حرب حبرون، أسر زيفو، ودفن عيسو ورجوع بني يعقوب
وبعد هذا شنّ بنو عيسو حربًا على بني يعقوب، فقاتل بنو عيسو بني يعقوب في حبرون، وكان عيسو لا يزال مطروحًا ميتًا غير مدفون.
واشتدّت الحرب بينهم، فانهزم بنو عيسو أمام بني يعقوب، وقتل بنو يعقوب من بني عيسو ثمانين رجلًا، ولم يُقتل من قوم بني يعقوب أحد؛ وغلبت يدُ يوسف على جميع قوم بني عيسو، فأمسك زيفو بن أليفاز بن عيسو وخمسين من رجاله أحياء، وقيّدهم بسلاسل من حديد، وسلّمهم إلى عبيده ليُؤتَوا بهم إلى مصر.
ولما أسر بنو يعقوب زيفو وقومه، خاف الباقون من بيت عيسو خوفًا شديدًا على أنفسهم لئلا يُؤخَذوا هم أيضًا أسرى، فهربوا جميعًا مع أليفاز بن عيسو وقومه، حاملين جثمان عيسو، وانطلقوا في طريقهم إلى جبل سعير.
فبلغوا جبل سعير ودفنوا عيسو في سعير، لكنهم لم يأتوا برأسه معهم إلى سعير، لأنه دُفن في الموضع الذي كانت فيه المعركة في حبرون.
ولما هرب بنو عيسو من أمام بني يعقوب، طاردهم بنو يعقوب إلى تخوم سعير، لكنهم لم يقتلوا منهم رجلًا واحدًا أثناء المطاردة، لأن جثمان عيسو الذي كانوا يحملونه معهم سبّب لهم اضطرابًا، ففرّوا، ورجع بنو يعقوب عنهم، وصعدوا إلى الموضع الذي فيه إخوتهم في حبرون، وأقاموا هناك في ذلك اليوم، وفي اليوم التالي حتى استراحوا من القتال.
زحف بني عيسو وبني المشرق إلى مصر ومعركة رعمسيس
وفي اليوم الثالث جمع بنو عيسو كلَّ بني سعير الحوري، وجمعوا كلَّ بني المشرق، جمهورًا من الناس كالرمل الذي على البحر، ومضوا ونزلوا إلى مصر ليقاتلوا يوسف وإخوته، لكي يخلّصوا إخوتهم.
وسمع يوسف وجميعُ بني يعقوب أن بني عيسو وبني المشرق قد جاءوا عليهم للحرب ليخلّصوا إخوتهم.
فخرج يوسف وإخوته ورجال مصر الأشِدّاء وقاتلوا في مدينة رعمسيس، وأوقع يوسف وإخوته ضربة عظيمة في بني عيسو وبني المشرق.
وقتلوا منهم ستمائة ألف رجل، وقتلوا من بينهم جميعَ جبابرةِ بني سعير الحوري فلم يبقَ منهم إلا قليل، وقتلوا أيضًا عددًا كبيرًا من بني المشرق ومن بني عيسو، فهرب أليفاز بن عيسو وبنو المشرق جميعًا أمام يوسف وإخوته.
وطاردهم يوسف وإخوته حتى بلغوا سكوت، وقتلوا منهم في سكوت ثلاثين رجلًا، ونجا الباقون فهرب كل واحد إلى مدينته.
ورجع يوسف وإخوته وجبابرة مصر عنهم بفرح وانشراح قلب، لأنهم ضربوا جميع أعدائهم.
استعباد زيفو وتوتر مع بني سعير ومطالبتهم بإجلاء عيسو
وكان زيفو بن أليفاز ورجاله ما يزالون عبيدًا في مصر لبني يعقوب، وازدادت معاناتهم.
ولما رجع بنو عيسو وبنو سعير إلى أرضهم، رأى بنو سعير أنهم جميعًا قد سقطوا في يد بني يعقوب وشعب مصر بسبب معركة بني عيسو.
فقال بنو سعير لبني عيسو: قد رأيتم، وأنتم تعلمون، أن هذا الجيش إنما قام بسببكم، ولم يبقَ لنا رجل جبار ولا خبير بالحرب.
