أمر الرب لنوح بالدخول وتنظيم اصطفاف الكائنات واختيار الداخلين
في ذلك الوقت، بعد وفاة متوشالح، قال الرب لنوح: ادخل أنت وأهلُ بيتك الفلك؛ فهأنذا أجمع إليك كل حيوانات الأرض، ووحوش الحقل وطيور السماء، فيأتون جميعًا ويحيطون بالفلك.
وتذهب فتجلس عند أبواب الفلك، وتجتمع أمامك كل الوحوش والدواب والطيور وتَصطفّ أمامك، فما جاء منها وبرك أمامك فخذه وسلّمه إلى أيدي أبنائك فيُدخلونه إلى الفلك، وأما من يبقى قائمًا أمامك فاتركه.
وأجرى الرب هذا في الغد، فجاءت الدواب والوحوش والطيور بأعدادٍ غفيرة وأحاطت بالفلك.
ومضى نوح فجلس عند باب الفلك، فكل ذي جسدٍ برك أمامه أدخله إلى الفلك، وكل من وقف أمامه تركه على الأرض.
واقعة اللبوة وشبليها علامة على اختيار الداخلين للفلك
وجاءت لبوة ومعها شبلان، ذكر وأنثى، فبرك الثلاثة أمام نوح، فثار الشبلان على اللبوة وضرباها فأجبراها على الفرار من مكانها، فانصرفت، وعادا إلى موضعيهما وبركا على الأرض أمام نوح.
فهربت اللبوة ووقفت في مكان الأسود.
ولما رأى نوح ذلك تعجّب جدًا، فقام وأخذ الشبلين وأدخلهما إلى الفلك.
إدخال الأزواج واستكمال الطاهرة سباعًا والانتظار سبعة أيام
وأدخل نوح إلى الفلك من جميع الكائنات الحيّة التي على الأرض، حتى لم يبقَ منها شيء إلا وقد أدخله نوح إلى الفلك.
فدخل إلى نوح إلى الفلك اثنان اثنان، وأما الطاهرة من البهائم والطيور الطاهرة فأدخل منها سبعة أزواج، كما أوصاه الله.
وظلّت جميع الحيوانات والوحوش والطيور هناك، يحيطون بالفلك من كل جهة، ولم ينزل المطر إلا بعد سبعة أيام.
آيات كونية مروعة لردع البشر ورفضهم الرجوع عن الشر
وفي ذلك اليوم جعل الرب الأرض كلها ترتجّ، وأظلمت الشمس، واضطربت أسس العالم، وتزلزلت الأرض كلها بعنف، ولمعت الصواعق، ودوى الرعد، وانفجرت جميع ينابيع الأرض، في أمرٍ لم يعرفه السكان من قبل؛ وصنع الله هذا العمل الجبّار ليرهب بني البشر، لكي لا يبقى شر على الأرض.
ومع ذلك لم يرجع بنو البشر عن طرقهم الشريرة، بل زادوا غضب الرب في ذلك الوقت، ولم يوجّهوا قلوبهم إلى كل هذا.
بدء الطوفان ودخول نوح وأهله وإغلاق الرب عليهم
وفي نهاية سبعة أيام، في السنة السادسة المئة من حياة نوح، صارت مياه الطوفان على الأرض.
وانفجرت كل ينابيع الغمر، وانفتحت كُوى السماء، وكان المطر على الأرض أربعين يومًا وأربعين ليلة.
فدخل نوح وأهل بيته، وكل الكائنات الحيّة التي معه، إلى الفلك بسبب مياه الطوفان، وأغلق الرب عليه.
شدة المطر تجمع الناس حول الفلك واستغاثتهم لنوح
وأما بنو البشر الذين بقوا على الأرض فأصابهم الإعياء واشتدّ بهم البلاء بسبب المطر، إذ كانت المياه تأتي على الأرض بأعنف، وكانت الحيوانات والوحوش لا تزال تحيط بالفلك.
واجتمع بنو البشر، نحو سبعمئة ألف من الرجال والنساء، وأتوا إلى نوح عند الفلك.
ونادوا نوحًا قائلين: افتح لنا لندخل إليك إلى الفلك—ولِمَ نموت؟
توبيخ نوح لقومه ورفضه بعد إعراضهم الطويل عن دعوة الرب
فأجابهم نوح بصوت عالٍ من داخل الفلك قائلاً: أَلَم تَتمرّدوا كلكم على الرب وتقولوا إنه غير موجود؟ لذلك جلب الرب عليكم هذا الشر ليُهلككم ويقطعكم عن وجه الأرض.
أليس هذا ما كلمتكم به منذ مئةٍ وعشرين سنة، فلم تسمعوا لصوت الرب؟ والآن تريدون أن تحيوا على الأرض؟
فقالوا لنوح: نحن مستعدّون أن نرجع إلى الرب؛ إنما افتح لنا لنحيا ولا نموت.
