بلعام يفرّ إلى كتّيم، وزيفو يكرّمه بعد الحرب

1

وكان بلعام بن بعور في ذلك الوقت مع أنجياس في القتال، فلما رأى أن زيفو قد غلب أنجياس هرب من هناك وجاء إلى كتّيم.

2

فقابله زيفو وبنو كتّيم بإجلال عظيم، لأن زيفو كان يعرف حكمة بلعام، فأعطى زيفو بلعام عطايا كثيرة، فمكث معه.

زيفو يجدد ملكه، يفرح بالأمن، ولا يذكر الرب

3

ولما رجع زيفو من الحرب أمر بإحصاء جميع بني كتّيم الذين خرجوا معه إلى القتال، فإذا ليس منهم مفقود واحد.

4

ففرح زيفو بهذا الأمر وجدد مملكته، وصنع وليمةً لجميع رعاياه.

5

لكن زيفو لم يذكر الرب، ولم يعتبر أن الرب قد نصره في القتال وأنقذه هو وشعبه من يد ملك أفريقيا، بل استمر يسلك في طرق بني كتّيم وبني عيسو الأشرار، عابدًا آلهة أخرى كما علّمه إياه إخوته بنو عيسو؛ لذلك قيل: من الشرير يخرج الشر.

6

وملك زيفو على جميع بني كتّيم بأمان، لكنه لم يعرف الرب الذي أنقذه هو وكل شعبه من يد ملك أفريقيا؛ ولم تعد جيوش أفريقيا تأتي إلى كتّيم للنهب كعادتها، إذ عرفوا قوة زيفو الذي ضربهم جميعًا بحدّ السيف. فكان أنجياس يخاف زيفو بن أليفاز، ويخاف بني كتّيم كل الأيام.

زيفو يعتزم غزو مصر للثأر لبني عيسو بعد موت يوسف

7

وفي ذلك الوقت، لما رجع زيفو من الحرب ورأى كيف غلب جميع شعوب أفريقيا وضربهم في القتال بحدّ السيف، تشاور زيفو مع بني كتّيم أن يذهبوا إلى مصر ليحاربوا بني يعقوب وفرعون ملك مصر.

8

لأن زيفو سمع أن جبابرة مصر قد ماتوا، وأن يوسف وإخوته بنو يعقوب قد ماتوا، وأن جميع أولادهم، أي بنو إسرائيل، ما زالوا مقيمين في مصر.

9

فعزم زيفو أن يذهب ليحاربهم وجميع مصر، لينتقم لقضية إخوته بني عيسو الذين ضربهم يوسف مع إخوته وكل مصر في أرض كنعان حين صعدوا لدفن يعقوب في حبرون.

تحالف زيفو مع أدوم وبني المشرق وإسماعيل وتجميع الجيوش

10

وأرسل زيفو رسلًا إلى هدد بن بِداد ملك أدوم، وإلى جميع إخوته بني عيسو، يقول:

11

ألم تقولوا إنكم لا تقاتلون ملك أفريقيا لأنه من أهل عهدكم؟ ها أنا قد قاتلته وضربته هو وكل شعبه.

12

والآن قد عزمت أن أحارب مصر وبني يعقوب الذين هناك، لأنتقم منهم لما فعله بنا يوسف وإخوته وأسلافه في أرض كنعان حين صعدوا لدفن أبيهم في حبرون.

13

فإن كنتم الآن ترغبون أن تأتوا إليّ لتساعدوني في مقاتلتهم ومصر، فإننا سنثأر لقضية إخوتنا.

14

فاستجاب بنو عيسو لكلام زيفو، واجتمع بنو عيسو، شعبًا عظيمًا جدًا، وذهبوا ليُعينوا زيفو وبني كتّيم في القتال.

15

وأرسل زيفو إلى جميع بني المشرق وإلى جميع بني إسماعيل بكلام مثل هذا، فاجتمعوا وجاؤوا لمعاونة زيفو وبني كتّيم في الحرب على مصر.

