نجاح مُلك موسى في كوش ومحبته وهيبته لدى الشعب

1

وكان موسى بنَ عمرام لا يزال ملكًا في أرض كوش في تلك الأيام، وكان موفقًا في مملكته، وأدار حكمَ بني كوش بالعدل والبرّ والنزاهة.

2

وأحبّ جميعُ بني كوش موسى كلَّ أيام مُلكه عليهم، وكان كلُّ سكان أرض كوش يهابونه كثيرًا.

أدونية الملكة تطعن في موسى وتقترح تولية ابنها

3

وفي السنة الأربعين من مُلك موسى على كوش، كان موسى جالسًا على العرش الملكي وأدونيةُ الملكة أمامه، وجميعُ الأشراف جلوسٌ حوله.

4

وقالت أدونيةُ الملكة أمام الملك والرؤساء: ما هذا الأمر الذي صنعتموه، يا بني كوش، طوال هذه المدة؟

5

أما تعلمون أنّ هذا الرجل، منذ أربعين سنة مُلكِه على كوش، لم يقترب مني، ولم يخدم آلهة بني كوش؟

6

فالآن اسمعوا يا بني كوش، ولا تدَعوا هذا الرجل يملك عليكم بعدُ، لأنه ليس من لحمنا ودمنا.

7

هوذا ابني ميناكروس قد كبر، فليملك عليكم، لأنه خيرٌ لكم أن تخدموا ابنَ سيّدكم من أن تخدموا غريبًا، عبدَ ملكِ مصر.

تنصيب ميناكروس ملكًا وإكرام موسى وخروجه من كوش

8

فسمع جميعُ الشعب وأشرافُ بني كوش الكلماتِ التي تكلّمت بها أدونيةُ الملكةُ في مسامعهم.

9

وكان الشعب يتجهّز إلى المساء، وفي الصباح بكّروا وجعلوا ميناكروس ابنَ كيكيانوس ملكًا عليهم.

10

وكان بنو كوش يَهابون أن يمدّوا أيديهم على موسى، لأن الربّ كان مع موسى، وتذكّر بنو كوش القسمَ الذي حلفوه لموسى، لذلك لم يسيئوا إليه.

11

لكن بني كوش قدّموا لموسى هدايا كثيرة، وأرسلوه عنهم بإكرام عظيم.

12

فخرج موسى من أرض كوش، وعاد إلى بيته وكفّ عن المُلك على كوش، وكان موسى ابنَ ستٍّ وستين سنة حين خرج من أرض كوش، لأن الأمر كان من عند الربّ، إذ قد جاء الموعد الذي عيّنه منذ القديم، ليُخرج إسرائيل من مذلّة بني حام.

موسى يلجأ إلى مديان ويساعد بنات رعوئيل عند البئر

13

فمضى موسى إلى مديان، لأنه خاف أن يرجع إلى مصر بسبب فرعون، وذهب فجلس عند بئر ماء في مديان.

14

وخرجت بناتُ رعوئيل المدياني السبعُ ليرعين غنمَ أبيهنّ.

15

وجئن إلى البئر واستقين ليسقين غنم أبيهنّ.

16

فأتى رعاةُ مديان وطردوهنّ، فقام موسى ونصرهنّ وسقى الغنم.

17

وجئن إلى أبيهنّ رعوئيل وأخبرنه بما صنعه موسى لأجلهنّ.

18

وقلن: رجلٌ مصريّ أنقذنا من يد الرعاة، واستقى لنا وسقى الغنم.

19

فقال رعوئيل لبناته: وأين هو؟ ولماذا تركتنَ الرجل؟

20

فأرسل رعوئيل في طلبه، فجيء به وأُدخل إلى بيته، فأكل خبزًا معه.

رعوئيل يسجن موسى عشر سنين وصفّورة تعوله سرًا

21

وقصّ موسى على رعوئيل أنه هرب من مصر، وأنه ملك أربعين سنة على كوش، وأنهم بعد ذلك نزعوا منه الحكم، ثم صرفوه بسلامٍ وإكرامٍ وهدايا.

22

فلما سمع رعوئيل كلامَ موسى قال في نفسه: سأُدخِل هذا الرجل بيتَ السجن لأسترضي به بني كوش، لأنه قد هرب منهم.

