مرض يعقوب في مصر وأخذ عهد دفنه في مكفيلة

1

وعاش يعقوب في أرض مصر سبع عشرة سنة، وكانت أيام يعقوب وسني حياته مئة وسبعًا وأربعين سنة.

2

وفي ذلك الوقت أُصيب يعقوب بالمرض الذي مات به، فأرسل واستدعى ابنه يوسف من مصر، فجاء يوسف ابنه من مصر ودخل على أبيه.

3

وقال يعقوب ليوسف ولأبنائه: ها أنا أموت، وإله آبائكم سيتعهّدكم ويُرجعكم إلى الأرض التي أقسم الرب أن يعطيها لكم ولأولادكم من بعدكم. والآن، فإذا متُّ فادفنوني في المغارة التي في مكفيلة في حبرون بأرض كنعان، قرب آبائي.

4

وأخذ يعقوب عهدًا على أبنائه أن يدفنوه في مكفيلة بحبرون، فحلف له بنوه على ذلك.

دعوة لعبادة الله وبركات وتثبيت قيادة يهوذا القتالية

5

وأوصاهم قائلاً: اعبدوا الرب إلهكم، فالذي أنقذ آباءكم سينقذكم أنتم أيضًا من كل ضيق.

6

وقال يعقوب: ادعوا إليّ كلَّ أولادكم. فجاء جميع أبناء أبناء يعقوب وجلسوا أمامه، فباركهم يعقوب وقال لهم: الربُّ إله آبائكم ليمنحكم ألفَ ضعف ويبارككم، وليعطِكم بركة أبيكم إبراهيم. ثم خرج جميعُ أبناء أبناء يعقوب في ذلك اليوم بعدما باركهم.

7

وفي اليوم التالي دعا يعقوب من جديد أبناءه، فاجتمعوا كلُّهم وجاؤوا إليه وجلسوا أمامه، وفي ذلك اليوم بارك يعقوب أبناءه قبل موته، فبارك كلَّ واحدٍ وفق بركته؛ هوذا ذلك مكتوب في كتاب شريعة الرب الخاص بإسرائيل.

8

وقال يعقوب ليهوذا: أعلم يا ابني أنك رجلٌ جبارٌ لإخوتك؛ املك عليهم، وبنوك يملكون على بنيهم إلى الأبد.

9

ولكن علِّم أبناءك القوسَ وسائر أسلحة الحرب، لكي يحاربوا معارك أخيهم الذي سيتسلّط على أعدائه.

تفصيلات نقل الجثمان وترتيب الحملة وامتياز لاوي ويوسف

10

وعاد يعقوب فوصّى أبناءه في ذلك اليوم قائلاً: ها أنا اليوم أُضمّ إلى قومي؛ اصعدوا بي من مصر، وادفنوني في مغارة مكفيلة كما أوصيتكم.

11

على أن تحذروا، أرجوكم، أن يحملني أحدٌ من أبنائكم، بل أنتم أنفسكم، وبهذه الكيفية تفعلون بي حين تحملون جسدي لتسيروا به إلى أرض كنعان لدفني:

12

يحمل يهوذا ويساكر وزبولون نعشي من الشرق؛ ورأوبين وشمعون وجاد من الجنوب؛ وأفرايم ومنسّى وبنيامين من الغرب؛ ودان وأشير ونفتالي من الشمال.

13

لا يحمل معكم لاوي، لأنه هو وبنوه سيحملون تابوت عهد الرب مع بني إسرائيل في المحلّة؛ ولا يحمل يوسف ابني، لأن مجده كمجد الملك؛ على أن يقوم أفرايم ومنسّى مقامه.

14

هكذا تفعلون بي حين تُخرِجونني؛ لا تُهملوا شيئًا مما أوصيكم به كلّه، فإذا فعلتم لي هذا تذكّركم الربُّ بالرضا أنتم وأولادكم من بعدكم إلى الأبد.

وصايا روحية للأبناء ونبوءة بالخلاص والرجوع من مصر

15

وأنتم يا بَنيَّ، ليكرم كلٌّ أخاه وقريبه، وأوصوا أبناءكم وأبناء أبنائكم من بعدكم أن يعبدوا الربَّ إله آبائكم كلَّ الأيام.

16

لكي تطول أيامكم في الأرض، أنتم وأبناؤكم وأبناء أبنائكم إلى الأبد، حينما تعملون الصالح والمستقيم في عيني الرب إلهكم، سالكين في كل طرقه.