16

فخرج جميع هؤلاء الملوك: ملك أدوم وبنو المشرق وجميع بني إسماعيل، وزيفو ملك كتّيم، واصطفّوا بكل جيوشهم في حبرون.

نزول الملوك بفتروس، واستنفار مصر وإشراك إسرائيل مع الريبة

17

وكان المعسكر عظيمًا جدًا، يمتد طولًا مسيرة ثلاثة أيام، شعبًا بعددٍ كرمل البحر الذي لا يُحصى.

18

ونزل جميع هؤلاء الملوك وجيوشهم وجاؤوا لمحاربة كل مصر، ونزلوا معًا في وادي فتروس.

19

وسمعت مصر كلها خبرهم، فاجتمعوا هم أيضًا، كل شعب أرض مصر ومن جميع مدنها، نحو ثلاثمئة ألف رجل.

20

وأرسل رجال مصر أيضًا إلى بني إسرائيل الذين كانوا في تلك الأيام في أرض جوشن، أن يأتوا إليهم ليذهبوا ويقاتلوا هؤلاء الملوك.

21

فاجتمع رجال إسرائيل، وكانوا نحو مئة وخمسين رجلًا، ودخلوا المعركة لمعاونة المصريين.

22

وخرج رجال إسرائيل ومصر، نحو ثلاثمئة ألف رجل ومئة وخمسين رجلًا، وساروا نحو أولئك الملوك للقتال، وتمركزوا من خارج أرض جوشن مقابل فتروس.

23

ولم يثق المصريون بإسرائيل أن يدخلوا معهم معسكرًا واحدًا للقتال، لأن جميع المصريين قالوا: لعل بني إسرائيل يُسلموننا إلى يد بني عيسو وإسماعيل، فهم إخوتهم.

24

فقال جميع المصريين لبني إسرائيل: امكثوا هنا معًا في مواقعكم، ونحن نذهب لنحارب بني عيسو وإسماعيل، فإن غلبنا هؤلاء الملوك فاهجموا عليهم أجمعين وأغيثونا. ففعل بنو إسرائيل كذلك.

فشل عرافة بلعام وإرادة الرب بتسليم زيفو لإسرائيل

25

وزيفو بن أليفاز بن عيسو ملك كتّيم، وهدد بن بِداد ملك أدوم، وجميع معسكراتهم، وكل بنو المشرق وبنو إسماعيل، شعبًا بعددٍ كالرمل، نزلوا معًا في وادي فتروس مقابل تحفنحيس.

26

وكان بلعام بن بعور الآرامي هناك في معسكر زيفو، لأنه جاء مع بني كتّيم إلى القتال، وكان بلعام رجلًا مكرّمًا جدًا في عيني زيفو ورجاله.

27

فقال زيفو لبلعام: اختبر لنا بالعِرافة لنعلم من سيغلب في المعركة، نحن أم المصريون.

28

فقام بلعام وجرّب فنّ العرافة، وكان حاذقًا في معرفتها، لكن التبس عليه الأمر وفسد العمل في يده.

29

وعاود المحاولة فلم تُفلح، فيئس بلعام منها وتركها ولم يُتمّها، لأن ذلك كان من عند الرب ليوقع زيفو وقومه في يد بني إسرائيل الذين اتكلوا على الرب إله آبائهم في حربهم.

بدء المعركة: المصريون وحدهم يواجهون ويتراجعون ويطلبون نجدة إسرائيل

30

واصطفّ زيفو وهدد قواتهما للقتال، وخرج المصريون وحدهم لملاقاتهم، نحو ثلاثمئة ألف رجل، ولم يكن معهم رجل واحد من إسرائيل.

31

وقاتل جميع المصريين هؤلاء الملوك مقابل فتروس وتحفنحيس، وكانت المعركة شديدة على المصريين.

