فقال يهوذا: فماذا نقول لأبينا حين يرى أن أخانا لا يأتي معنا فيحزن عليه؟
فأجاب يوسف وقال: هذا ما تقولونه لأبيكم: إن الحبل قد ذهب وراء الدلو.
فقال يهوذا: حقاً إنك ملك، فلماذا تتكلم بهذا، وتصدر حكماً باطلاً؟ ويلٌ للملك الذي يكون مثلك.
فأجاب يوسف وقال: ليس في الكلمة التي تكلمتُ بها حكماً باطلاً من جهة أخيكم يوسف؛ فإنكم جميعاً بعتموه للمديانيين بعشرين قطعة فضة، ثم أنكرتم ذلك كله لأبيكم وقلتم له: افترسه وحش رديء، لقد افترس يوسف وتمزق.
تصاعد غضب يهوذا واستعراض قوة خارقة لإرهاب الخصم
فقال يهوذا: هوذا نار سام تتّقد في قلبي؛ الآن سأحرق بلادكم كلها بالنار. فأجاب يوسف وقال: حقاً إن كنّتك ثامار، التي قتلت ابنيك، قد أطفأت نار شكيم.
وقال يهوذا: إن نتفتُ شعرة واحدة من جسدي ملأتُ مصر كلّها دماً.
فأجاب يوسف وقال: هكذا عادتكم أن تفعلوا، كما فعلتم بأخيكم الذي بعتموه، وغمرتم قميصه دماً وجئتم به إلى أبيكم لكي يقول: افترسه وحش رديء، وها هو ذا دمه.
ولما سمع يهوذا هذا الكلام غضب جداً والتهب غضبه في داخله، وكان أمامه في ذلك الموضع حجرٌ يزن نحو أربعمئة شاقل، فاشتعل غضب يهوذا فأخذ الحجر بيدٍ واحدة وقذفه إلى السماء، ثم تلقّفه بيده اليسرى.
ووضعه بعد ذلك تحت ساقيه، وجلس عليه بكل قوته، فتحوّل الحجر إلى تراب من قوة يهوذا.
إظهار قوة منسّى وتدبير خطة لاجتياح مصر بالقتال
ورأى يوسف فعل يهوذا فخاف جداً، لكنه أمر ابنه منسّى، ففعل بحجر آخر مثل فعل يهوذا. فقال يهوذا لإخوته: لا يقل أحد منكم: إن هذا الرجل مصري؛ بل بفعله هذا هو من بيت أبينا.
وقال يوسف: ليست القوة معكم وحدكم، فنحن أيضاً رجال أقوياء؛ فلماذا تتفاخرون علينا جميعاً؟ فقال يهوذا ليوسف: أرسل، أضرع إليك، أخانا، ولا تُخرِب بلادك اليوم.
فأجاب يوسف وقال لهم: اذهبوا وقولوا لأبيكم: قد افترسه وحش رديء، كما قلتم عن أخيكم يوسف.
وكلم يهوذا أخاه نفتالي وقال له: أسرِع، انطلق الآن وأحصِ جميع شوارع مصر وتعالَ فأخبرني. فقال له شمعون: لا يُتعبك هذا الأمر؛ أنا الآن أصعد إلى الجبل وأتناول حجراً عظيماً واحداً من الجبل، فأُسقطه على كل من في مصر فأقتل جميع من فيها.
يوسف يستمع سراً ويجمع المصريين لإخافة أبناء يعقوب
وسمع يوسف كل هذه الكلمات التي تكلم بها إخوتُه أمامه، ولم يكونوا يعلمون أن يوسف يفهم كلامهم، إذ كانوا يظنون أنه لا يعرف التكلّم بالعبرانية.
وخاف يوسف جداً من كلام إخوته لئلا يُهلِكوا مصر، فأمر ابنه منسّى قائلاً: انطلق الآن بأسرع ما يمكن واجمع إليّ جميع سكان مصر وكل الرجال الأشداء معاً، وليأتوني الآن ركباناً ومشاة ومع كل أنواع الآلات الموسيقية. فذهب منسّى وفعل كذلك.
وأما نفتالي فذهب كما أمره يهوذا، لأن نفتالي كان خفيف القدمين كأحد الظباء السريعة، وكان يمشي على سنابل القمح فلا تنكسر تحت قدميه.
فمضى وأحصى جميع شوارع مصر، فوجدها اثني عشر شارعاً، وجاء مسرعاً وأخبر يهوذا. فقال يهوذا لإخوته: أسرعوا وتمنطقْ كل واحد منكم بسيفه على حقويه، ولنجتزْ مصر ونضربهم جميعاً ولا نُبقِي بقية.
