انتقال مُلك أدوم وإفشال بني عيسو حملة سملة على صفو وبني كتّيم
في ذلك الزمان مات هدّاد بن بِداد ملك أدوم، فملك مكانه سملة من مسريكة، من بلاد بني المشرق.
في السنة الثالثة عشرة من مُلك فرعون ملك مصر، وهي السنة المئة والخامسة والعشرون لنزول بني إسرائيل إلى مصر، كان سملة قد ملك على أدوم ثماني عشرة سنة.
ولمّا ملك، استنفر جيوشه ليخرج ويحارب صفو بن أليفاز وبني كتّيم، لأنهم كانوا قد حاربوا أنجياس ملك إفريقيا وأبادوا جيشه كله.
لكنّه لم يشتبك معه، لأن بني عيسو منعوه قائلين: إنه أخوهم. فاستمع سملة لصوت بني عيسو ورجع بكل قواته إلى أرض أدوم، ولم يمضِ لقتال صفو بن أليفاز.
خوف فرعون ومضاعفة السُّخرة لبني إسرائيل رغم ازديادهم
وسمع فرعون ملك مصر هذا الأمر، قائلاً: إن سملة ملك أدوم قد عزم أن يقاتل بني كتّيم، ثم يأتي بعد ذلك ليحارب مصر.
ولما سمع المصريون هذا الشأن زادوا العمل على بني إسرائيل، لئلا يفعل بنو إسرائيل بهم كما فعلوا بهم في حربهم مع بني عيسو في أيام هدّاد.
فقال المصريون لبني إسرائيل: عجّلوا واعمَلوا عملكم، وأتمّوا وظيفتكم، وقوّوا الأرض، لئلا يأتي بنو عيسو إخوتكم ليقاتلونا، فإنهم لأجلكم سيأتون علينا.
فعمل بنو إسرائيل أعمال المصريين يومًا فيومًا، وأذلّ المصريون بني إسرائيل ليُنقِصوا عددهم في الأرض.
ولكن بقدر ما زاد المصريون العمل على بني إسرائيل ازداد بنو إسرائيل وكثروا، وامتلأت مصر كلّها ببني إسرائيل.
وفي السنة المئة والخامسة والعشرين لنزول إسرائيل إلى مصر، رأى جميع المصريين أن مشورتهم لم تنجح على إسرائيل، بل إنهم ازدادوا ونموا، وامتلأت أرض مصر وأرض جوشن ببني إسرائيل.
اجتماع شيوخ مصر لطلب تدبير حاسم ضد تكاثر إسرائيل
فجاء جميع شيوخ مصر وحكماؤها بين يدي الملك، فسجدوا له ثم جلسوا أمامه.
وقال جميع شيوخ مصر وحكماؤها للملك: ليحيَ الملك إلى الأبد؛ لقد أشرتَ علينا المشورة ضد بني إسرائيل، ففعلنا بهم بحسب كلام الملك.
لكن كلما ازداد العبء عليهم ازدادوا هم عددًا ونموا في الأرض، وها إن البلاد كلها قد امتلأت بهم.
فالآن يا سيدنا الملك، إن عيون مصر كلها شاخصة إليك لتدلّهم بحكمتك على ما به يقدرون أن يَغلِبوا إسرائيل ليُهلِكوهم أو يُنقِصوهم من الأرض؛ فأجابهم الملك قائلاً: أعطوني مشورة في هذا الأمر لنعلم ماذا نصنع بهم.
مشورة أيوب بقتل مواليد الذكور واستصدار مرسوم لا يُنقَض
فأجاب الملكَ ضابطٌ من مشيري الملك، اسمه أيوب، من ما بين النهرين، من أرض عوص، قائلاً:
إن حسن في عيني الملك فليسمع مشورة عبده؛ فقال له الملك: تكلّم.
فقال أيوب أمام الملك والأمراء وأمام جميع شيوخ مصر:
هوذا المشورة التي أشرتَ بها سابقًا بخصوص عمل بني إسرائيل صالحة جدًّا، ولا ينبغي أن ترفعوا عنهم ذلك العمل إلى الأبد.
لكن هذه هي المشورة التي بها يمكنكم أن تُنقِصوا عددهم، إن حسن في عيني الملك أن يبتليهم.
ها قد خِفنا الحرب منذ زمن طويل، وقلنا: متى أثمر إسرائيل في الأرض طردونا من الأرض إن قامت حرب.
إن حسن في عيني الملك فليخرج مرسومٌ ملكيّ، وليُكتب في شرائع مصر التي لا تُنقَض، أن كل مولود ذكر لبني إسرائيل يُسفك دمه على الأرض.
وبفعلِكم هذا، متى مات كل الذكور من أولاد إسرائيل زال شرّ حروبهم؛ فليفعل الملك كذلك، وليستدعِ جميع القابلات العبرانيات ويأمرهنّ في هذا الشأن بتنفيذه؛ فسُرّ الملك والأمراء بهذا الكلام، وفعل الملك بحسب قول أيوب.
استدعاء القابلات العبرانيات وتكليفهنّ بقتل كل مولود ذكر
فأرسل الملك فاستُدعيت القابلات العبرانيات، واسم إحداهنّ شفرة، واسم الأخرى فوعة.
فجاءت القابلات أمام الملك ووقفن بين يديه.
فقال لهنّ الملك: حين تَقُمنَ بعمل القابلة للنساء العبرانيات، وترينهنّ على مقاعد الولادة، فإن كان المولود ابنًا فاقتُلْنَهُ، وإن كانت بنتًا فلتعِش.
وإن لم تفعلن هذا الأمر فسأحرقكنّ وجميع بيوتكنّ بالنار.
رفض القابلات لأمر فرعون وتبريرهنّ وتكاثر الشعب لاحقًا
لكن القابلات خِفنَ الله، ولم يسمعن لفرعون ملك مصر ولا لكلامه، وكلّما ولدت النساء العبرانيات عند القابلة ذكرًا أو أنثى، كانت القابلة تصنع للطفل كل ما يلزم وتتركه حيًا؛ وهكذا فعلت القابلات طوال تلك الأيام.
فأُخبِر الملك بهذا الأمر، فأرسل ودعا القابلات، وقال لهنّ: لماذا فعلتنّ هذا الأمر وأحييتنّ الأولاد؟
فأجابت القابلات وتكلّمن معًا أمام الملك قائلات:
لا يظنّن الملك أن النساء العبرانيات كالمصريات، فكل بني إسرائيل أشدّاء أصحّاء، وقبل أن تصل إليهنّ القابلة يَلِدْنَ، وأما نحن إماءك، فمنذ أيام كثيرة لم تلد علينا امرأة عبرانية، لأن جميع النساء العبرانيات قابلات لأنفسهنّ لأنهنّ أصحّاء.
فسمع فرعون كلامهنّ وصدّقهنّ في هذا الشأن، فانصرفت القابلات من عند الملك، وأحسن الله إليهنّ، وكثر الشعب ونما جدًا.