23

فأخذوه ووضعوه في بيت السجن، وكان موسى في السجن عشرَ سنين، وبينما كان موسى في بيت السجن، رقّت له صفّورة بنتُ رعوئيل، فكانت تعوله بالخبز والماء طوال تلك المدة.

اشتداد عبودية إسرائيل وضربة البرص لفرعون وقساوته

24

وكان جميعُ بني إسرائيل بعدُ في أرض مصر يخدمون المصريين في كلِّ صنوف العمل الشاقّ، وكانت يدُ مصر شديدةً على بني إسرائيل في تلك الأيام.

25

وفي ذلك الوقت ضرب الربّ فرعونَ ملكَ مصر، وأصابه بآفةِ البرص من أسفل قدمه إلى هامة رأسه؛ وبسبب قسوته على بني إسرائيل كانت تلك الضربةُ في ذلك الحين من عند الربّ على فرعون ملك مصر.

26

لأن الربّ قد استجاب لصلاةِ شعبه بني إسرائيل، وبلغ إليه صراخُهم بسبب عملهم الشاقّ.

27

ومع ذلك لم ترتدّ السخطةُ عنهم، وكانت يدُ فرعون ما تزال ممدودةً على بني إسرائيل، وقسّى فرعونُ رقبته أمام الربّ، وزاد نِيرَه على بني إسرائيل، ومرّر حياتهم بكلِّ صنوف العمل الشاقّ.

استشارة فرعون للسحرة وقتل رُضّع بني إسرائيل وتفاقم الضربة

28

ولما ضرب الربّ فرعونَ ملكَ مصر بالآفة، سأل فرعونُ حكماءه وسحرته أن يشفوه.

29

فقال له حكماؤه وسحرته: إن وُضع دمُ الأطفال الصغار في القروح شُفي.

30

فأصغى فرعون إليهم، وأرسل وزراءه إلى جوشن إلى بني إسرائيل ليأخذوا أطفالهم الصغار.

31

فذهب وزراءُ فرعون وأخذوا رُضّعَ بني إسرائيل من أحضان أمّهاتهم قسرًا، وكانوا يأتون بهم إلى فرعون كلَّ يوم، طفلًا في كلِّ يوم، فكان الأطباء يقتلونهم ويضعون دمهم على الآفة؛ وهكذا كانوا يفعلون كلَّ الأيام.

32

وكان عددُ الأطفال الذين قتلهم فرعون ثلاثمائةٍ وخمسةٍ وسبعين.

33

ولكن الربّ لم يستجب لأطباء ملك مصر، فكانت الضربة تزداد وتشتدّ جدًا.

34

وابتُلي فرعون بتلك الآفة عشرَ سنين، ومع ذلك ازداد قلبُ فرعون قساوةً على بني إسرائيل.

ضربات أشدّ وذهاب فرعون المريض بنفسه إلى جوشن

35

وعند نهاية عشر سنين، عاد الربّ فضرب فرعون بضرباتٍ مهلِكة.

36

فضربه الربّ بورمٍ خبيثٍ ومرضٍ في المعدة، فانقلبت الآفةُ دملًا شديدًا.

37

وفي ذلك الوقت جاء وزيرا فرعون من أرض جوشن حيث كان جميعُ بني إسرائيل، ودخلا بيتَ فرعون وقالا له: لقد رأينا بني إسرائيل يتباطؤون في عملهم ويتهاونون في شغلهم.

38

فلما سمع فرعون كلامَ وزرائه حمي غضبُه جدًا على بني إسرائيل، لأنه كان متوجّعًا جدًا في جسده.

39

فأجاب وقال: الآن لما علم بنو إسرائيل أني مريض، انقلبوا يستهزئون بنا؛ والآن اشدّوا لي مركبتي، فإني سأمضي إلى جوشن وأنظر سخريّة بني إسرائيل التي بها يعيّرونني. فشدّ خدمُه المركبة له.

40

وأخذوه فأركبوه على حصان، لأنه لم يكن قادرًا أن يركب بنفسه.

41

وأخذ معه عشرةَ فرسانٍ وعشرةً من الرجّالة، ومضى إلى بني إسرائيل إلى جوشن.