17

وأنت يا يوسف ابني، سامحْ أرجوك تعدّيات إخوتك وكلَّ إساءاتهم في الضرر الذي ألحقوه بك، لأن الله قصد ذلك لخيرك وخير أولادك.

18

ويا بُنيّ، لا تترك إخوتك لأهل مصر، ولا تَجْرَح مشاعرهم، فها أنا أسلّمهم إلى يد الله وفي يدك لتحفظهم من المصريين. فأجاب بنو يعقوب أباهم قائلين: يا أبانا، كلُّ ما أوصيتنا به هكذا نفعل؛ ليكن الله معنا فقط.

19

فقال يعقوب لبنيه: فليكن الله معكم عندما تحفظون جميع طرقه؛ لا تحيدوا عن طرقه يمينًا ولا يسارًا في أداء ما هو صالح ومستقيم في عينيه.

20

فإني أعلم أن شدائد كثيرة وثقيلة ستُصيبكم في آخر الأيام في الأرض، نعم أنتم وأبناؤكم وأبناء أبنائكم؛ ولكن اعبدوا الربَّ فهو يُخلّصكم من كل ضيق.

21

ويكون عندما تسيرون وراء الله لتعبدوه وتعلّمون أبناءكم من بعدكم وأبناء أبنائكم معرفة الرب، أن الربَّ يُقيم لكم ولأبنائكم عبدًا من بين أبنائكم، ويُخلّصكم الربُّ على يده من كل ضيق، ويخرجكم من مصر ويردّكم إلى أرض آبائكم لتملكوها آمنين.

وفاة يعقوب وانطلاق النواح في البيت ومصر وكنعان

22

ثم كفَّ يعقوب عن وصية بنيه، وجمع رجليه إلى السرير، ومات، وانضمَّ إلى قومه.

23

فارتمى يوسف على أبيه، وصرخ وبكى عليه وقبّله، ونادى بصوتٍ مُرّ قائلاً: يا أبتاه، يا أبتاه!

24

وجاءت زوجاتُ أبنائه وكلُّ أهل بيته، وارتموا على يعقوب، وبكوا عليه وصرخوا بصوتٍ عالٍ جدًا من أجل يعقوب.

25

وقام جميعُ بني يعقوب معًا، وشقّوا ثيابهم، ولبسوا المسوح على أحقائهم، وخرّوا على وجوههم، وذرّوا التراب على رؤوسهم نحو السماء.

26

وبُلِّغ الخبرُ إلى أسنات زوجة يوسف، فقامت ولبست مسحًا، وجاءت هي وجميعُ النساء المصريات اللواتي معها، فاندبن وبكين على يعقوب.

27

وجاء أيضًا جميعُ شعب مصر الذين عرفوا يعقوب في ذلك اليوم حين سمعوا بهذا الأمر، وبكت مصر كلّها أيامًا كثيرة.

28

وجاءت من أرض كنعان أيضًا نساءٌ إلى مصر حين سمعنَ أن يعقوب قد مات، وبكين عليه في مصر سبعين يومًا.

تحنيط يعقوب والحداد سبعون يومًا وأمر فرعون بالتشييع

29

وبعد ذلك أمر يوسف عبيده الأطباء أن يُحنّطوا أباه بالمرّ واللبان وسائر أنواع البخور والعطور، فحنّط الأطباءُ يعقوب كما أمرهم يوسف.

30

وبكى جميعُ شعب مصر والشيوخ وكلُّ سكان أرض جاسان وناحوا على يعقوب, ورثى جميعُ أبنائه وأبناء بيته على أبيهم يعقوب أيامًا كثيرة.

31

وبعد أن انقضت أيام بكائه، عند تمام السبعين يومًا، قال يوسف لفرعون: أصعدُ لأدفن أبي في أرض كنعان كما استحلفني, ثم أرجع.

32

فأرسل فرعون يوسف قائلاً: اصعد فادفن أباك كما قال وكما استحلفك. فقام يوسف مع جميع إخوته ليذهبوا إلى أرض كنعان لدفن أبيهم يعقوب كما أوصاهم.

33

وأمر فرعون أن يُنادى في مصر كلها قائلًا: من لا يصعد مع يوسف وإخوته إلى أرض كنعان لدفن يعقوب يمُت.

34

فسمع كلُّ مصر بمناداة فرعون، فقاموا جميعًا معًا، وصعد جميعُ خدّام فرعون وشيوخ بيته وكلُّ شيوخ أرض مصر مع يوسف، وصعد جميعُ ضبّاط فرعون وأشرافه خدَمًا ليوسف، وذهبوا لدفن يعقوب في أرض كنعان.

