وحي يطمئن يعقوب ورحيله مع بيته من كنعان إلى مصر

1

وحدث بعد ذلك أن قال يعقوب: سأذهب لأرى ابني في مصر ثم أعود إلى أرض كنعان التي تكلم الله بها مع إبراهيم، لأني لا أستطيع أن أغادر أرض مسقط رأسي.

2

فإذا بكلمة الرب قد جاءت إليه قائلة: انزل إلى مصر أنت وكل بيتك وأقم هناك؛ لا تخف من النزول إلى مصر، فهناك أجعلك أمة عظيمة.

3

وقال يعقوب في نفسه: سأذهب لأرى ابني، هل مخافة إلهه لا تزال في قلبه وسط جميع سكان مصر.

4

فقال الرب ليعقوب: لا تخف على يوسف، فإنه لا يزال يحفظ أمانته لخدمتي، وسيبدو ذلك حسنًا في عينيك. ففرح يعقوب جدًا بابنه.

5

في ذلك الوقت أوصى يعقوب أبناءه وأهل بيته أن يذهبوا إلى مصر بحسب كلمة الرب إليه، فقام يعقوب مع بنيه وكل أهل بيته، وخرج من أرض كنعان من بئر سبع بفرح وابتهاج قلب، وذهبوا إلى أرض مصر.

تهيئة موضع في جوشن واستقبال مصري مهيب بقيادة يوسف

6

ولما اقتربوا من مصر، أرسل يعقوب يهوذا أمامه إلى يوسف ليريه موضعًا في مصر، ففعل يهوذا بحسب قول أبيه، وأسرع وركض وجاء إلى يوسف، فعيّنوا لهم مكانًا في أرض جوشن لكل أهل بيته، ثم رجع يهوذا وجاء في الطريق إلى أبيه.

7

فشدّ يوسف المركبة، وجمع كل جبابرة رجاله وخدامه وجميع عظماء مصر ليذهبوا للقاء أبيه يعقوب، ونودي بأمر يوسف في مصر قائلًا: كل من لا يخرج للقاء يعقوب يُقتل.

8

وفي اليوم التالي خرج يوسف ومعه مصر كلها جيشًا عظيمًا قويًا، وهم جميعًا لابسون ثياب الكتان الفاخر والأرجوان، ومعهم آنية وأدوات من فضة وذهب، ومعهم أيضًا أدوات حربهم.

9

وخرجوا جميعًا للقاء يعقوب بكل أنواع الآلات الموسيقية، بالطبول والدفوف، ينثرون المُرّ والأَلُوَّة على طول الطريق، وساروا كلهم على هذه الهيئة، واهتزّت الأرض من صياحهم.

10

وطلعت نساء مصر كلهنّ على السطوح وعلى الأسوار لاستقبال يعقوب، وكان على رأس يوسف تاج فرعون الملوكي، لأن فرعون أرسله إليه ليلبسه عند خروجه للقاء أبيه.

اقتراب الموكب وتعجب يعقوب وتعرّفُه على مجد يوسف

11

ولما صار يوسف على بُعد خمسين ذراعًا من أبيه، نزل من المركبة ومشى نحو أبيه، فلما رأى عظماء مصر ونبلاؤها أن يوسف قد ذهب ماشيًا إلى أبيه، نزلوا هم أيضًا ومشوا على أقدامهم نحو يعقوب.

12

ولما اقترب يعقوب من معسكر يوسف، رأى المعسكر الآتي مع يوسف نحوه، فسُرّ به وتعجّب يعقوب منه.

13

وقال يعقوب ليهوذا: من ذلك الرجل الذي أراه في معسكر مصر، لابسًا ثيابًا ملوكية وعليه رداء شديد الحمرة وتاج ملكي على رأسه، وقد نزل من مركبته وهو آتٍ نحونا؟ فقال يهوذا لأبيه: هو ابنك يوسف الملك. ففرح يعقوب برؤية مجد ابنه.

سجود الموكب ليعقوب ولقاء الأب والابن بالبكاء والفرح

14

فاقترب يوسف إلى أبيه وسجد له، وسجد جميع رجال المعسكر معه إلى الأرض أمام يعقوب.

15

وإذا بيعقوب يركض مسرعًا إلى ابنه يوسف، فسقط على عنقه وقبّله، وبكيا، واحتضن يوسف أيضًا أباه وقبّله، وبكيا، وبكى معهم جميع شعب مصر.

16

وقال يعقوب ليوسف: الآن أموت بسلام بعدما رأيت وجهك وأنك لا تزال حيًا وفي مجد.

17

وبكى بنو يعقوب وزوجاتهم وأولادهم وخدامهم، وكل أهل بيت يعقوب، بكاءً شديدًا مع يوسف، وقبّلوه وبكوا كثيرًا معه.

إسكان العائلة في جوشن وتقديم الإخوة لفرعون بسبب الجوع

18

ثم رجع يوسف وكل قومه بعد ذلك إلى بيوتهم في مصر، وجاء يعقوب وبنوه وكل أولاد بيته مع يوسف إلى مصر، فوضعهم يوسف في خير موضع من مصر، في أرض جوشن.

