مأدبة فرعون ورفع موسى التاج وحيرة الحاضرين المفاجئة

1

وفي السنة الثالثة من مولد موسى، كان فرعون جالسًا في مأدبة، وكانت ألفارانيث الملكة عن يمينه وباتيا عن يساره، وكان الغلام موسى مضطجعًا على صدرها، وبلعام بن بعور مع ابنيه، وجميع رؤساء المملكة جلوسًا إلى المائدة بين يدي الملك.

2

فمدّ الغلام يده إلى رأس الملك، وأخذ التاج عن رأس الملك ووضعه على رأسه هو.

3

فلما رأى الملك والرؤساء ما فعله الصبي، ارتاعوا، وتعجّب الرجل لصاحبه.

4

وقال الملك للرؤساء الجالسين أمامه إلى المائدة: ماذا تتكلمون وماذا تقولون، أيها الرؤساء، في هذا الأمر؟ وما الحكم الواجب على الغلام بسبب هذا الفعل؟

بلعام يفسر الفعل ويستحضر أمثلة آباء العبرانيين القديمة

5

فأجاب بلعام بن بعور الساحر أمام الملك والرؤساء، وقال: اذكر الآن يا سيدي الملك الحلم الذي حلمته منذ أيام، والتعبير الذي عبّره لك عبدك.

6

فالآن، هذا طفل من أولاد العبرانيين، فيه روح الله، فلا يظن سيدي الملك أن هذا الحدث فعل ذلك بلا معرفة.

7

فهو غلام عبري، ومعه حكمة وفهم وإن كان بعدُ صبيًا، وبحكمة فعل هذا واختار لنفسه مُلك مصر.

8

فهكذا عادة جميع العبرانيين: يخدعون الملوك وعظماءهم، ويفعلون كل هذه الأمور بدهاء، ليجعلوا ملوك الأرض ورجالهم يرتعدون.

9

أما تعلم أن إبراهيم أبيهم فعل كذلك، إذ خدع جيش نمرود ملك بابل، وأبيمالك ملك جرار، وأنه امتلك لنفسه أرض بني حِثّ وسائر ممالك كنعان.

10

وأنه نزل إلى مصر وقال عن سارة امرأته: هي أختي، ليُضلّ مصر وملكها.

11

وكذلك فعل ابنه إسحاق لما ذهب إلى جرار وأقام هناك، فغلبت قوته جيش أبيمالك ملك الفلسطينيين.

12

وفكّر كذلك أن يوقع مملكة الفلسطينيين في الزلل بقوله إن رفقة زوجته هي أخته.

استكمال حجج بلعام وصولًا لاقتراح قتل الغلام حماية المُلك

13

وكذلك غدر يعقوب بأخيه، وأخذ من يده بكوريته وبركته.

14

ثم مضى إلى فدان-أرام إلى بيت لابان أخي أمّه، فاحتال حتى أخذ منه ابنته وماشيته وكل ما له، وفرّ راجعًا إلى أرض كنعان إلى أبيه.

15

وباع بنوه أخاهم يوسف، الذي نزل إلى مصر وصار عبدًا، ووُضع في بيت السجن اثنتي عشرة سنة.

16

إلى أن حلم فرعون السابق أحلامًا، فأخرجه من بيت السجن، وعظّمه فوق جميع رؤساء مصر بسبب تفسيره أحلامه له.

17

ولما جعل الله في الأرض مجاعةً، أرسل فاستقدم أباه وجميع إخوته وكل بيت أبيه، وأعالهم بلا ثمن ولا أجر، واشترى المصريين عبيدًا.

18

فالآن يا سيدي الملك، هوذا هذا الطفل قد قام مقامهم في مصر، ليفعل كأفعالهم وليعبث بكل ملك ورئيس وقاضٍ.

19

إن حسن في عيني الملك، فلنسفك دمه الآن على الأرض، لئلا يكبر وينتزع المُلك من يدك، فيهلك رجاء مصر بعد أن يملك.

استدعاء حكماء مصر وظهور ملاك متخفٍ بينهم للمشورة

20

وقال بلعام للملك: ولنَدْعُ أيضًا جميع قضاة مصر وحكماءها، ولنَعلم هل يستحق هذا الغلام حكم الموت كما قلتَ، ثم نقتله.

21

فأرسل فرعون ودعا جميع حكماء مصر، فجاؤوا أمام الملك، وجاء بينهم ملاك من عند الرب، وكان كأنه واحد من حكماء مصر.

22

فقال الملك للحكماء: لقد سمعتم لا شكّ ما فعله هذا الغلام العبري الذي في البيت، وهكذا قضى بلعام في الأمر.

23

فالآن اقضوا أنتم أيضًا وانظروا ما الذي يستحقه الغلام على الفعل الذي ارتكبه.

اختبار الحجر والجمرة وتدخّل الملاك لإنقاذ موسى الصغير

24

فأجاب الملاك، الذي بدا كأحد حكماء فرعون، وقال هكذا أمام جميع حكماء مصر وأمام الملك والرؤساء:

25

إن حسن في عيني الملك فليبعث الملك رجالًا يأتون أمامه بحجر الجزع وجمرة متقدة، فيضعوهما أمام الصبي؛ فإن مدّ الصبي يده وأخذ حجر الجزع، علمنا أنه بحكمة فعل الفتى كل ما فعل، ويجب أن نقتله.