موكب ملكي مهيب إلى عبر الأردن بطقوس ومواكب السلاح

35

وحمل أبناءُ يعقوب النعش الذي كان عليه، فكما أوصاهم أبوهم هكذا فعل بنوه له.

36

وكان النعش من ذهبٍ خالص، مُطعَّمًا من حوله بحجارة الجزع والبدليوم، وكان غطاؤه نسيجًا من ذهب موصولًا بالخيوط، وفوقه عُرى من حجارة الجزع والبدليوم.

37

ووضع يوسف على رأس أبيه يعقوب تاجًا ذهبيًا كبيرًا، وجعل في يده صولجانًا ذهبيًا، وأحاطوا بالنعش كما هي عادةُ الملوك في حياتهم.

38

وسارت أمامه جيوشُ مصر كلُّها على هذا النظام: أولًا جبابرةُ فرعون، ثم جبابرةُ يوسف، وبعدهم سائرُ سكان مصر، وكانوا جميعًا متقلّدين سيوفهم ومجهّزين بالدروع، وعليهم عُدّةُ الحرب.

39

وسار النادبون والباكون على بُعدٍ قبالة النعش، يمضون وهم يبكون ويندبون، وبقيّةُ الشعب يسيرون وراء النعش.

40

وسار يوسف وأهل بيته معًا قريبين من النعش حُفاةً يبكون، وبقيّةُ عبيد يوسف حوله؛ وعلى كلِّ واحدٍ منهم زينته، وكانوا جميعًا مُسلّحين بأسلحة الحرب.

41

وتقدّم خمسون من عبيد يعقوب أمام النعش، ينثرون على الطريق المرَّ والعود وسائر أنواع الطيب، وكان جميعُ بني يعقوب الذين يحملون النعش يمشون فوق الطيب، وعبيد يعقوب يسيرون أمامهم ينثرون الطيب على الطريق.

42

وصعد يوسف بجيشٍ عظيم، وكانوا يفعلون على هذا المنوال كلَّ يوم حتى بلغوا أرض كنعان، وجاؤوا إلى بيدر أطاد الذي في عبر الأردن، وهناك ناحوا نوحًا عظيمًا ثقيلًا جدًا.

ملوك كنعان يشاركون النوح ويضعون تيجانهم على النعش

43

وسمع جميعُ ملوك كنعان بهذا الأمر، فخرج كلُّ واحدٍ من بيته، واحدٌ وثلاثون ملكًا من كنعان، وجاؤوا جميعًا مع رجالهم لِيندبوا ويبكوا على يعقوب.

44

ولمّا عاين جميعُ هؤلاء الملوك نعشَ يعقوب، إذا تاجُ يوسف عليه، فوضعوا هم أيضًا تيجانهم على النعش وطوّقوه بالتيجان.

45

وصنع جميعُ هؤلاء الملوك في ذلك الموضع نوحًا عظيمًا وثقيلًا مع بني يعقوب ومصر على يعقوب، لأن جميعَ ملوك كنعان عرفوا بأسَ يعقوب وبنيه.

قدوم عيسو للمشاركة في النوح ثم التوجّه لدفن يعقوب

46

وبلغ الخبرُ عيسو قائلًا: قد مات يعقوب في مصر، وأبناؤه ومصر كلّها يُشيّعونه إلى أرض كنعان لدفنه.

47

ولمّا سمع عيسو ذلك وكان ساكنًا في جبل سعير، قام هو وبنوه وكلُّ قومه وكلُّ أهل بيته، شعبٌ عظيمٌ جدًا، وجاؤوا ليندبوا ويبكوا على يعقوب.

48

ولمّا جاء عيسو، ناح على أخيه يعقوب، فقام جميعُ مصر وكلُّ كنعان أيضًا وناحوا نوحًا عظيمًا مع عيسو على يعقوب في ذلك المكان.

49

ثم نقل يوسف وإخوته أباهم يعقوب من ذلك الموضع، وذهبوا إلى حبرون لدفنه في المغارة مع آبائه.

اعتراض عيسو على الدفن وجدلٌ حول الملكية وطلب السجلات

50

وجاؤوا إلى قرية أربع، إلى المغارة، وعند مجيئهم وقف عيسو مع بنيه في وجه يوسف وإخوته مُعيقين عند المغارة، قائلين: لن يُدفن يعقوب فيها، فإنها لنا ولأبينا.