فالآن اخرجوا من أرضنا، اذهبوا عنا إلى أرض كنعان، إلى أرض سُكنى آبائكم. لماذا يرث أبناؤكم ممتلكات أبنائنا في الأيام الآتية؟
ولم يسمع بنو عيسو لبني سعير، فتآمر بنو سعير أن يشنّوا عليهم حربًا.
استنجاد عيسو بملك دِنْهابة وتحالف سعير مع المشرق ومديان
فأرسل بنو عيسو سرًّا إلى أنجياس ملك أفريقيا، وهو نفسه دِنْهابة، قائلين:
أرسل إلينا بعض رجالِك ليأتوا إلينا، فنقاتل معًا بني سعير الحوري، لأنهم قد عزموا أن يحاربونا ليطردونا من الأرض.
ففعل أنجياس ملك دِنْهابة ذلك، لأنه كان في تلك الأيام صديقًا لبني عيسو، فأرسل إلى بني عيسو خمسمائة من المشاة الأشِدّاء، وثمانمائة من الفرسان.
وأرسل بنو سعير إلى بني المشرق وإلى بني مديان يقولون: قد رأيتم ما فعله بنا بنو عيسو، الذين بسببهم هلكنا نحن تقريبًا جميعًا، في حربهم مع بني يعقوب.
فالآن هلمّوا إلينا وأعينونا، فنحاربهم معًا، ونطردهم من الأرض، وننتقم لأجل إخواننا الذين ماتوا بسببهم في قتالهم مع إخوتهم بني يعقوب.
فسمع جميعُ بنو المشرق لبني سعير، وجاؤوهم بنحو ثمانمائة رجل مسلولي السيوف، وقاتل بنو عيسو بني سعير في ذلك الحين في برية فاران.
غلبة بني سعير أولًا وانشقاقٌ داخل عيسو ونوحٌ على الخيانة
وغلب بنو سعير حينئذٍ بني عيسو، وقتل بنو سعير في ذلك اليوم من بني عيسو في تلك المعركة نحو مائتي رجل من قوم أنجياس ملك دِنْهابة.
وفي اليوم الثاني جاء بنو عيسو ثانية ليقاتلوا بني سعير مرة أخرى، فاشتدّت الحرب على بني عيسو في هذه المرّة الثانية، وأزعجتهم كثيرًا بسبب بني سعير.
فلما رأى بنو عيسو أن بني سعير أقوى منهم، رجع بعضُ رجال بني عيسو وانضمّوا إلى بني سعير أعدائهم ليُعينوهم.
وسقط أيضًا من شعب بني عيسو في المعركة الثانية ثمانيةٌ وخمسون رجلًا من قوم أنجياس ملك دِنْهابة.
وفي اليوم الثالث سمع بنو عيسو أن بعضَ إخوتهم قد انقلبوا عليهم ليقاتلوهم في المعركة الثانية؛ فناح بنو عيسو لما سمعوا هذا الأمر.
إمدادات جديدة من دِنْهابة ونصرٌ حاسم لعيسو في برية فاران
وقالوا: ماذا نصنع لإخوتنا الذين انقلبوا علينا ليُعينوا بني سعير أعداءنا؟ وأرسل بنو عيسو مرة أخرى إلى أنجياس ملك دِنْهابة، قائلين:
أرسل إلينا مرة أخرى رجالًا آخرين، لكي نحارب بهم بني سعير، لأنهم قد غلبونا مرتين.
فأرسل أنجياس مرة أخرى إلى بني عيسو نحو ستمائة رجلٍ شجعان، فجاؤوا ليُعينوا بني عيسو.
وبعد عشرة أيام عاد بنو عيسو فحاربوا بني سعير في برية فاران، فكانت المعركة شديدة جدًا على بني سعير، وغلب بنو عيسو هذه المرّة بني سعير، وضُرب بنو سعير أمام بني عيسو، وقتل بنو عيسو منهم نحو ألفي رجل.
ومات في هذه المعركة جميعُ جبابرةِ بني سعير، ولم يبقَ إلا صغارُ أولادِهم الذين كانوا في مدنهم.
