نسب عمّرام ويوكابد وولادة مريم وهارون تحت التضييق المصري

1

كان رجلٌ في أرضِ مصر من نسلِ لاوي، اسمه عِمْرام بن قَهَات بن لاوي بن إسرائيل.

2

فمضى هذا الرجل واتّخذ زوجة، وهي يوكابد بنت لاوي عَمّةُ أبيه، وكان عمرُها مئةً وستًّا وعشرين سنة، ودخل عليها.

3

فحبلت المرأة وولدت بنتًا، وسمّتها مريم، لأن المصريين في تلك الأيّام كانوا قد مرّروا حياة بني إسرائيل.

4

ثم حبلت أيضًا وولدت ابنًا وسمّت اسمه هارون، لأن فرعون في أيّام حَملِها ابتدأ يَسفِك دمَ ذُكورِ بني إسرائيل.

تبدّل مُلك كتّيم وظهور بلعام مستشارًا مُكرّمًا لدى فرعون

5

وفي تلك الأيّام مات صفو بن أليفاز ابنِ عيسو، ملكِ كتّيم، وملَك مكانه يِنياس.

6

وكانت مُدّةُ مُلكِ صفو على بني كتّيم خمسين سنة، ثم مات ودُفن في مدينةِ نبنا في أرضِ كتّيم.

7

ومَلَك بعده يِنياس، وهو من جبابرةِ بني كتّيم، ومَلَك خمسين سنة.

8

وبَعد موتِ ملكِ كتّيم هربَ بلعام بن بعور من أرضِ كتّيم، وجاء إلى مصر إلى فرعون ملكِ مصر.

9

فقَبِله فرعون إكرامًا عظيمًا، لأنه كان قد سمع بحكمته، فأهدى إليه هدايا واتّخذه مستشارًا وعظّم شأنه.

10

وأقام بلعام في مصر مُكرَّمًا عند جميع عظماءِ الملك، ورفعه النبلاءُ، لأنهم جميعًا طمِعوا أن يتعلّموا حكمته.

حلم الميزان والجدي، وذعر البلاط واستدعاء الحكماء للتفسير

11

وفي السنةِ المئةِ والثلاثين لنزولِ إسرائيل إلى مصر، حَلِمَ فرعونُ أنه جالسٌ على عرشِه الملوكي، فرفع عينيه فرأى شيخًا قائمًا أمامه، وفي يدي الشيخ ميزانًا كموازينِ التُّجّار.

12

فأخذ الشيخ الميزان وعلّقه أمام فرعون.

13

ثم أخذ الشيخُ جميعَ شيوخِ مصر مع نُبلائها وعظمائها، وربطهم معًا وجعلهم في إحدى الكفّتَين.

14

وأخذ جديًا مُرضَعًا وجعله في الكفّة الأخرى، فرجحت كفّةُ الجدي على الجميع.

15

فدهش فرعون من هذه الرؤيا المُروِّعة: كيف ترجحُ كفّةُ الجدي على الجميع؟ ثمِ استيقظ فرعون، وإذا هو حلم.

16

فبكّر فرعونُ في الصباح ودعا جميع خدمه وقصّ عليهم الحلم، فخاف الرجالُ خوفًا شديدًا.

17

وقال الملك لكلِّ حُكمائه: فسِّروا لي، أرجوكم، الحلمَ الذي حلمتُه لأعرفَه.

تفسير بلعام بقدوم مولودٍ يُهدّد مصر والدعوة لوضع خطة

18

فأجاب بلعام بن بعور الملك وقال له: لا يدلّ هذا إلّا على شرٍّ عظيمٍ سينهض على مصر في آخر الأيّام.

19

إذ سيُولد لإسرائيل ابنٌ يُهلك مصر وكلَّ سكانِها، ويُخرج بني إسرائيل من مصر بيدٍ قديرة.

20

فالآن، أيها الملك، تشاوَرْ في هذا الأمر لكي تُدمِّر رجاءَ بني إسرائيل وتُخَيِّب توقُّعهم قبل أن يقوم هذا الشرُّ على مصر.

21

فقال الملك لبلعام: وماذا نصنعُ بإسرائيل؟ لقد تشاورنا أولًا عليهم على نحوٍ ما ولم نقدر أن نغلبهم.

22

فالآن هات أنت أيضًا مشورةً عليهم نتمكّن بها من قهرهم.

23

فأجاب بلعامُ الملك قائلًا: أرسِل الآن فادعُ مُستشارَيك الاثنين، فننظر ما رأيُهما في هذا الأمر، وبعد ذلك يتكلّم عبدُك.

استدعاء رعوئيل وأيوب، وبدء مشورة رعوئيل بترك العبرانيين

24

فأرسل الملكُ ودعا مستشارَيه الاثنين: رَعُوئيل المِدياني وأيوب العُوصي، فجاءا وجلسا أمام الملك.

25

وقال لهما الملك: ها قد سمعتُما الحلمَ الذي حلمتُه وتفسيرَه؛ فهاتا الآن المشورة، واعلما وانظُرا ما الذي يُفعَلُ ببني إسرائيل لنقهرهم قبل أن يقوم شرُّهم علينا.