51

فلمّا سمع يوسف وإخوته كلام أبناء عيسو، غضبوا جدًا، فتقدّم يوسف إلى عيسو وقال: ما هذا الذي تكلّموا به؟ حقًّا إن أبي يعقوب قد اشتراها منك بثرواتٍ عظيمة بعد موت إسحاق، منذ خمسٍ وعشرين سنة، وكذلك كلُّ أرض كنعان قد اشتراها منك ومن بنيك ومن نسلك من بعدك.

52

وقد اشتراها يعقوب لبنيه ولنسله من بعده ميراثًا إلى الأبد، فلماذا تقول هذه الأمور اليوم؟

53

فأجاب عيسو قائلاً: إنك تتكلّم باطلًا وتنطق كذبًا، لأني لم أَبِع شيئًا يخصّني في هذه الأرض كما تقول، ولا اشترى أخي يعقوب شيئًا لي في هذه الأرض.

54

وكان عيسو يتكلّم بهذه الأمور ليُضلّ يوسف بكلامه، لأن عيسو كان يعلم أن يوسف لم يكن حاضرًا تلك الأيام حين باع عيسو كلَّ ما يخصّه في أرض كنعان ليعقوب.

55

فقال يوسف لعيسو: إن أبي قد أثبت هذه الأمور معك في سجلّ الشراء، وشهِّد السجلّ بشهود، وها هو عندنا في مصر.

56

فأجابه عيسو قائلاً: ائتِ بالسجلات؛ كلُّ ما تجده مكتوبًا في السجل نفعله.

تكليف نفتالي بجلب السجلات وتحوّل النزاع إلى قتال

57

فدعا يوسف نفتالي أخاه وقال: أسرِعْ سريعًا، لا تتوانَ، اجرُ أرجوك إلى مصر وائتِ بكلِّ السجلات: سجلّ الشراء، السجلّ المختوم والسجلّ المفتوح، وأيضًا جميع السجلات الأولى التي كُتبت فيها معاملات البكورية، ائتِ بها.

58

وتأتي بها إلينا إلى هنا لنعرفَ منها كلَّ كلام عيسو وبنيه الذي تكلّموا به اليوم.

59

فأصغى نفتالي لصوت يوسف، وأسرع وركض لينحدر إلى مصر، وكان نفتالي أخفَّ عدوًا من كلِّ الظباء التي في البرية، إذ كان يمشي على سنابل القمح فلا يسحقها.

60

ولمّا رأى عيسو أن نفتالي قد ذهب ليأتي بالسجلات، اشتدّت ممانعتهم عند المغارة، وقام عيسو وكلُّ قومه على يوسف وإخوته للقتال.

غلبةُ بني يعقوب ومقتل عيسو ودفن يعقوب قسرًا بالمغارة

61

فقاتل جميعُ بني يعقوب وشعبُ مصر عيسو ورجاله، فهُزم أبناءُ عيسو وقومُه أمام بني يعقوب، وقتل بنو يعقوب من قوم عيسو أربعين رجلًا.

62

وكان حُشيم ابن دان بن يعقوب في ذلك الوقت مع بني يعقوب، لكنه كان على بُعد نحو مئة ذراع من موضع القتال، لأنه بقي مع أولادِ أبناء يعقوب عند نعش يعقوب يحرسه.

63

وكان حُشيم أبكمَ وأصمَّ، ومع ذلك كان يفهم صوت الاضطراب بين الناس.

64

فسأل قائلاً: لماذا لا تدفنون الميت، وما هذا الاضطراب العظيم؟ فأخبروه بكلام عيسو وبنيه، فركض إلى عيسو في وسط القتال، وقتل عيسو بسيفٍ وقطع رأسه، فطار إلى مسافة، وسقط عيسو بين القوم في المعركة.

65

ولمّا صنع حُشيم هذا، غلب بنو يعقوب أبناءَ عيسو، ودفن بنو يعقوب أباهم يعقوب قسرًا في المغارة، وكان بنو عيسو يُعاينون ذلك.

دفنٌ في مكفيلة بإجلال استثنائي وحدادٌ سبعة أيام

66

ودُفن يعقوب في حبرون، في مغارة مكفيلة التي اشتراها إبراهيم من بني حثّ ملكًا لموضع قبر، ودُفن في أثوابٍ فاخرةٍ جدًا.

67

ولم يُكْرَم ملكٌ بمثل الكرامة التي أولاها يوسف لأبيه عند موته، لأنه دفنه بكرامةٍ عظيمة كدفن الملوك.

68

وأقام يوسف وإخوته حدادًا سبعة أيام على أبيهم.