26

وأما إن مدّ يده إلى الجمرة، علمنا أنه لم يفعل هذا عن معرفة، ويحيا.

27

فحَسُن الأمر في عيني الملك والرؤساء، فصنع الملك بحسب قول ملاك الرب.

28

وأمر الملك أن يؤتى بحجر الجزع والجمرة ويُوضَعا أمام موسى.

29

ووُضع الغلام أمامهم، وهمَّ أن يمدّ يده إلى حجر الجزع، لكن ملاك الرب أخذ يده ووضعها على الجمرة، فانطفأت الجمرة في يده، فرفعها ووضعها في فمه، فأحرقت جزءًا من شفتيه وجزءًا من لسانه، فصار ثقيلاً في الفم واللسان.

العفو عن موسى ونشأته في بيت فرعون مكرمًا

30

فلما رأى الملك والرؤساء ذلك، علموا أن موسى لم يفعل بحكمة حين نزع التاج من رأس الملك.

31

فامتنع الملك والرؤساء عن قتل الطفل، فبقي موسى في بيت فرعون ينمو، وكان الرب معه.

32

وبينما كان الغلام في بيت الملك، كان يلبس الأرجوان، ونشأ بين أبناء الملك.

33

ولما كبر موسى في بيت الملك، عدّته باتيا ابنة فرعون ابنًا لها، وكرّمه كل بيت فرعون، وخافه جميع رجال مصر.

زيارة موسى لإخوته وغضبه على بلعام وهروبه إلى كوش

34

وكان يخرج كل يوم إلى أرض جوشن حيث إخوته بنو إسرائيل، فكان موسى يراهم كل يوم في ضيق النفس وشدة العمل.

35

فسألهم موسى قائلاً: لماذا يُفرَض عليكم هذا العمل يومًا فيومًا؟

36

فأخبروه بكل ما أصابهم، وبجميع الأوامر التي فرضها عليهم فرعون قبل مولده.

37

وأخبروه بكل المشورات التي دبّرها بلعام بن بعور ضدهم، وبما دبّره أيضًا ضده ليقتله حين أخذ تاج الملك عن رأسه.

38

فلما سمع موسى ذلك حمي غضبه على بلعام، وطلب أن يقتله، وكان يكمن له يومًا بعد يوم.

39

وخاف بلعام من موسى، فقام هو وابناه وخرجوا من مصر، وهربوا ونجّوا أنفسهم، ولجأوا إلى أرض كوش إلى كيكيانوس ملك كوش.

محبة المصريين لموسى وتقديمه التماس راحة لإسرائيل لدى فرعون

40

وكان موسى في بيت الملك يخرج ويدخل، وقد أعطاه الرب نعمةً في عيني فرعون وفي عيون جميع عبيده وفي عيون جميع شعب مصر، فأحبّوا موسى جدًا.

41

وجاء يوم مضى فيه موسى إلى جوشن ليرى إخوته، فرأى بني إسرائيل تحت أحمالهم وشدة عملهم، فاغتمّ موسى لأجلهم.

42

فرجع موسى إلى مصر وأتى إلى بيت فرعون، ومثُل أمام الملك، وسجد موسى أمامه.

43

وقال موسى لفرعون: أسألك يا سيدي، قد جئتُ أطلب منك طلبًا صغيرًا، فلا تصرف وجهي خائبًا. فقال له فرعون: تكلّم.

استجابة فرعون وإقرار يوم راحة عام لبني إسرائيل

44

فقال موسى لفرعون: ليُعطَ عبيدُك بنو إسرائيل الذين في جوشن يومًا يستريحون فيه من عملهم.

45

فأجاب الملك موسى وقال: هوذا قد رفعتُ وجهك في هذا الأمر لأمنحك طلبك.

46

وأمر فرعون بإصدار مرسوم في كل مصر وجوشن يقول:

47

إليكم يا جميع بني إسرائيل: هكذا يقول الملك: ستة أيام تعملون وتكدحون، وأما في اليوم السابع فتستريحون ولا تقومون بأي عمل. هكذا تفعلون في كل الأيام، كما أمر الملك وموسى ابن باتيا.

48

وفرح موسى بهذا الأمر الذي منحه له الملك، وفعل جميع بني إسرائيل كما أمرهم موسى.

بدء تذكّر الله لبني إسرائيل وازدياد مكانة موسى ومسعاه السلمي لدى الملك

49

لأن هذا الأمر كان من عند الرب لبني إسرائيل، إذ ابتدأ الرب يذكر بني إسرائيل ليخلّصهم من أجل آبائهم.

50

وكان الرب مع موسى، وذاع صيته في مصر كلها.

51

وعَظُم موسى في أعين جميع المصريين وفي أعين جميع بني إسرائيل، يلتمس الخير لشعبه إسرائيل، ويكلّم الملك عنهم بكلام سلام.