32

وكان الملوك أقوى من المصريين في تلك المعركة، فسقط من مصر في ذلك اليوم نحو مئةٍ وثمانين رجلًا، ومن قوات الملوك نحو ثلاثين رجلًا، وفرّ كل رجال مصر من أمام الملوك، فطارد بنو عيسو وبنو إسماعيل المصريين، وهم يضربونهم حتى بلغوا إلى مكان معسكر بني إسرائيل.

33

فصرخ جميع المصريين إلى بني إسرائيل قائلين: أسرعوا إلينا وأغيثونا وخلّصونا من يد عيسو وإسماعيل وبني كتّيم.

إسرائيل يستغيث بالرب، ويدحر الملوك ويطاردهم حتى كوش

34

فركض المئة والخمسون من بني إسرائيل من مواقعهم إلى معسكرات هؤلاء الملوك، وصرخ بنو إسرائيل إلى الرب إلههم أن يخلّصهم.

35

فاستجاب الرب لإسرائيل، ودفع الرب جميع رجال الملوك إلى أيديهم، فقاتل بنو إسرائيل أولئك الملوك، وضرب بنو إسرائيل نحو أربعة آلاف من رجال الملوك.

36

وألقى الرب ذعرًا عظيمًا في معسكر الملوك، فوقع عليهم خوف بني إسرائيل.

37

فهربت كل جيوش الملوك من أمام بني إسرائيل، وتبعهم بنو إسرائيل، مستمرين في ضربهم إلى تخوم أرض كوش.

38

وقتل بنو إسرائيل منهم في الطريق أيضًا نحو ألفي رجل، ولم يسقط من بني إسرائيل رجل واحد.

هلع المصريين وهروبهم، وإسرائيل يكمل الضرب ثم يعود

39

ولما رأى المصريون أن بني إسرائيل، وهم قليلون، قد قاتلوا الملوك، وأن المعركة كانت شديدة جدًا عليهم،

40

خاف جميع المصريين جدًا على حياتهم بسبب المعركة العنيفة، فهربت مصر كلها، وكل رجل يختبئ من الجيوش المصطفّة، واختبأوا في الطريق، وتركوا بني إسرائيل يقاتلون.

41

وأنزل بنو إسرائيل ضربة مروّعة برجال الملوك، ثم رجعوا عنهم بعدما طردوهم إلى حدود أرض كوش.

دهاء إسرائيلي ضد المصريين على الطريق انتقامًا لتركهم القتال

42

وعلم كل إسرائيل بما فعله بهم رجال مصر، إذ فرّوا منهم في القتال وتركوهم ليقاتلوا وحدهم.

43

فأظهر بنو إسرائيل هم أيضًا دهاءً، وبينما كانوا راجعين من القتال وجدوا بعض المصريين في الطريق، فضربوهم هناك.

44

وبينما كانوا يقتلونهم قالوا لهم هذه الكلمات:

45

لماذا ذهبتم عنا وتركتمونا، ونحن قوم قليلون، لنقاتل هؤلاء الملوك ذوي الشعب الكثير ليضربونا، لتنجّوا بذلك أنفسكم؟

46

ومن البعض الذين لقيهم الإسرائيليون في الطريق كانوا يقولون فيما بينهم: اضربوا، اضربوا، فهذا إسماعيلي، أو أدومي، أو من بني كتّيم. فيثبون عليه ويقتلونه، وهم يعلمون أنه مصري.

47

وفعل بنو إسرائيل هذه الأمور بدهاء ضد المصريين، لأنهم تركوهم في القتال وفرّوا منهم.

48

وقتل بنو إسرائيل من رجال مصر في الطريق على هذا النحو نحو مئتي رجل.

خوف مصر من إسرائيل، وعودة الجميع إلى ديارهم

49

فلما رأى جميع رجال مصر الشر الذي فعله بهم بنو إسرائيل، خافت مصر كلها بني إسرائيل خوفًا شديدًا، لأنهم رأوا قوتهم العظيمة، وأنه لم يسقط منهم رجل واحد.

50

فرجع كل بني إسرائيل فرحين في طريقهم إلى جوشن، ورجع سائر مصر، كل رجل إلى مكانه.