26

فأجاب رَعُوئيلُ المِدياني الملك وقال: ليحيَ الملك، ليحيَ الملك إلى الأبد.

27

إنْ حَسُنَ في عيني الملك، فليكفَّ عن العبرانيين ويتركهم، ولا يمدّ يدَه عليهم.

أمثلة من عهد إبراهيم وسارة وعقوبة الملوك المتعرضين لهم

28

فهؤلاء هم الذين اختارهم الربّ في الأيّام السالفة، واتّخذهم نصيبَ ميراثِه من بين جميع أممِ الأرض وملوكها؛ فمن ذا الذي مدّ يده عليهم وسَلِمَ دون أن ينتقِمَ إلهُهم منه؟

29

ألا تعلم أنه لما نزل إبراهيم إلى مصر رأى فرعون، ملكُ مصر السابق، سارةَ امرأتَه فأخذها زوجةً له، لأن إبراهيم قال: هي أختي، إذ خاف أن يقتله رجالُ مصر من أجل امرأته؟

30

فلما أخذَ ملكُ مصر سارةَ ضربَه الله وبيته بضرباتٍ ثقيلة، حتى ردَّ إلى إبراهيم امرأتَه سارة، فشُفي حينئذٍ.

31

وكذلك عاقب اللهُ أبيمالك الجَراري ملكَ الفلسطينيين بسبب سارة زوجةِ إبراهيم، بإغلاقِ كلِّ رحمٍ من الإنسان إلى البهيمة.

32

إذ جاء إلهُهم إلى أبيمالك في حلمِ الليل وأفزعه لكي يردَّ إلى إبراهيم سارة التي أخذها، وبعد ذلك عوقِبَ كلُّ شعبِ جرار بسبب سارة، فصلّى إبراهيم إلى إلهه لأجلهم، فاستُجيب له وشُفوا.

33

فخاف أبيمالك كلَّ هذا الشرّ الذي أصابه وأصاب شعبَه، وردَّ إلى إبراهيم زوجته سارة، وأعطاه معها هدايا كثيرة.

ما جرى لإسحاق في جرار ثم الشفاعة واستجابة الرب

34

وكذلك فعل مع إسحاق لما طرده من جرار، وقد صنع الله له عجائب، حتى إن جميع مجاري مياهِ جرار جفّت، وأمسكت أشجارُهم المُثمِرة عن الإثمار.

35

حتى إن أبيمالك الجراري وأخُزّات أحدُ أصحابه، وفِيخُول رئيسُ جيشه، ذهبوا إليه فانحنَوا وسجدوا له إلى الأرض.

36

ورجَوه أن يتشفّع لهم، فصلّى إلى الربّ لأجلهم، فاستُجيب له وشفاهم الربّ.

نجاة يعقوب، ورفعة يوسف، وغضب فرعون على رعوئيل وانسحابه

37

وكذلك نُجّي يعقوب، الرجلُ المستقيم، باستقامتِه من يدِ أخيه عيسو، ومن يدِ لابان الآرامي خالِه الذي طلب نفسه؛ وأيضًا من يد جميع ملوكِ كنعان الذين اجتمعوا عليه وعلى بنيه ليُهلكوهم، فأنقذهم الربُّ من أيديهم حتى انقلبوا عليهم وضربوهم؛ فمن ذا الذي مدّ يده عليهم وسَلِم؟

38

ألم يرفع فرعون السابق، أبو أبيك، يوسفَ بنَ يعقوب فوق جميع رؤساءِ أرضِ مصر لما رأى حكمته؟ فبفضل حكمته أنقذ جميعَ سكانِ الأرض من المجاعة.

39

وبعد ذلك أمرَ يعقوبَ وبنيه أن ينزلوا إلى مصر، لكي تتخلّص أرضُ مصر وأرضُ جوشن من المجاعة بفضلهم.

40

فالآن، إنْ حَسُن في عينيك، فكفَّ عن إهلاكِ بني إسرائيل؛ وإن لم تُرِد أن يسكنوا في مصر، فأخرجهم من هنا ليذهبوا إلى أرضِ كنعان، الأرضِ التي تغرّب فيها آباؤهم.

41

ولما سمع فرعون كلامَ يَثْرُون غضب عليه جدًا، حتى إنه قام بخزيٍ من أمام الملك، وذهب إلى مِديان، أرضِه، وأخذ معه عصا يوسف.

جواب أيوب المتردد، وتمهيد بلعام لعجز النار والسيف والعمل

42

وقال الملكُ لأيوب العُوصي: ماذا تقولُ يا أيوب، وما مشورتُك في شأن العبرانيين؟

43

فقال أيوب للملك: هوذا جميعُ سكّانِ الأرض في يدك، فليفعَلِ الملكُ ما حَسُن في عينَيه.

44

وقال الملك لبلعام: ماذا تقولُ يا بلعام؟ تكلّمْ لنسمعْ كلامَك.