وفرّ جميعُ مديان وبنو المشرق من المعركة، وتركوا بني سعير وهربوا لما رأوا أن الحرب قد اشتدّت عليهم، وطارد بنو عيسو جميعَ بني المشرق حتى بلغوا أرضهم.
وقتل بنو عيسو منهم أيضًا نحو مائتين وخمسين رجلًا، وسقط من قوم بني عيسو في تلك المعركة نحو ثلاثين رجلًا. غير أن هذا الشرَّ جاء عليهم بسبب تحوّل بعض إخوتهم عنهم لمعاونة بني سعير الحوري، وسمع بنو عيسو ثانيةً بشرِّ أفعال إخوتهم، فعادوا ينوحون بسبب هذا الأمر.
إبادة بقايا بني سعير واستيطان بني عيسو وتقسيم الأرض
وبعد المعركة رجع بنو عيسو وعادوا إلى موطنهم في سعير، فقتل بنو عيسو من بقي في أرض بني سعير، وقتلوا أيضًا نساءهم وصغارهم، ولم يتركوا نفسًا حيّة إلا خمسين من الغلمان والفتيات أبقوهم أحياء؛ فلم يقتُلْهم بنو عيسو، بل صار الغلمان عبيدًا لهم، واتخذوا الفتيات زوجات.
وسكن بنو عيسو في سعير مكان بني سعير، وورثوا أرضهم وتملّكوها.
وأخذ بنو عيسو كلَّ ما كان في الأرض لبني سعير، من قطعانهم وثيرانهم وأمتعتهم، وكل ما كان لبني سعير أخذه بنو عيسو. وأقام بنو عيسو في سعير مكان بني سعير إلى هذا اليوم، وقسّم بنو عيسو الأرض أقسامًا على خمسة أبناء عيسو بحسب عائلاتهم.
قرار إقامة ملكٍ أجنبي وقَسَمٌ بعدم اختيار ملوكٍ من الإخوة
وحدث في تلك الأيام أن بني عيسو عزموا أن يُتوّجوا عليهم ملكًا في الأرض التي امتلكوها. وقال بعضهم لبعض: ليس هكذا، بل ليملك علينا في أرضنا، فنكون تحت مشورته، وهو يقود حروبنا ضد أعدائنا. ففعلوا كذلك.
وحلف جميعُ بني عيسو قائلين: ألا يملك علينا أحدٌ من إخوتنا أبدًا، بل رجلٌ غريب ليس من إخوتنا، لأن نفوس جميع بني عيسو قد امتلأت مرارة، كلُّ رجلٍ على ابنه وأخيه وصاحبه، بسبب الشرّ الذي لقوه من إخوتهم حين قاتلوا بني سعير.
لذلك حلف بنو عيسو قائلين: من ذلك اليوم فصاعدًا لا نختار ملكًا من إخوتنا، بل من أرضٍ غريبة، إلى هذا اليوم.
تتويج بالع بن بعور ملكًا على عيسو واستتباب الأمن ثلاثين عامًا
وكان هناك رجل من شعب أنجياس ملك دِنْهابة اسمه بالع بن بعور، وكان رجلًا شديد البأس، جميلًا ووسيمًا، حكيمًا في كل حكمة، صاحب فطنة ومشورة؛ ولم يكن في شعب أنجياس مِثله.
فأخذَه جميعُ بني عيسو ومسحوه وتوّجوه ملكًا، وسجدوا له وقالوا له: ليَحْيَ الملك، ليَحْيَ الملك.
وبسطوا الثوب، وجاءه كلُّ رجلٍ بأقراطٍ من ذهبٍ وفضة، أو خواتم أو أساور، فأغنوه جدًا فضةً وذهبًا وحجارةَ الجزع والمُقْل، وصنعوا له عرشًا ملوكيًا، ووضعوا تاجًا مُلكيًا على رأسه، وبنوا له قصرًا فسكن فيه، وصار ملكًا على جميع بني عيسو.
وأخذ قومُ أنجياس أجرتَهم على حربهم من بني عيسو، ثم مضَوا ورجعوا في ذلك الوقت إلى سيدهم في دِنْهابة.
ومَلَكَ بالع على بني عيسو ثلاثين سنة، وسكن بنو عيسو في الأرض بدل بني سعير، وأقاموا آمنين في موضعهم إلى هذا اليوم.