وقال يهوذا: ها أنا أدمّر ثلاثة من الشوارع بقوتي، وأنتم يدمّر كل واحد منكم شارعاً واحداً؛ وبينما يهوذا يتكلم بهذا، إذا بسكان مصر وجميع الرجال الأشداء يأتون نحوهم بكل أنواع الآلات الموسيقية ومع صياح عظيم.
وكان عددهم خمسمئة فارس وعشرة آلاف من المشاة، وأربعمئة رجل يقاتلون بلا سيف ولا رمح، بل بأيديهم وقوتهم.
وجاء جميع الرجال الأشداء بعصفٍ وصياحٍ عظيم، فأحاطوا بأبناء يعقوب كلهم وروّعوهم، وارتجّت الأرض لصوت صياحهم.
ولما رأى بنو يعقوب هذه الجموع خافوا كثيراً على حياتهم؛ وقد فعل يوسف ذلك ليرهب بني يعقوب حتى يهدأوا.
صرخة يهوذا تثير الذعر وتحدث رجفة وبلبلة في مصر
ولما رأى يهوذا بعضَ إخوته قد ارتاعوا، قال لهم: لِمَ تخافون ونعمةُ الله معنا؟ ولما رأى يهوذا جميع شعب مصر محيطين بهم بأمر يوسف لترويعهم، كان يوسف قد أمرهم قائلاً: لا يمسّ أحدٌ منهم.
فبادر يهوذا واستل سيفه، وأطلق صرخة عالية مُرَّة، وضرب بسيفه، وقفز إلى الأرض، وظل يصرخ في وجه جميع الشعب.
فلما فعل ذلك، جعل الربّ رعبَ يهوذا وإخوته يقع على الرجال الأشداء وعلى كل الشعب الذين أحاطوا بهم.
فهربوا كلّهم عند سماع الصراخ، وارتاعوا ووقع بعضهم على بعض، ومات كثيرون منهم إذ سقطوا، وفرّوا جميعاً من أمام يهوذا وإخوته ومن أمام يوسف.
وبينما هم هاربون، طاردهم يهوذا وإخوته حتى بيت فرعون، فنجوا كلهم، ثم عاد يهوذا فجلس أمام يوسف وزأر عليه كالأَسَد، وأطلق عليه صرخة عظيمة هائلة.
وسُمعت الصرخة من مسافة بعيدة، فسمعها جميع سكان سكّوت، وارتجّت مصر كلها لصوت الصرخة، وسقطت أسوار مصر وأرض جوشن من ارتجاج الأرض، وسقط فرعون أيضاً عن عرشه إلى الأرض، وجميع النساء الحوامل في مصر وجوشن أسقطن حين سمعن صوت الارتجاج لأنهن خفن جداً.
استفهام فرعون وخوفه ثم ضغطه على يوسف لإطلاقهم
فأرسل فرعون يقول: ما هذا الأمر الذي حدث اليوم في أرض مصر؟ فجاؤوه وأخبروه بجميع الأمور من أولها إلى آخرها، فاضطرب فرعون وتعجّب وخاف جداً.
وازداد رعبه حين سمع كل هذا، فأرسل إلى يوسف يقول: قد جلبتَ إليّ العبرانيين ليُهلكوا مصر كلها؛ فماذا تصنع بذلك العبد السارق؟ اصرفه ودعه يذهب مع إخوته، ولا نهلك بشرهم نحن وأنت ومصرُ كلها.
وإن لم تُرِد أن تفعل هذا، فتخلَّ عني كل نفائسي، واذهب معهم إلى أرضهم إن كنت ترغب في ذلك، لأنهم اليوم يُخرّبون بلادي كلها ويقتلون شعبي أجمعين؛ حتى نساء مصر جميعهن أسقطن من صرخاتهم؛ انظر ما صنعوه بمجرد صياحهم وكلامهم، فبالأحرى إن قاتلوا بالسيف يدمّرون البلاد؛ فالآن اختر ما تريد: أأنا أم العبرانيون؟ أمصر أم أرض العبرانيين؟
فجاؤوا وأخبروا يوسف بجميع كلام فرعون الذي تكلم به عنه، فخاف يوسف جداً من كلام فرعون، وكان يهوذا وإخوته لا يزالون واقفين أمام يوسف ساخطين مغتاظين، وزأر جميعُ بني يعقوب في وجه يوسف كهدير البحر وأمواجه.
وخاف يوسف جداً من إخوته ومن أجل فرعون، فطلب حيلة ليعرّف نفسه لإخوته لئلا يدمّروا مصر كلها.