حادثة سقوط فرعون في الطريق وعودته محمولًا إلى مصر

42

ولما بلغوا تخومَ مصر، مرَّ حصانُ الملك في ممرٍّ ضيّقٍ مرتفعٍ داخل منخفض الكَرْم، مُسوَّرٍ من الجانبين، وكانت الأرضُ المنبسطةُ المنخفضةُ في الجهة الأخرى.

43

فأسرعت الخيل في ذلك الموضع وتزاحمت، فضغطت الخيلُ الأخرى حصانَ الملك.

44

فسقط حصانُ الملك في السهل المنخفض والملك راكبٌ عليه، ولما سقط انقلبت المركبة على وجه الملك، ووقع الحصان على الملك، فصرخ الملك لأن جسده كان شديدَ الألم.

45

وتمزّق لحمُ الملك وتكسّرت عظامُه، فلم يعد قادرًا على الركوب، لأن هذا الأمر كان من عند الربّ له، إذ قد سمع الربّ صراخَ شعبه بني إسرائيل وضيقهم.

46

فحمله عبيدُه على أكتافهم قليلًا قليلًا، وأعادوه إلى مصر، ورجع الفرسانُ الذين معه أيضًا إلى مصر.

بكاء أهل القصر ونقاش الخلافة وذكر أبناء الملك

47

ووضعوه في فراشه، وعلم الملك أنّ أجلَه قد حضر ليموت، فجاءت أبارانيث الملكة امرأتُه وصرخت أمام الملك، وبكى الملك معها بكاءً شديدًا.

48

وجاء في ذلك اليوم جميعُ أشرافه وخدّامه ورأوا الملك في تلك الشدّة، فبكوا معه بكاءً شديدًا.

49

فأشار رؤساءُ الملك وكلُّ مستشاريه على الملك أن يُملّك في مكانه في الأرض من يختاره من بنيه.

50

وكان للملك ثلاثةُ بنين وابنتان ولدتهما له أبارانيث الملكة امرأتُه، إلى جانب أولاد الملك من السراري.

51

وهذه أسماؤهم: البكر أوثري، والثاني أديقام، والثالث موريون؛ وأُختاهما: اسمُ الكبرى باثية، واسمُ الأخرى أكوزي.

تقييم أبناء فرعون وترجيح أديقام وزواجه ونسله

52

وكان أوثري بكرُ الملك أحمقَ، متهوّرًا مسرعًا في كلامه.

53

وأما أديقام فكان داهيًا حكيمًا عارفًا بكلِّ حكمة مصر، لكنه قبيح المنظر، غليظَ اللحم، قصيرَ القامة جدًا؛ طوله ذراعٌ واحد.

54

فلما رأى الملكُ أديقام ابنَه فطِنًا حكيمًا في كلِّ شيء، عزم أن يملكَه مكانه بعد موته.

55

وأخذ له زوجةً اسمُها جدوده بنتُ أبيلوت، وكان عمره عشرَ سنين، فولدت له أربعةَ بنين.

56

ثم بعد ذلك تزوّج ثلاثَ نساءٍ، فأنجب ثمانيةَ بنين وثلاثَ بنات.

تفاقم مرض الملك وتنصيب أديقام ثم وفاة الملك ودفنه

57

واشتدّ المرضُ جدًا على الملك، وأنْتَن لحمُه كرائحةِ جِيفةٍ مطروحةٍ في الحقل في وقت الصيف عند حرِّ الشمس.

58

ولما رأى الملكُ أن مرضه قد اشتدّ عليه كثيرًا، أمر أن يُؤتى بابنه أديقام، فملّكوه على الأرض مكانه.

59

وفي نهاية ثلاث سنين مات الملك بالخزي والعار والاشمئزاز، فحمله خَدَمُه ودفنوه في مقبرة ملوك مصر في صوعَن مصرايم.

60

لكنهم لم يُحنّطوه كما يُفعل للملوك، لأن جسده كان منتنًا، ولم يقدروا أن يقتربوا لتحنيطه من رائحة النتن، فدفنوه على عَجَل.

خاتمة الحكم على الملك وبدء مُلك أديقام في مصر

61

لأن هذا الشرَّ كان من عند الربّ له، فقد جازاه الربّ شرًّا على الشرّ الذي فعله بإسرائيل في أيامه.

62

ومات وهو في رعبٍ وخزي، وملك ابنُه أديقام مكانه.