فأجابهم نوح قائلاً: ها أنتم الآن لما رأيتم ضيق نفوسكم ترغبون في الرجوع إلى الرب؛ فلماذا لم ترجعوا خلال هذه المئة والعشرين سنة التي منحكم الرب إياها كأجلٍ مُحدَّد؟
وأما الآن فأنتم تأتون وتقولون هذا بسبب ضيق نفوسكم؛ والآن أيضًا لن يصغي الرب إليكم، ولن يُميل أذنه لكم في هذا اليوم، فلن تفلحوا في مرادكم الآن.
محاولة اقتحام الفلك وإرسال الرب الوحوش لصدهم عن المكان
فاقترب بنو البشر ليقتحموا الفلك ويدخلوا بسبب المطر، إذ لم يعودوا يطيقون ما ينزل عليهم من مطر.
فأرسل الرب جميع الوحوش والدواب الواقفة حول الفلك. فتغلّبت الوحوش عليهم وطردتهم من ذلك الموضع، فانصرف كل إنسانٍ في طريقه وتبدّدوا من جديد على وجه الأرض.
هلاك الكائنات وهيجان المياه وقلق أهل الفلك وصلاة نوح
وكان المطر لا يزال هابطًا على الأرض، فنزل أربعين يومًا وأربعين ليلة، وغلبت المياه كثيرًا على الأرض؛ فهلك كل ذي جسدٍ كان على الأرض أو في المياه، من الناس والبهائم والوحوش والزواحف وطيور السماء، ولم يبقَ إلا نوح والذين معه في الفلك.
وغلبت المياه وازدادت كثيرًا على الأرض، فرفعت الفلك فارتفع عن الأرض.
وجرى الفلك على وجه المياه، واضطرب على المياه حتى تقلبت كل الكائنات الحيّة التي فيه كالحساء في القدر.
وأخذ القلق الشديد كل الكائنات الحيّة التي في الفلك، وكاد الفلك أن ينكسر.
وارتاعت كل الكائنات الحيّة التي في الفلك، فزأرت الأسود، وخوّرت البقر، وعوت الذئاب، وكل كائنٍ حيّ في الفلك نطق وناح بلغته، حتى إن أصواتهم بلغت مسافةً بعيدة، وبكى نوح وبنوه وصرخوا في ضيقهم؛ وخافوا جدًا أنهم قد بلغوا أبواب الموت.
وصلّى نوح إلى الرب وصرخ إليه بسبب هذا، وقال: يا رب أعنّا، فليس لنا قوة لنحتمل هذا الشر الذي أحاط بنا، فقد أحاطت بنا أمواج المياه، وأفزعتنا السيول العاتية، وأشراكُ الموت قد برزت أمامنا؛ أجبنا يا رب، أجبنا، وأنِر وجهك علينا وتحنّن علينا، وافدنا وخلّصنا.
استجابة الرب وهدوء المياه واستقرار الفلك على أراراط
فاستجاب الرب لصوت نوح، وذكره الرب.
وعبَرَت ريحٌ على الأرض، فهدأت المياه واستقرّ الفلك.
وانسدت ينابيع الغمر وكُوى السماء، وحُبس مطر السماء.
ونقصت المياه في تلك الأيام، فاستقرّ الفلك على جبال أراراط.
دعاء نوح للخروج وإجابة بتحديد تمام السنة ميعادًا
وحينئذٍ فتح نوح كُوى الفلك، وما زال نوح ينادي الرب في ذلك الوقت قائلاً: يا رب، يا من كوّنتَ الأرض والسماوات وكل ما فيها، أخرج نفوسنا من هذا الحبس، ومن السجن الذي وضعتنا فيه، فقد أضناني التأوّه كثيرًا.
فاستجاب الرب لصوت نوح وقال له: متى أتممتَ سنةً كاملة تخرج حينئذٍ.
انقضاء السنة وجفاف الأرض وأمرٌ بالخروج وتنفيذه من الجميع
وعند دوران السنة، لما اكتملت سنةٌ كاملة لإقامة نوح في الفلك، جفّت المياه عن وجه الأرض، وكشف نوح غطاء الفلك.
وفي ذلك الوقت، في اليوم السابع والعشرين من الشهر الثاني، كانت الأرض يابسة، لكن نوحًا وبنيه والذين معه لم يخرجوا من الفلك حتى أمرهم الرب.
وجاء اليوم الذي قال لهم الرب فيه أن يخرجوا، فخرجوا جميعًا من الفلك.
الاستقرار والبركة والتكليف بالتكاثر وملء الأرض من جديد
ومضوا فرجع كل واحدٍ إلى طريقه وإلى مكانه، وأقام نوح وبنوه في الأرض التي أخبرهم الله بها، وخدموا الرب كل أيامهم، وبارك الرب نوحًا وبنيه عند خروجهم من الفلك.
وقال لهم: أَثمِروا واملأوا الأرض كلَّها؛ وتقوّوا وتكاثروا بكثرة في الأرض وأكثروا فيها.