منسّى يهدئ يهوذا ويوسف يلطف الخطاب ويسأل السبب
فأمر يوسف ابنه منسّى، فذهب منسّى ودنا من يهوذا ووضع يده على كتفه، فسكَن غضب يهوذا.
فقال يهوذا لإخوته: لا يقلْ أحد منكم إن هذا فعلُ فتى مصري، فهذا عملُ بيت أبينا.
ولما رأى يوسف وعلم أن غضب يهوذا قد سكن، دنا ليتكلم مع يهوذا بلغة اللطف.
وقال يوسف ليهوذا: حقاً لقد تكلمتَ بالصدق، وأثبتَّ اليوم دعواك في شأن قوتك، وليزد الله الذي يسرُّ بك خيرك؛ لكن أخبرني بصدق: لماذا من بين جميع إخوتك تخاصمني لأجل الغلام، مع أن أحداً منهم لم ينطق بكلمة عنه؟
كفالة يهوذا للغلام وعرضه نفسه وتمجيد قوة الآباء
فأجاب يهوذا يوسف قائلاً: لا بد أنك تعلم أني كنت كفيلاً عن الغلام لدى أبيه، قائلاً: إن لم أعد به إليه أحتملُ اللوم إلى الأبد.
فلذلك دنوتُ منك دون سائر إخوتي، لأني رأيتُك غيرَ راضٍ أن تدعه يذهب من عندك؛ فالآن لِأجدْ نعمة في عينيك بأن ترسله ليذهب معنا، وها أنا أبقى بدلاً منه، أخدمك في كل ما تشاء؛ فأينما ترسلني أذهبُ لأخدمك بنشاط عظيم.
ابعث بي الآن إلى ملك عظيم قد تمرَّد عليك، فستعلم ما أصنع به وبأرضه؛ وإن كان له فرسان ومشاة أو شعب شديد القوة، أقتلهم كلهم وأحضر إليك رأس الملك.
أما تعلم، أو أما سمعتَ، أن أبانا إبراهيم ومعه خادمه أليعازر ضربا جميع ملوك عيلام مع جيوشهم في ليلة واحدة، فلم يتركوا باقياً؟ ومنذ ذلك اليوم أُعطيت قوّةُ أبينا لنا ميراثاً، لنا ولذرّيتنا إلى الأبد.
فأجاب يوسف وقال: قد قلتَ حقاً ولم يكن الكذب في فمك، لأنه قد بلغنا أيضاً أن للعبرانيين قوة، وأن الربّ إلههم يسرُّ بهم جداً، فمن يقف إذن أمامهم؟
اشتراط يوسف إحضار الأخ المفقود وتزايد الغضب والاختبار
ولكن على هذا الشرط أُرسِل أخاكم: إن تأتوني بأخيه ابن أمه، الذي قلتم إنه ذهب منكم إلى مصر؛ فإذا أتيتموني بأخيه أخذتُه مكانه، لأن أحداً منكم لم يكفلْه لأبيه، ومتى جاء إليّ، حينئذٍ أرسل معكم أخاه الذي كفلتموه.
فحمي غضب يهوذا على يوسف حين تكلم بهذا، واحمرّت عيناه دماً من الغضب، وقال لإخوته: كيف يطلب هذا الرجل اليوم هلاك نفسه وهلاك مصر كلها!
فأجاب شمعون يوسف قائلاً: ألم نقل لك أولاً إننا لا نعرف المكان بعينه الذي ذهب إليه، ولا إن كان حياً أو ميتاً؟ فلماذا يتكلم سيدي بمثل هذا الكلام؟
ولما لاحظ يوسف سحنة يهوذا، أدرك أن غضبه بدأ يتّقد حين قال له: ائتوني بأخيكم الآخر بدل هذا الأخ.
فقال يوسف لإخوته: حقاً لقد قلتم إن أخاكم إما ميت وإما مفقود؛ والآن إن دعوتُه اليوم فجاء أمامكم، أتُسلِّمونه إليّ بدلاً من أخيه؟
إعلان يوسف هويته ولقاء البكاء وفرح البلاط المصري
وبدأ يوسف يتكلم وينادي: يا يوسف، يا يوسف، تعالَ اليوم أمامي، واظهر لإخوتك واجلس أمامهم.
ولما قال يوسف هذا الكلام أمامهم، نظر كل واحدٍ منهم جهةً مختلفة ليروا من أين سيأتي يوسف أمامهم.