45

فقال بلعام للملك: من كلِّ ما تآمَر به الملكُ على العبرانيين سيُنجَّون، ولن يقدِرَ الملك أن يقهرهم بأيِّ مشورة.

46

فإن ظننتَ أن تُنقِصَهم بالنار المُضطرِمة فلن تغلبهم، لأن إلهَهم أنقذ أباهم إبراهيم من أورِ الكلدانيين؛ وإن ظننتَ أن تُفنيَهم بالسيف فحقًّا قد نُجّي أبوهم إسحاقُ منه، ووُضع كبشٌ بدلًا منه.

47

وإن ظننتَ أن تُقَلِّلهم بالعملِ الشاقّ القاسي فلن تفلح حتى في هذا، لأن أباهم يعقوب خدم لابان في شتّى ضروبِ العمل الشاقّ وأفلح.

مشورة الإغراق للذكور وتبنّي فرعون مرسومًا عامًا على جوشن

48

فالآن، أيها الملك، اسمعْ كلامي؛ فهذه هي المشورةُ المُتآمَرُ بها عليهم التي بها ستقهرهم، والتي لا ينبغي لك أن تحيد عنها.

49

إنْ حَسُن عند الملك، فليأمرْ أن يُطرحَ في الماء كلُّ أولادِهم الذين سيُولدون من هذا اليوم فصاعدًا، فبهذا تمحو اسمَهم، إذ لم يُجرَّب واحدٌ منهم ولا آباؤهم على هذا النحو.

50

فسمع الملكُ كلامَ بلعام، وحَسُن الأمرُ في عيني الملكِ والرؤساء، ففعل الملكُ بحسبِ كلامِ بلعام.

51

وأمر الملكُ بإصدارِ مرسومٍ وسنِّ قانونٍ في جميع أرضِ مصر، يقول: كلُّ مولودٍ ذكرٍ للعبرانيين من هذا اليوم فصاعدًا يُطرح في الماء.

52

ودعا فرعونُ جميعَ خدمه قائلًا: امضوا الآن وفتّشوا في كلِّ أرضِ جوشن حيث بنو إسرائيل، وتحقّقوا أن يُلقى كلُّ مولودٍ ذكرٍ للعبرانيين في النهر، وأما كلُّ بنتٍ فاتركوها تحيا.

ولادات الحقول وحفظ الرضّع بمعونة ملَك والأرض وفشل المصريين

53

ولما سمع بنو إسرائيل هذا الأمرَ الذي أمر به فرعون، أن يُطرحَ ذُكورُهم في النهر، اعتزل بعضُ القومِ نساءَهم، وتمسّك آخرون بهنّ.

54

ومن ذلك اليوم فصاعدًا، حين كان يحين أوانُ الولادةِ لنساءِ إسرائيل اللواتي بقينَ مع أزواجهنّ، كنّ يخرجن إلى الحقل ليضعن هناك، فيلدنَ في الحقل ويتركنَ أولادَهنَّ في الحقل ويرجعنَ إلى البيت.

55

فأرسل الربّ، الذي أقسم لآبائهم أن يُكثّرهم، واحدًا من ملائكته الخادمين الذين في السماء ليغسلَ كلَّ طفلٍ بالماءِ، وليمسحَه ويقمِّطَه، وليضعَ في يديه حجرين أملسين يمصّ من أحدهما لبنًا ومن الآخر عسلًا، ويُنبِتَ شعرَه حتى ركبتيه ليستترَ به؛ وليؤنسْه ويلازِمْه برأفتِه عليه.

56

ولما رحمَهم اللهُ وأراد أن يُكثّرَهم على وجهِ الأرض، أمر أرضَه أن تتلقّفهم لتحفظَهم فيها إلى حينِ نشأتهم، ثم فتحت الأرضُ فاها وقذفتهم فنبتوا من المدينة كنباتِ الأرض وعُشبِ الغابة، ورجع كلّ واحدٍ منهم إلى عشيرته وإلى بيتِ أبيه، وأقاموا معهم.

57

وكان رُضّعُ بني إسرائيل على وجهِ الأرض كعشبِ الحقل، بنعمةِ الله عليهم.

58

ولمّا رأى جميعُ المصريين هذا الأمر، خرج كلٌّ منهم إلى حقله بنيرِ بقرِه وسِكّةِ حرثِه، فحرثوه كما تُحرَث الأرض في زمنِ البذر.

59

ولمّا حرثوا لم يقدِروا أن يؤذوا رُضّعَ بني إسرائيل، فازداد الشعبُ ونما جدًا.

تفتيش يومي في جوشن وخطف الذكور من الأمهات إلى النهر

60

وأمر فرعونُ ضبّاطَه أن يذهبوا كلَّ يومٍ إلى جوشن يفتّشون عن رُضّعِ بني إسرائيل.

61

وكانوا إذا بحثوا ووجدوا واحدًا أخذوه قسرًا من حِجر أمّه وألقوه في النهر، وأما الأنثى فكانوا يتركونها مع أمّها؛ هكذا كان المصريون يفعلون ببني إسرائيل كلَّ تلك الأيّام.