19

وقال يوسف لأبيه ولإخوته: أصعد وأخبر فرعون قائلًا: قد جاء إليّ إخوتي وبيت أبي وكل ما لهم، وها هم في أرض جوشن.

20

وفعل يوسف كذلك، وأخذ من إخوته رأوبين ويساكر وزبولون وأخاه بنيامين، وأوقفهم أمام فرعون.

21

وكلم يوسف فرعون قائلًا: قد جاء إليّ إخوتي وبيت أبي وكل ما لهم، مع غنمهم وبقرهم، من أرض كنعان ليتغربوا في مصر، لأن الجوع اشتدّ عليهم.

موافقة فرعون وإقرار الإقامة، وبركة يعقوب له واستقرارهم

22

فقال فرعون ليوسف: ضع أباك وإخوتك في أفضل موضع من الأرض، ولا تحجب عنهم شيئًا من الخير، ودعهم يأكلون من دسم الأرض.

23

فأجاب يوسف قائلًا: ها قد أسكنتهم في أرض جوشن، لأنهم رعاة غنم؛ فليقيموا إذًا في جوشن ليرعوا قطعانهم بمعزل عن المصريين.

24

فقال فرعون ليوسف: افعل مع إخوتك كل ما يقولونه لك. فسجد بنو يعقوب لفرعون، وخرجوا من عنده بسلام، ثم أدخل يوسف أباه إلى فرعون.

25

وجاء يعقوب وسجد لفرعون، وبارك يعقوب فرعون، ثم خرج؛ وسكن يعقوب وجميع بنيه وكل أهل بيته في أرض جوشن.

رعاية يوسف لبيت أبيه وإكرامهم بالخبز والثياب والضيافة

26

وفي السنة الثانية، أي في السنة المئة والثلاثين من عمر يعقوب، عال يوسف أباه وإخوته وكل أهل بيت أبيه بالخبز بحسب عدد أطفالهم جميع أيام الجوع؛ فلم يعوزهم شيء.

27

وأعطاهم يوسف أفضل جزء من كل الأرض؛ فكان لهم خير ما في مصر كل أيام يوسف. وأعطاهم يوسف أيضًا، ولجميع بيت أبيه، ثيابًا وملابس سنةً فسنة؛ وأقام بنو يعقوب آمنين في مصر كل أيام أخيهم.

28

وكان يعقوب يأكل دائمًا على مائدة يوسف؛ ولم يفارق يعقوب وبنوه مائدة يوسف ليلًا ولا نهارًا، فضلًا عمّا كان أولاد يعقوب يستهلكونه في بيوتهم.

تدبير يوسف للمجاعة وامتلاك الأراضي وجمع الثروات وتوزيعها وإخفائها

29

وأكلت مصر كلها خبزًا في أيام المجاعة من بيت يوسف، لأن جميع المصريين باعوا كل ما يملكون بسبب الجوع.

30

واشترى يوسف جميع أراضي وحقول مصر بالخبز لحساب فرعون، وزوّد يوسف مصر كلها بالخبز كل أيام المجاعة، وجمع يوسف كل الفضة والذهب الذي جاء إليه ثمنًا للحبوب التي اشتروها في أنحاء البلاد، فكوّن ذهبًا وفضة كثيرين، فضلًا عن كمية هائلة من حجارة الجزع والبدليوم وثياب نفيسة كانوا يأتون بها إلى يوسف من كل أنحاء البلاد حين نفدت أموالهم.

31

وأخذ يوسف كل الفضة والذهب الذي وقع في يده، نحو اثنتين وسبعين وزنة من ذهب وفضة، وكذلك حجارة الجزع والبدليوم بكثرة عظيمة، فمضى يوسف وأخفى ذلك في أربعة مواضع: فأخفى جزءًا في البرية قرب البحر الأحمر، وجزءًا عند نهر الفرات، وأخفى الجزءين الثالث والرابع في الصحراء المقابلة لبرية فارس ومادي.

32

وأخذ قسمًا مما تبقّى من الذهب والفضة، وأعطاه لجميع إخوته ولجميع بيت أبيه، ولنساء بيت أبيه كلهنّ، وأتى بالباقي إلى بيت فرعون، نحو عشرين وزنة من ذهب وفضة.

33

وأعطى يوسف ما بقي من الذهب والفضة لفرعون، فوضعه فرعون في الخزينة، ثم انقضت أيام المجاعة بعد ذلك في الأرض، فزرعوا وحصدوا في كل البلاد، ونالوا مقدارهم المعتاد سنةً بعد سنة؛ فلم يعوزهم شيء.

استمرار سلطة يوسف وازدهار آل يعقوب وتعليم الأبناء الشريعة

34

وأقام يوسف آمنًا في مصر، وكانت الأرض كلها تحت مشورته، وأقام أبوه وجميع إخوته في أرض جوشن وتملكوها.

35

وكان يوسف شيخًا جدًا، متقدّمًا في الأيام، وكان ابناه أفرايم ومنسّى ملازمين دائمًا لبيت يعقوب، مع أبناء بني يعقوب إخوتهم، ليتعلموا طرق الرب وشريعته.

36

وسكن يعقوب وبنوه في أرض مصر في أرض جوشن، وتملّكوا فيها، وأثمروا وكثروا فيها.