وراقب يوسف جميع أفعالهم، وقال لهم: لماذا تنظرون هنا وهناك؟ أنا يوسف الذي بعتموه إلى مصر، فالآن لا يغُمَّكم أنكم بعتموني، لأن الله أرسلني أمامكم سنداً في أيام المجاعة.
فارتاع منه إخوته حين سمعوا كلام يوسف، وارتاع يهوذا منه جداً.
ولما سمع بنيامين كلام يوسف كان في داخل البيت أمامهم، فركض بنيامين إلى يوسف أخيه واعتنقه ووقع على عنقه، وبكيا.
ولما رأى إخوة يوسف أن بنيامين قد وقع على عنق أخيه وبكى معه، وقعوا هم أيضاً على يوسف واعتنقوه، وبكوا بكاءً عظيماً مع يوسف.
وسُمِع الصوت في بيت يوسف أنهم إخوة يوسف، فسرّ فرعون جداً، لأنه كان خائفاً منهم لئلا يُهلِكوا مصر.
أوامر فرعون بالإكرام وتجهيز الهدايا والمركبات لبيت يعقوب
وأرسل فرعون عبيده إلى يوسف ليهنّئوه بشأن إخوته الذين جاءوه، وجاء جميع قادة الجيوش والفرق التي في مصر ليفرحوا مع يوسف، وفرحت مصر كلها جداً بإخوة يوسف.
وأرسل فرعون عبيده إلى يوسف يقول: مُرْ إخوتك أن يأتوا بكل ما يخصهم وليأتوا إليّ، فأجعلهم في خير بقاع أرض مصر. ففعلوا كذلك.
وأمر يوسف الذي على بيته أن يُخرج إلى إخوته هدايا وثياباً، فأخرج لهم ثياباً كثيرة، أرديةً ملوكية، وهدايا كثيرة، فقسّم يوسف ذلك بين إخوته.
وأعطى لكل واحد من إخوته حُلّة منسوجة بالذهب والفضة، وثلاث مئة قطعة فضة، وأمر يوسف أن يلبسوا جميعاً هذه الثياب ويُؤتى بهم أمام فرعون.
ولما رأى فرعون أن جميع إخوة يوسف رجال أشداء وذوو منظر جميل، فرح فرحاً عظيماً.
ثم خرجوا بعد ذلك من أمام فرعون ليذهبوا إلى أرض كنعان إلى أبيهم، وكان أخوهم بنيامين معهم.
وقام يوسف فأعطاهم إحدى عشرة مركبة من فرعون، وأعطاهم يوسف مركبته التي ركبها يوم تُوِّج في مصر ليُحضِر بها أباه إلى مصر؛ وأرسل يوسف إلى أبناء إخوته جميعاً ثياباً بحسب عددهم، ومئة قطعة فضة لكل واحد منهم، وأرسل أيضاً ثياباً إلى زوجات إخوته من ثياب زوجات الملك، فأرسلها لهم.
وأعطى لكل واحد من إخوته عشرة رجال ليذهبوا معهم إلى أرض كنعان لخدمتهم وخدمة أولادهم وكل ما يخصهم في مجيئهم إلى مصر.
مزيد من الهدايا والوصايا ثم إرسال الإخوة بحسن تجهيز
وأرسل يوسف بيد أخيه بنيامين عشرَ حُلَلٍ لأبنائه العشرة، نصيباً فوق سائر أبناء بني يعقوب.
وأرسل لكل واحد خمسين قطعة فضة، وعشر مركبات على حساب فرعون، وأرسل إلى أبيه عشرة حمير محمّلة بكل نفائس مصر، وعشرَ أتنٍ محمّلة قمحاً وخبزاً وزاداً لأبيه ولكل من معه زاداً للطريق.
وأرسل إلى أخته دينة ثياباً من فضة وذهب، ولباناً ومرّاً وصَبِراً، وحُليّ نساء بكثرة، وأرسل مثل ذلك من زوجات فرعون إلى زوجات بنيامين.
وأعطى جميع إخوته، وكذلك زوجاتهم، كل أنواع حجر الجزع والمقل، ومن جميع النفائس التي بين عظماء مصر، لم يُبقَ من الأشياء الثمينة شيئاً إلا وأرسله إلى بيت أبيه.
وصرف إخوته فانطلقوا، وأرسل معهم أخاه بنيامين.
وخرج يوسف معهم ليشيّعهم في الطريق إلى حدود مصر، وأوصاهم بخصوص أبيه وبيته أن يأتوا إلى مصر.
وقال لهم: لا تتخاصموا في الطريق، فإن هذا الأمر من عند الرب لكي يحفظ شعباً عظيماً من الجوع، فإنه لا تزال خمس سنين من المجاعة في الأرض.
وأوصاهم قائلاً: حين تأتون إلى أرض كنعان، لا تدخلوا فجأة على أبي في هذا الأمر، بل تصرّفوا بحكمة.
تدبير لطيف لإخبار يعقوب والاستعانة بسارح ابنة أشير
وكفّ يوسف عن وصيتهم، ورجع إلى مصر، وذهب بنو يعقوب إلى أرض كنعان بفرح وسرور إلى أبيهم يعقوب.
ولما وصلوا إلى حدود الأرض، قال بعضهم لبعض: ماذا نصنع في هذا الأمر أمام أبينا؟ فإن دخلنا عليه فجأة وأخبرناه بالأمر، يضطرب كثيراً من كلامنا ولا يصدّقنا.
وساروا حتى دَنوا من بيوتهم، فوجدوا سارح بنت أشير خارجةً للقائهم، وكانت الفتاة جميلة جداً وماهرة، تعرف العزف على القيثارة.
فنادوها فأتت أمامهم، فقبّلتهم، فأخذوها وأعطوها قيثارة وقالوا: اذهبي الآن أمام أبينا، واجلسي أمامه، واضربي على القيثارة، وانطقي بهذه الكلمات.
وأمروها أن تذهب إلى بيتهم، فأخذت القيثارة وأسرعت أمامهم، وجاءت وجلست قرب يعقوب.
نشيد سارح يطمئن يعقوب وحلول الفرح والبركة
فعزفت جيداً وأنشدت وقالت بعذوبة كلماتها: عمي يوسف حيٌّ، وهو يحكم في أرض مصر كلها، وليس بميت.
وظلّت تكرر هذه الكلمات وتنطق بها، فسمع يعقوب كلماتها واستحسنها.
وأصغى إليها وهي تعيدها مرتين وثلاثاً، فدخل الفرح قلبَ يعقوب من عذوبة كلماتها، وكانت روح الله عليه، فعلم أن جميع كلماتها حق.
وبارك يعقوب سارح حين تكلمت بهذه الكلمات أمامه، وقال لها: يا ابنتي، لا يقوَ الموت عليكِ، لأنك قد أنعشتِ روحي؛ فقط عودي وتكلمي أمامي كما تكلمتِ، لأنك سررتِني بكل كلامك.
وصول الأبناء وإقناع يعقوب بالدلائل وعزمه رؤية ابنه
فاستمرت تغني بهذه الكلمات، وكان يعقوب يصغي إليها واستحسنها، وفرح، وكانت روح الله عليه.
وبينما هو لا يزال يكلمها، إذا بأبنائه قد جاءوه بخيل ومركبات وثياب ملوكية وخدم يجرون أمامهم.
فقام يعقوب للقاءهم، ورأى أبناءه لابسين ثياباً ملوكية، ورأى كل الكنوز التي أرسلها يوسف إليهم.
فقالوا له: اعلم أن أخانا يوسف حيٌّ، وهو الذي يحكم في أرض مصر كلها، وهو الذي كلمنا كما أخبرناك.
فسمع يعقوب كل كلام بنيه وخفق قلبه لكلامهم، لأنه لم يصدقهم حتى رأى كل ما أعطاهم يوسف وما أرسله إليه، وجميع العلامات التي كلمهم بها يوسف.
ففتحوا بين يديه وأروه كل ما أرسل يوسف، وأعطوا كل واحد ما أرسله له يوسف، فعلم أنهم تكلموا بالحق، وفرح فرحاً عظيماً من أجل ابنه.
وقال يعقوب: يكفيني أن ابني يوسف بعدُ حيٌّ، أذهب فأراه قبل أن أموت.
استعداد بيت يعقوب للرحيل وفرح كنعان ووليمة ثلاثة أيام
وأخبره بنوه بكل ما أصابهم، فقال يعقوب: أنزل إلى مصر لأرى ابني ونسله.
فقام يعقوب ولبس الثياب التي أرسلها إليه يوسف، وبعد أن اغتسل وحلق شعره، وضع على رأسه العمامة التي أرسلها إليه يوسف.
وكل أهل بيت يعقوب ونساؤهم لبسوا الثياب التي أرسلها إليهم يوسف، وفرحوا جداً بيوسف لأنه لا يزال حياً ولأنه يحكم في مصر,
وسمع جميع سكان كنعان بهذا الأمر، فجاؤوا وفرحوا كثيراً مع يعقوب لأنه لا يزال حياً.
وصنع لهم يعقوب مأدبة ثلاثة أيام، فأكل جميع ملوك كنعان وعظماء الأرض وشربوا وفرحوا في بيت يعقوب.